عمليات الخطف والاعتداء قلصت أعداد العمالة السورية في بعض المناطق اللبنانية (الجزيرة نت)

جهاد أبو العيس-بيروت

دقت تداعيات وآثار الأزمة السورية بظلالها الصعبة والمريرة أبواب العمالة السورية في لبنان، والتي تضررت بصورة غير مسبوقة بسبب تداعيات وانعكاسات الأحداث الجارية داخل الأراضي السورية. وأحدثت عملية خطف اللبنانيين الأحد عشر في سوريا قبل شهور علامة فارقة في آلية التعاطي مع هذه العمالة التي واجهت في بيروت تحديدا حالة عداء مجتمعي غير مسبوقة.

ولم ينقطع السجال يوما في لبنان حول مدى حاجة الاقتصاد الوطني لليد العاملة السورية نظرا لرخصها وتوفرها بكثرة، وخاصة منذ توقيع معاهدة الأخوة والتنسيق بين البلدين عام 1991. وتقدر أوساط غير رسمية عدد العمالة السورية في لبنان بحوالي نصف مليون عامل، في حين تغيب الأرقام الرسمية بشأن الحجم الحقيقي لهذه العمالة نظرا لدخول وعمل الآلاف دون أذونات قانونية صادرة من وزارة العمل.

وقالت دراسة نشرتها المجلة الفرنسية "Le Commerce du Levant" (تجارة بلاد الشام) قبل عامين إن السوريين يمثلون 80% من اليد العاملة الأجنبية في لبنان، يليهم المصريون والسيريلانكيون والإثيوبيون.

عمليات الخطف
وتسببت أحداث الاعتداء على السوريين في لبنان، والتي كان أشهرها عمليات الخطف التي تعرض لها العشرات على يد مجموعات مسلحة من عائلة آل مقداد في الضاحية الجنوبية، في تقليص أعداد العمالة بصورة ملفتة داخل بيروت والضاحية الجنوبية تحديدا.

تاجر ألعاب من الضاحية الجنوبية لبيروت قال إن عمليات الخطف والاعتداء على العمالة السورية تسببت في خسائر جسيمة لعدد كبير من التجار جراء هروب الكثير من العمال من مواقع أعمالهم

وكان حاتم المقداد رئيس رابطة آل المقداد -أحد أكبر العشائر الشيعية في لبنان- أكد لوكالة الأنباء الفرنسية أن "المجلس العسكري في العائلة سيواصل خطف السوريين في لبنان حتى استرداد ابن العائلة حسان المقداد المخطوف في سوريا".

وقال محمود حيدر، وهو تاجر ألعاب بالجملة من منطقة الأوزاعي القريبة من الضاحية الجنوبية، إن عمليات الخطف والاعتداء على العمالة السورية تسببت في خسائر جسيمة لعدد كبير من التجار جراء هروب العمال بأعداد كبيرة من مواقع أعمالهم المختلفة.

وقال حيدر للجزيرة نت إن هروب العمالة بسبب الخوف على حياتها ألقى بظلاله السلبية على حركة السوق، في ظل أوضاع اقتصادية مزرية أصلا يعيشها لبنان بسبب تداعيات الأزمة في سوريا.

ضربة موجعة
واعتبر ناصر العطوي، الذي يعمل متعهدا للبناء، أن ما جرى من اعتداءات وخطف بحق العمالة السورية شكل ضربة موجعة لقطاع البناء لا سيما مجال تصنيع مواد البناء نظرا لاقتصار العمالة فيه على السوريين.

وأوضح العطوي للجزيرة نت أن حالات الاعتداء قلصت بصورة كبيرة أعداد السوريين في كل من الضاحية الجنوبية والمناطق المحيطة بها، إلى جانب مناطق الجنوب، في حين بقيت مناطق الجبل وطرابلس ووسط بيروت مكانا آمنا للعمل.

في المقابل قال أحد العمال السوريين بعد طول تردد والذي رفض الكشف عن اسمه، إن العامل بات اليوم بين نارين، نار التعرض للخطف أو القتل أو الضرب بسبب ما يجري للبنانيين على الأرض السورية، ونار العودة لسوريا في ظل أوضاعها الصعبة.

وتساءل في حديث للجزيرة نت "ما ذنبنا نحن فيما يجري في سوريا؟ لماذا يجري القصاص منا؟ نحن طبقة فقيرة ليست لدينا اهتمامات لا بالسياسة ولا بغيرها، لم لا نترك نبحث عن قوت عيالنا؟".

اغتيال الحريري
وسبق للعمالة السورية أن دفعت فاتورة الخلاف السياسي بين الفرقاء من قبل، حيث شهدت الفترة التي أعقبت اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري عام 2005 حالات مشابهة لما يجري اليوم، بعد توجيه أصابع الاتهام لدمشق بتدبير الاغتيال.

وكان تقرير لمنظمة العفو الدولية أشار إلى أن الفترة ما بين 27 فبراير/شباط و23 مارس/آذار 2005 سجلت مقتل ما يقرب من 20 عاملاً سورياً عبر إطلاق الرصاص عليهم أو ضربهم أو طعنهم في الشوارع.
العمالة السورية سبق أن دفعت فاتورة الخلاف السياسي عقب اغتيال رفيق الحريري في 2005، حيث تعرضت لحالات تصفية وإحراق ممتلكات

كما رصد التقرير آنذاك حوالي 31 عملية إضرام نيران بشكل متعمد وإتلاف ممتلكات في مساكن العمال المؤقتة، وهو ما استدعى كما اليوم مسارعة آلاف العمال لمغادرة لبنان أو اللجوء لمناطق آمنة، حتى دون استيفاء كامل أجورهم.

ويعمل السوريون في لبنان في مجالات المهن اليدوية وقطاعات الفنادق والمطاعم والزراعة وميادين أخرى لا تتطلب مؤهلات أو خبرات أكاديمية، ويبلغ متوسط الأجر اليومي للعامل السوري في قطاع البناء مثلا ما بين 10 إلى 15 دولارا، وفي قطاع الزراعة حوالي 340 دولارا شهريا.

ويعيش العمال السوريون عادة في مواقع العمل كورش البناء مثلا أو يتقاسمون شققا صغيرة يقيمون فيها بالعشرات، في ظروف مزرية وبعيدة عن الشروط الصحية للسكن.

المصدر : الجزيرة