عمال من الضفة بعد انتهاء يوم العمل يجلسون قبالة خيمة اللجوء بسهول إحدى بلدات الداخل (الجزيرة نت)

محمد محسن وتد-أم الفحم

اتسعت ظاهرة نزوح الفلسطينيين من مختلف الفئات العمرية إلى إسرائيل دون تصاريح، وذلك بحثا عن فرصة عمل مواتية لتوفير لقمة العيش بظل ارتفاع الأسعار المتواصل وغلاء المعيشة وانعدام فرص العمل، مع ارتفاع نسبة البطالة وتردي الأوضاع الاقتصادية بمدن الضفة الغربية وما يرافقها من احتجاجات متواصلة تنذر بالانفجار، حيث تحولت دولة الاحتلال إلى ملاذ للفلسطينيين لتوفير لقمة العيش.

ويترك المئات يوميا عائلاتهم بالضفة الغربية عند الفجر متوجهين لمناطق جدار الفصل العنصري بحثا عن ثغرة لاختراقها والتسلسل إلى الداخل الفلسطيني، معاناة قد تستغرق عشرات الساعات محفوفة بالمخاطر والمطاردة والتعرض لإطلاق الرصاص من قوات جيش الاحتلال، رحلة قد تكلف الفرد حياته.

ووثقت الجزيرة نت مشهد معاناة العمال الفلسطينيين المشردين بالسهول والغابات، حيث انعدام الظروف الإنسانية والمقومات الحياتية ولوعة فراق الأحباب والعيش بدوامة الخوف من الوقوع بقبضة الاحتلال، كل ذلك بهدف توفير لقمة العيش.

عمال يتفقدون أمتعتهم في مكان اللجوء  (الجزيرة نت)

تهميش السلطة
وقضى طارق أبو سيف البالغ من العمر 43 عاما عقدين من عمره مشردا بالداخل الفلسطيني في سبيل توفير لقمة العيش لعائلته المؤلفة من ثمانية أفراد، وبات يخشى على مصير عائلته والمستقبل بظل تشديد الخناق على الضفة الغربية من قبل الاحتلال وما يرافقه من موجة غلاء أسعار وتهميش  السلطة الفلسطينية للعامل دون توفير البدائل والحلول، خصوصا أن إسرائيل قيدت الشعب الفلسطيني بالاتفاقيات الاقتصادية التي أبرمتها مع السلطة الفلسطينية.

وشدد في حديثه للجزيرة نت على أن القوى العاملة الفلسطينية تحولت إلى رهينة لسياسات إسرائيل، وتذرع الاحتلال بالهواجس الأمنية لمنع استصدار التصاريح للعمال الفلسطينيين الذين تم استبدالهم بالعمالة الأجنبية، حيث لا يتعدى من يسمح له الدخول بتصريح للعمل من الضفة إلى إسرائيل 25 ألفا من مجمل القوى العاملة التي يبلغ تعدادها بالضفة الغربية نحو مليون عامل.

وتشير تقديرات إلى وجود قرابة مائة ألف عامل فلسطيني بإسرائيل دون تصاريح مشردين بالخلاء.

أطفال
واختار الطالب قيصر مراد البالغ من العمر 16 عاما هجرة مقاعد الدراسة بالمرحلة الثانوية ليشارك في إعالة أسرته المؤلفة من تسعة أشخاص، وذلك بعد أن بات والده عاطلا عن العمل ودون فرصة أو أمل للعمل بالمستقبل، وقد قبل قيصر أن يضحي بنفسه من أجل العيش الكريم لعائلته وإخوانه، فالطفل الفلسطيني لقب بطفل الحجارة لدوره المميز بمقاومة الاحتلال، واليوم بات يلقب بطفل الخبز والبحث عن لقمة العيش.

ورفض قيصر التسول أو الجنوح والسرقة واختار المخاطرة بحياته والانخراط بالعمالة السوداء داخل إسرائيل مقابل أجر لا يتعدى 25 دولارا يوميا لإنقاذ عائلته من شبح الفقر والمجاعة الذي يخيم على الضفة، لافتا إلى أن نسبة عالية من أترابه تركوا الدراسة للعمل بإسرائيل في ظل غلاء المعيشة وارتفاع الأسعار بالضفة.

خيمة لجوء لإيواء العمال الفلسطينيين والمبيت بساعات الليل (الجزيرة نت)

لوم الاحتلال
بدوره، حمل جهاد حسين اغبارية البالغ من العمر 35 عاما -وهو من قضاء جنين ويعيش منذ أن كان في الخامسة عشرة مشردا داخل الخط الأخضر- الاحتلال مسؤولية تدمير الشعب الفلسطيني واقتصاده، لكنه لم يعف السلطة الفلسطينية من المسؤولية، خصوصا في ظل الأوضاع والظروف الاقتصادية الصعبة والمزرية التي تجتاح مدن الضفة.

وسرد للجزيرة نت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية بمدن الضفة التي تزداد سوءا، قائلا "تخيل أنه بإرادتك تهجر عائلتك وأطفالك لأشهر، وتخاطر بحياتك من أجل العمل لتوفير الخبز، تعود إليهم لأيام تزودهم بالمال لتعود ثانية لإسرائيل برحلة العذاب والمعاناة".

وأضاف أنه بات يشتاق للحظات التي يصطحب بها أطفاله للمدرسة، وهو حال يعانيه عشرات ألوف العمال الفلسطينيين المشردين، "فأجمل سنوات عمرك تقضيها مشردا تعيش بحالة خوف ومطاردة، فأي تنشئة ومجتمع سيكون الشعب الفلسطيني؟!".

المصدر : الجزيرة