المتطلبات الاقتصادية للدور الإقليمي لمصر
آخر تحديث: 2012/9/21 الساعة 17:06 (مكة المكرمة) الموافق 1433/11/6 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/9/21 الساعة 17:06 (مكة المكرمة) الموافق 1433/11/6 هـ

المتطلبات الاقتصادية للدور الإقليمي لمصر

عبد الحافظ الصاوي- القاهرة

- المتطلبات عربيا
- المتطلبات أفريقيا

- المتطلبات أورومتوسطيا

- المتطلبات شرق أوسطيا

تنتمي مصر إلى عدة كيانات إقليمية، ويفرض عليها ذلك أعباء كبيرة، منها ما هو سياسي واقتصادي، بل واجتماعي وثقافي. فمصر لديها الانتماء العربي الذي يمثل التجمع الإقليمي الأول، ثم الانتماء الأفريقي الذي يمثل عمقا إستراتيجيا ترتبط به مصر في أهم مواردها وبقاء الحياة فيها وهو نهر النيل.

ثم التجمع الأورومتوسطي، الذي يمثل عمق العلاقات التاريخية، والتجمع الشرق أوسطي الذي يجمع عليها علاقات تركيا وإيران، بما لها وعليها من تبعات، وفي نفس الوقت ضم الكيان الصهيوني إلى هذا التجمع، أو هو الذي إعادة فكرة الشرق أوسطية إلى دائرة الضوء بعد محادثات السلام بمدريد مطلع تسعينيات القرن الماضي.

وانحسر الدور الإقليمي لمصر قبل ثورة 25 يناير، ولم يبقى منه سوى بعض اللقاءات والمؤتمرات الروتينية، التي لا تضيف إلى قوة مصر الإقليمية أو تظهر دورا فعالا يوجه دفة الأمور على أي من الدوائر الإقليمية التي تنتمي إليها مصر. ويهتم هذا التحليل بالتركيز على المتطلبات الاقتصادية لعودة الدور الإقليمي لمصر.

العلاقات الاقتصادية لمصر مع الدول العربية تتمثل في حجم التبادل التجاري الذي يربو على 11.5 مليار دولار، إضافة لاستثمارات بالمليارات، ووجود نسبة 70% من العمالة المصرية المهاجرة بالدول العربية

المتطلبات عربيا
تاريخ طويل لمصر والمنطقة العربية في التعاون الإقليمي، الأصل فيه صراع النظم الحاكمة، باستثناء الموقف العربي في حرب 1973. ونشأت في إطار التجمع الإقليمي العربي العديد من المؤسسات الاقتصادية، والمشروعات الإنتاجية والخدمية المشتركة، لكن النتيجة النهائية لهذه التجارب على مدار نحو سبعة عقود عدم وجود كيان اقتصادي إقليمي عربي مؤثر في الاقتصاد العالمي، أو يقي المنطقة شر التقلبات الخارجية أو يفي باحتياجاتها من السلع الإستراتيجية.

العلاقات الاقتصادية لمصر مع الدول العربية تتمثل في حجم التبادل التجاري الذي لا يتجاوز 11.5 مليار دولار، وبما يعادل نسبة 14% من حجم التبادل التجاري الإجمالي لمصر مع العالم عام 2010/2011. بالإضافة إلى بعض الاستثمارات العربية بمصر، ووجود نسبة 70% من العمالة المصرية المهاجرة بالدول العربية، وإن كان معظم هذه العمالة يتركز في دول الخليج العربي.

يفرض هذا الواقع على مصر مجموعة من المتطلبات والتحديات، منها:

  • إن مصر تتركز معاملاتها الاقتصادية بشكل رئيس مع دول الخليج، وليبيا والسودان، بينما تقل هذه المعاملات مع دول المغرب العربي وتندر مع الدول العربية الأقل نموا، باستثناء السودان، والتي تضم (اليمن وموريتانيا وجيبوتي وجزر القمر والصومال). وبالتالي لابد من إعادة خريطة التعاملات الاقتصادية لمصر، بما يزيد من حصة تعاملاتها عربيا، وبما لا يؤدي إلى وجود ندرة أو قطيعة مع بقية الدول العربية.
  • بإمكان مصر أن تؤدي دورا ملموسا في اقتصادات الخدمات، بل والاقتصاديات الإنتاجية للدول العربية الأقل نموا، مثل مجالات التعليم والاتصالات والبنية الأساسية.
  • ثمة أمر مهم يمكن لمصر أن تلعبه خلال المرحلة المقبلة، وهو بث روح الأمل والعمل في مؤسسات العمل العربي المشترك، ولكن بعيدا عن الشعارات، والدخول في اتفاقيات حقيقية تعكس مصلحة جميع الدول المشاركة في هذه المؤسسات.
  • أن تعمل مصر على سرعة تهيئة مناخ الاستثمار بها على وجه السرعة لجذب أكبر قدر ممكن من الاستثمارات العربية، مستثمرين حالة الزخم العاطفي في العالم العربي تجاه الثورة المصرية.
واقع التبادل التجاري لمصر أفريقيا محدود للغاية، وهو ما تبرهن عليه الأرقام الخاصة بعام 2010/2011، حيث بلغ التبادل التجاري لمصر مع الدول الأفريقية غير العربية 1.2 مليار دولار فقط

المتطلبات أفريقيا
تشارك مصر في أكثر من تجمع أفريقي، وبخاصة ذات الطابع الاقتصادي منها، وأبرزها تجمع "كوميسا" إلا أن واقع التبادل التجاري لمصر أفريقيا محدود للغاية، وهو ما تبرهن عليه الأرقام الخاصة بعام 2010/2011، حيث بلغ التبادل التجاري لمصر مع الدول الأفريقية غير العربية 1.2 مليار دولار، وبما يعادل نسبة 1.5% فقط من إجمالي التبادل التجاري لمصر مع العالم.

ولم تنتبه مصر لغيابها الأفريقي إلا بعد بروز أزمة المياه في إطار تجمع دول حوض النيل، وتضخم دور الكيان الصهيوني في هذه الدول، واستخدام قضية المياه ورقة ضغط على مصر.

ويتطلب عودة مصر اقتصاديًا على الصعيد الأفريقي مراعاة ما يلي:

  • أن تأخذ مصر في الاعتبار حاجات الدول التي تعاني من فقر وتراجع في التصنيف التنموي بمعدلات كبيرة، ويمكن للقاهرة في ضوء إمكانياتها أن تقدم لهذه الدول يد العون، في المجال التعليمي والصحي كما كان من قبل. ويتأتى على مصر القيام بهذا الدور من خلال مؤسساتها كدولة بتوفير فرص للتعليم في المجالات التطبيقية والعلمية لأبناء هذه الدول بالجامعات المصرية، بالإضافة إلى بعثات الأزهر. ويمكن الاعتماد على إمكانيات المجتمع الأهلي بمصر وغيرها بالدول العربية والإسلامية لتقديم المساعدات للدول الأفريقية الأقل نموا.
  • يمكن لمصر أن تدفع بالقطاع الخاص للدخول في شراكات بأفريقيا، وزيادة معدلات التبادل التجاري مع تجمع كوميسا، وبخاصة أن مصر تتمتع بمزايا نسبية في مجالات الدواء مثلًا، والذي تفتقر إليه الدول الأفريقية، وقد يكون التمويل مشكلة بالدول الأفريقية، ويمكن التغلب على هذه المشكلة من خلال الصفقات المتكافئة للاستفادة من المواد الخام والسلع الأولية بأفريقيا.
  • أن تستفيد مصر من الخبرة الصينية، التي استطاعت في وقت وجيز أن توجد في العمق الأفريقي على صعيد الاستثمار والخدمات.
يعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لمصر، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بينهما 29.5 مليار دولار، وبما يعادل نسبة 38% من إجمالي التبادل التجاري لمصر مع العالم

المتطلبات أورومتوسطيا
يعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لمصر، حيث يبلغ حجم التبادل التجاري بينهما 29.5 مليار دولار، وبما يعادل نسبة 38% من إجمالي التبادل التجاري لمصر مع العالم. إلا أن هذا التبادل التجاري لا يمثل إلا جانبا من العلاقات الاقتصادية بين الجانبين، فهناك اتفاقية الشراكة، التي لم تستفد منها مصر بعد بالشكل الكافي، ويكتفي الجانب المصري بالصادرات النفطية والزراعية وبعض السلع التقليدية لدول الاتحاد الأوروبي.

كما أن الاتحاد الأوروبي يسستوعب جانبا مهما من العمالة المصرية، ولكن تبقى قضية الهجرة غير الشرعية من القضايا الشائكة، التي تؤرق الجانبين، وبإمكان مصر أن تركز على تأهيل عمالتها بما يتناسب واحتياجات السوق الأوروبية، ولكن شريطة أن تتخلى أوروبا عن تحفظاتها تجاه المهاجرين إليها.

وتحتاج مصر إلى المتطلبات الآتية على الصعيد الأورومتوسطي:

  • قد يكون التحدي الأكبر لمصر تجاه التجمع الأورومتوسطي إعادة صياغة اتفاقية الشراكة بما يجعل من الدول العربية المشاركة فيها كيانا واحدا تجاه الكيان الأوروبي، بما يقوي الجانب العربي.
  • مازالت كفة المنافسة في العلاقات الاقتصادية بين الجانبين غير متكافئة، ولم تخرج عن طبيعة العلاقات بين الدول المتقدمة والنامية، من حيث طبيعة الصادرات والواردات، واتسام الجانب الأوروبي بالتقدم التقني، وعلى مصر أن تزيد من القيمة المضافة لصادراتها لأوروبا.
  • لم تستفد مصر بالشكل المطلوب من وجود علاقات مع كافة دول الاتحاد الأوروبي، الذي يضم 26 دولة، حيث لاتزال كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا تسيطر على الجانب الأكبر في تعاملات مصر الاقتصادية، وعلى مصر أن توسع من دائرة تعاملاتها الأوروبية، بما يكسب تعاملاتها الاقتصادية عدم التركيز في جهات محددة.

مشروع الشرق أوسطية من شأنه أن يضيف إلى مصر علاقات وطيدة لها مع كل من إيران وتركيا

المتطلبات شرق أوسطيا
على الرغم من اللغط الذي أثير حول مشروع الشرق أوسطية، وأن الغرض منه هو غرس الكيان الصهيوني واندماجه اقتصاديا مع دول المنطقة، فإن الواقع الفعلي لم يترجم إلى وجود اتفاقيات اقتصادية على الأرض، كما حدث في الإطار المتوسطي.

وإن كانت العلاقات الاقتصادية لمصر مع تل أبيب محدودة، وتشهد تضاؤلا أكبر بعد ثورة 25 يناير، إلا أن مشروع الشرق أوسطية يضيف إلى مصر علاقات وطيدة لها مع كل من إيران وتركيا.

مع العلم بأن العلاقات الاقتصادية المصرية التركية قد شهدت تطورا ملموسا خلال العقد الأخير حيث اقترب التبادل التجاري بين البلدين لمستوى أربعة مليارات دولار، وحجم الاستثمارات التركية في مصر وصل لنحو مليار دولار.

ومن المتوقع أن تشهد العلاقة الاقتصادية بين مصر وإيران تطورا خلال الفترة المقبلة، وذلك رغم العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران من قبل الغرب.

وتحتاج مصر على الصعيد الشرق أوسطي المتطلبات الآتية:

  • على مصر أن تستفيد في هذا الجانب من تجربة كل من تركيا والإمارات، فالأخيرة رغم ما بينها وبين إيران من مشكلات تتعلق بالجزر الثلاث التي تحتلها إيران، إلا أنها تعد من أكبر الشركاء التجاريين لإيران، وكذلك تركيا طورت من علاقتها مع إيران على الصعيد الاقتصادي بشكل كبير.
  • إعداد سيناريوهات مصرية تجاه المنافسة التي ستفرض نفسها من قبل اقتصاديات إقليمية مثل تركيا، والكيان الصهيوني المدعوم بقوة من الغرب وأميركا.

وفي المحصلة فإنه لابد لصانع السياسة الاقتصادية بمصر من أن يعيد خريطة التعاملات الاقتصادية في الأطر الإقليمية المختلفة، بعيدا عن المشكلات الاقتصادية التي تحيط بمصر وبغيرها من شركائها الإقليميين.

ولم يعد التمويل عقبة تحول دون قيام مصر بدورها الإقليمي، فالتسويات عبر العملات المحلية جُربت بنجاح في إطار تجمع آسيان مع الصين، وعبر تجمع "بريكس".

كما أن لمصر محيطا متسعا لمشاركة المجتمع الأهلي، وتفعيل مجتمع الأعمال، على أن تكون أهداف المشاركة واضحة لدى هؤلاء الشركاء، وأنهم ينفذون خطة دولة، وأن تكون الأدوار مرسومة وفق خريطة العمل على الصعيد العربي والأفريقي، والأورومتوسطي، والشرق أوسطي.

ولا يغيب عن مصر تجربة دول مماثلة أمكنها استعادة دورها الإقليمي وكان لديها العديد من المشكلات الاقتصادية الداخلية، وكذلك كونها تشق طريقها على طريق النمو، مثل الصين، وتركيا، والهند، والبرازيل.

المصدر : الجزيرة

التعليقات