وعود عربية وأجنبية بالاستثمار بمصر
تطور الاستثمارات الأجنبية بمصر 
توجهات سياسية ذات طابع إقليمي ودولي 
تحديات تواجه مصر

وعود عربية وأجنبية بالاستثمار بمصر
خلال الأيام القليلة الماضية توالت الزيارات لوفود عربية وأجنبية على القاهرة، كان في مقدمتها زيارة الوفد القطري والذي أنهى زيارته بوعد بضخ استثمارات قدرها 18 مليار دولار في مشروعات سياحية بالساحل الشمالي، وأخرى بمنطقة شرق التفريعة تشمل مصانع للحديد وإنتاج الطاقة الكهربائية.

كذلك أتت زيارة وفد رجال الأعمال الأميركيين والتي ضمت نحو 117 رجل أعمال من أكبر خمسين شركة أميركية.

وبحسب تصريحات وفد رجال الأعمال الأميركي للإعلام فإن استثماراتهم المزمع تنفيذها في مصر تشمل مشروعات لإنتاج الطاقة والتجارة والخدمات وصناعة الدواء.

أما الوفد الثالث فكان لرجال أعمال سعوديين. ويتوقع أن تبلغ قيمة المشروعات المعروضة على الوفد السعودي نحو 8.5 مليارات دولار. وبحسب تصريحات وزير المالية المصري فإن هذه المشروعات تضم إنشاء موانئ نهرية وتطوير ميناء سفاجا ومشروعات لتدوير المخلفات الصلبة.

وقد سبق هذه الزيارات الإعلان عن نتائج زيارة الرئيس مرسي للصين، والتي تمثلت في جلب استثمارات صينية بنحو 5.5 مليارات دولار.

وبلا شك فإن هذه الزيارات تحمل أخبارا سارة للمواطن المصري بعد أحداث ثورة 25 يناير، وبخاصة أن البرنامج الانتخابي للرئيس مرسي ركز بشكل واضح على دور الاستثمارات الأجنبية في النهوض بالاقتصاد المصري. ولكن ما هو المردود التنموي لهذه الاستثمارات على الاقتصاد المصري؟ هل ستشهد مصر تجربة مماثلة لكل من ماليزيا والصين مثلا في تعظيم الاستفادة من الاستثمارات الأجنبية؟ أم سيكون الحال تكرار تجربة مصر فيما قبل الثورة حيث لم تؤد هذه الاستثمارات دورا يذكر على صعيد تطوير الصادرات، أو توطين التكنولوجيا في مصر، أو زيادة مهارة اليد العاملة؟

تطور الاستثمارات الأجنبية بمصر
تعاني مصر منذ سنوات طويلة من وجود فجوة بين المدخرات والاستثمارات القومية. ففي حين تقدر المدخرات القومية للمصريين بنحو 17% من الناتج المحلي الإجمالي، نجد أن الاستثمارات القومية المطلوبة تقدر بـ30% من الناتج المحلي الإجمالي.

ومن هنا اتجهت مصر إلى تغطية هذه الفجوة عبر فترة من الزمن عن طريق الاقتراض الخارجي، وتسبب لها هذا الأمر في وجود أزمة خانقة أثناء عقد الثمانينيات من القرن العشرين، ولم تخرج مصر من أزمة مديونيتها الخارجية إلا بتوقيع اتفاق الصندوق والبنك الدوليين في عام 91/1992.

وكان البديل الثاني للاقتراض من الخارج هو فتح المجال للاستثمارات الأجنبية المباشرة، حيث تمت عمليات خصخصة على نطاق واسع وفتح باب المساهمة للقطاع الخاص الأجنبي في كافة الأنشطة الاقتصادية حتى انتهي الأمر بحق الاستثمارات الأجنبية بالدخول في مشروعات حق الامتياز في إنشاء البنية الأساسية والموانئ والمطارات.

يعتبر عام 2007/2008 الأعلى في تاريخ الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر، إذ حققت هذه الاستثمارات فيه 13.1 مليار دولار ثم تراجعت بفعل الأزمة المالية العالمية فوصلت في عام 2009/2010 لنحو 6.7 مليارات دولار

ولم تكن الاستثمارات الأجنبية المباشرة تمثل وزنا يعتد به في أداء الاقتصاد المصري قبل عام 2000، حيث تظهر البيانات أن نصيب مصر من صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة في عام 2000/2001 لا تزيد عن 0.5 مليار دولار، ثم أخذت في الارتفاع من بعد هذا التاريخ تدريجيا لتصل إلى 2.1 مليار دولار في عام 2003/2004، وفي عام 2006/2007 بلغ صافي تدفقات هذه الاستثمارات 11.1 مليار دولار.

ويعتبر عام 2007/2008 الأعلى في تاريخ الاستثمارات الأجنبية المباشرة في مصر، إذ حققت هذه الاستثمارات فيه 13.1 مليار دولار ثم تراجعت بفعل الأزمة المالية العالمية فوصلت في عام 2009/2010 لنحو 6.7 مليارات دولار. ومع أحداث ثورة 25 يناير بلغت هذه الاستثمارات في عام 2010/2011 نحو 2.1 مليار دولار.

كما توضح بيانات البنك المركزي المصري أن صافي تدفقات الاستثمارات الأجنبية لمصر خلال الشهور الستة الأولى من عام 2012 بلغت نحو 650 مليون دولار فقط.

ومن خلال الاطلاع على هيكل هذه الاستثمارات نجد أن قطاع البترول يستحوذ على نصيب الأسد منها بنسبة تتراوح ما بين 70% و75%،.

وبطبيعة الاستثمار في قطاع البترول يتضح أن معظم الاستثمارات ذهبت إلى مجال الصناعات الاستخراجية، وهي بطبيعتها ذات قيمة مضافة ضئيلة، فضلا عن كونها كثيفة رأس المال ولا تؤدي إلى خلق فرص عمل بالشكل الذي يتناسب مع احتياجات الاقتصاد المصري الذي يعاني من ارتفاع معدلات البطالة.

والملمح الثاني في التجربة المصرية أن ارتفاع نصيب مصر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة يرجع إلى تنفيذ بعض مشروعات الخصخصة ذات القيمة العالية مثل بيع رخصة شركة المحمول الثالثة، وبيع بنك الإسكندرية الذي يعد من بنوك القطاع العام الكبرى في مصر. 

توجهات سياسية ذات طابع إقليمي ودولي
لابد أن نذكر في البداية أن معظم العلاقات الاقتصادية لأية دولة مع العالم الخارجي هي نتيجة لمصالح مشتركة بين البلدين.

وفي الحالة المصرية نجد أن تدافع العديد من الدول على إنشاء علاقة جديدة مع مصر، جاء لتوجهات سياسية ذات طابع إقليمي ودولي، وبخاصة أن الرئيس المصري قد بدأ زياراته الخارجية متجهًا نحو الشرق بزيارته الصين في إطار اقتصادي ثم إيران في إطار سياسي، وهو ما أثار قلق الغرب والعرب، فأتت تلك المبادرات.

ويظهر هذا بوضوح من خلال حرص الولايات المتحدة على مجيئ وفد من مسؤوليها الاقتصاديين لمصر في نفس يوم زيارة الرئيس المصري للصين، وأعقب ذلك زيارة وفد رجال الأعمال، كما أن تصريح رجل الأعمال السعودي عبد الله دحلان كان واضحا، إذ حذر من أن تباطؤ تدفق الاستثمارات السعودية لمصر سيفتح الباب للاستثمارات الإيرانية.

الأمر الثاني: هو أن مشروعات إنتاج الطاقة هي العامل المشترك بين كافة المشروعات المطروحة من قبل كافة الوفود، أو حتى تلك المشروعات المعلنة من قبل الصين.

ويعكس هذا الأمر المشكلة التي تعاني منها مصر في إنتاج الطاقة، وحاجتها خلال المرحلة المقبلة لتنفيذ برامجها الطموحة على الصعيد التنموي. لذلك وجدنا أن الوفد القطري يعلن عن عزمه تنفيذ مشروعات تتعلق بإنتاج الغاز، وكذلك الوفد الأميركي بتبنيه مشروعات لإنتاج الطاقة الكهربائية.

وقد لعب إعلان مصر عودتها لمشروع البرنامج النووي السلمي بمنطقة الضبعة دورًا مهمًا في تبني الاستثمارات الأجنبية لمشروعات الطاقة، باعتبارها بديلا عن الطاقة النووية، تخوفا من مضي مصر في مجال الطاقة النووية.

وفيما يتعلق بالاستثمارات القطرية، يلاحظ أن الجانب الأكبر منها، وحسب ما هو معلن سوف يتجه للاستثمارات السياحية، بإنشاء مارينا ومنطقة يخوت عملاقة في الساحل الشمالي بتكلفة عشرة مليارات دولار. 

مصر تمر بأزمة مالية خانقة، مما يستدعي في الأجل القصير وجود استثمارات تسد هذه الفجوة، كما أن طبيعة مشكلات تدني معدلات النمو للناتج المحلي، وكذلك ضآلة هذا الناتج وهشاشة هيكله تجعل مصر تعيد النظر في الاستثمارات التي تستهدفها

وثمة مخاوف من هذا التوجه بسبب أن مصر تحتاج إلى استثمارات بشكل كبير في المجالات الإنتاجية الزراعية والصناعية، فضلا عن أن قطاع السياحة في مصر وفي المنطقة بشكل عام يرتبط بالخارج أكثر منه للداخل، ويمثل هذا الأمر أحد أهم نقاط ضعف قطاع السياحة.

فأية مشكلات داخلية أو إقليمية أو دولية تصيب هذا القطاع بالشلل، وهو ما لمسناه في أحداث الإرهاب بالأقصر في عام 1997، أو في أحداث الاعتداءات الصهيونية على جنوب لبنان أو على قطاع غزة.

فحسب متطلبات التنمية كان من الأولى أن توجه هذه الأموال في نفس المنطقة ولكن في مجال الزراعة وإنتاج القمح، الذي تشير الدراسات إلى أن المنطقة المزمع تنفيذ المشروع السياحي فيها مؤهلة لتحقيق الاكتفاء الذاتي لمصر من القمح.

وقد شكل قطاعا التجارة والدواء جانبا مهما من عروض الشركات الأجنبية. ويلاحظ أن أميركا تشكل الشريك التجاري الثاني لمصر بعد الاتحاد الأوروبي. وتحقق أميركا فائضا تجاريا بنحو ستة مليارات دولار مع مصر. وتسعى مصر منذ سنوات لاتفاقية منطقة تجارة حرة مع أميركا، ولكن لدواع سياسية رفض الجانب الأميركي التوقيع على هذه الاتفاقية، على الرغم من توقيع أميركا لمثل هذه الاتفاقية مع الكيان الصهيوني منذ سنوات، ومع بعض دول الخليج مؤخرا.

أما صناعة الدواء فمصر تفتقر لأهم مقوماتها وهو البحث والتطوير. فإنتاج مصر من الدواء هو إنتاج كمي يتمثل في الحصول على تراخيص الإنتاج من شركات أجنبية، وينبغي أن تركز مصر على أن توجه الاستثمارات الأميركية بشكل أكبر لمجال البحث والتطوير وليس مجرد إضافة خطوط إنتاج جديد لمصانع الدواء.

ولعل الجانب السعودي هو الحالة الوحيدة التي أًعلنت أن الحكومة المصرية عرضت عليه مشروعات تتعلق بخطتها الاستثمارية، وتتعلق هذه بإنشاء موانئ للنقل النهري وخطوط سكك حديدية وتدوير مخلفات صلبة وتطوير ميناء سفاجا، وهي مشروعات تصب في صميم احتياجات مصر التنموية في المرحلة الحالية، ولكن تبقى هذه المشروعات أسيرة موافقة الجانب السعودي.

تحديات تواجه مصر
ثمة مجموعة من التحديات تواجه الحكومة المصرية خلال المرحلتين الحالية والمقبلة في مجال الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

أولها أن مصر تمر بأزمة مالية خانقة، مما يستدعي في الأجل القصير وجود استثمارات تسد هذه الفجوة، كما أن طبيعة مشكلات تدني معدلات النمو للناتج المحلي، وكذلك ضآلة هذا الناتج - يقدر الناتج المحلي الإجمالي لمصر بنحو 270 مليار دولار أميركي- وهشاشة هيكله تجعل مصر تعيد النظر في الاستثمارات التي تستهدفها.

فمصر تريد استثمارات كثيفة العمل في المرحلة الأولية، وبخاصة في القطاعات الإنتاجية والبنية الأساسية، وبما يساعدها على تحقيق اكتفاء ذاتي بمعدلات مرضية على صعيد الغذاء والسلع الزراعية الإستراتيجية. وكذلك تحتاج مصر إلى صناعات تمثل قيمة مضافة عالية، تغير من هيكل صادراتها من المواد الأولية والصناعات التقليدية إلى الصناعات عالية التكنولوجيا، وبخاصة أن مصر تمتلك من الموارد البشرية ما يؤهلها لهذا المضمار. وكل هذا يفرض على مصر وجود خريطة لاحتياجاتها الاستثمارية تقدمها للمستثمرين الأجانب، حتى لا تقع مصر تحت رغبة المستثمرين، فتأتي هذه الاستثمارات لتزاحم الاستثمارات والصناعات المحلية كما حدث في السنوات الماضية. 
___________________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة