أصبحت الصين من داخلها مختبرا كبيرا للمنافسة بين المناطق والأقاليم المختلفة (الأوروبية)

يعتبر التحول الذي حدث في الصين في مرحلة ما بعد ماو تسيدونغ أحد أكبر وأعظم الأحداث الدراماتيكية في عصرنا.

فقد انتشل هذا التحول ملايين البشر من براثن الفقر المدقع، وحرر خُمُس سكان العالم من التطرف الأيديولوجي وأعاد إلى الحياة واحدة من أقدم الحضارات في العالم وجعلنا جميعا نستلهم منه كيفية الاستفادة من سبر أغوار السوق.

وأشار مقال نشرته صحيفة وول ستريت جورنال وكتبه رونالد كواس الحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد والأستاذ بجامعة شيكاغو للقانون, ونينغ وانغ أستاذ الدراسات الدولية في جامعة أريزونا، إلى أنه رغم ما تقدم تعاني الرأسمالية -التي تمارس حاليا في الصين- من إخفاق شديد، ألا وهو غياب سوق الأفكار المبدعة.

وقد حدث تحول السوق في الصين وازدهر في مستوى القاع دون مساعدة كبيرة من حكومة بكين، على خلاف ما تدعيه القيادة الصينية. لكن التدفق الفكري المبدع قد أخفق، وإلى أن يتغير ذلك فإن الصين لن تصل أبدا إلى طاقتها القصوى.

ماو تسيدونغ
فعند وفاة ماو تسيدونغ عام 1976 قليلون جدا الذين توقعوا أن تصبح الصين، التي كانت تمثل أكثر الدول فقرا وانعزالا في العالم، اقتصاد سوق ديناميكيا خلال ثلاثة عقود.

وكانت مفاجأة أخرى أن حدث كل ذلك تحت رعاية الحزب الشيوعي الصيني الذي كان هدفه الأساسي هو تحديث الاشتراكية.

وعندما بدأت عملية الإصلاح والانفتاح في الصين كان لديها القليل جدا من المعلومات عن الاقتصاد المفتوح. وكانت سياسات ماو العظيمة والمدمرة في ذات الوقت قد أدت إلى إفقار البلاد ماديا ومعنويا.

عند وفاة ماو تسيدونغ عام 1976 قليلون جدا الذين توقعوا أن تصبح الصين -التي كانت تمثل أكثر الدول فقرا وانعزالا في العالم- اقتصاد سوق ديناميكيا خلال ثلاثة عقود

فقد انعزلت الصين عن الغرب، وحيل أيضا بينها وبين تقاليدها. وبدون خطة واضحة، لم يكن أمام الصين غير العمل من أنقاض الاشتراكية ومن خلال أبواق الدعاية والارتجال. وكان هذا النمط التجريبي قد استمد الدعم من إنعاش التقاليد الكنفوشية فيما يتعلق بـ"البحث عن الصدق من خلال الحقائق".

وقامت حركتان بتمهيد الطريق إلى الرأسمالية، أولاهما كان هدفها المعلن وهو تحويل الصين إلى دولة اشتراكية حديثة وقوية.

وثانيتهما، وهي الأهم، كانت نتاج ما يمكن تسميتها "الثورات الهامشية". وكانت هذه بوتقة امتزج فيها نتاج حركات أساسية ومبادرات محلية.

وبينما ركز الإصلاح الذي تقوده الحكومة على تعزيز حوافز المشروعات الحكومية، كان دور الثورات الهامشية خلق أرباب المشروعات الخاصة وقوى السوق.

فكانت هناك، على سبيل المثال، المزارع الخاصة, رغم أنها كانت محظورة من قبل بكين وكانت تستغل الفلاحين. كما أن عملية التصنيع في الريف كانت تقودها المشاريع في المدن والقرى التي تعمل خارج سيطرة الحكومة، في حين ظهرت أيضا القطاعات الخاصة في المدن عندما سمح لأصحاب الأعمال بالمساعدة في تخفيف أزمة البطالة.

أما الاستثمار الخارجي وأسواق العمل فقد تمثلت في البداية في مناطق الاقتصاد الخاص.

وكانت كل هذه القوى إما مقموعة بقوة وإما تحت رقابة قوية خلال عهد ماو.

ولحسن الحظ فقد احتضن زعماء فترة ما بعد ماو خاصة دينغ سياو بينغ التغيير. وقد علمهم الإخفاق الذي حالف ماو أن يبقوا بعيدين عن مغلاة الأيديولوجيا، وأن يتمسكوا بالبراغماتية. وتحت حكمهم اعترفت بكين بافتقارها إلى خبرة الإصلاح.

لا تزال الصين بحاجة إلى سوق مبدع (الأوروبية)

وفي بادئ الأمر سمح للمبادرات بالظهور قبل أن يسمح بتشجيعها لتعلب دورا رائدا في تجارب السوق.

وقد أدى ذلك إلى سوق منتعش كما نراه حاليا.

وعندما كانت الصين لا تزال تنادي بالاشتراكية كانت السلطات في الأقاليم تبحث عن طرق جديدة لإنعاش الأسواق المحلية. وعندما كانت الحكومة في بكين تتشبث بالقوة السياسية لم تعد هي صاحبة القرار المركزي في التخطيط.

فقد تنافست الأقاليم والمدن من أجل التنمية الاقتصادية وأصبحت الصين من داخلها مختبرا كبيرا للمنافسة بين المناطق والأقاليم المختلفة.

التمسك بالاشتراكية
ولم يتخل زعماء الصين قط عن الاشتراكية التي، كما يرونها، تدعو إلى الملكية العامة من أجل ضمان توزيع عادل للرفاهية، على الرغم من أن المشروعات الحكومية في واقع الأمر زادت من عدم المساواة ومن السياسات الفاسدة.

ويتمسك هؤلاء الزعماء بإبقاء بعض القطاعات مثل المصارف والطاقة والمواصلات والتعليم تحت احتكار الدولة.

ولذلك فإن كثيرين يصفون الاقتصاد الصيني بأنه "اقتصاد رأس مالي تقوده الدولة"، لكن في واقع الأمر كانت الثورات الهامشية والمنافسة الإقليمية الداخلية هي التي أدت إلى بزوغ الاقتصاد الصيني.

وفي السنوات القادمة سوف تستمر الصين في شق مسارها لكنها بحاجة إلى حل مشكلة غياب سوق الإبداع، إن هي أرادت أن تتقدم.

إن التدفق غير المقيد للفكر هو شرط من شروط النمو والمعرفة، وهو العامل الأهم في أي اقتصاد مبدع ومستمر.

فعبارة "صنع في الصين" غزت آفاق العالم. لكن قليلا من المستهلكين في الغرب من يتذكر اسما تجاريا صينيا معروفا.

يتمسك زعماء الصين بإبقاء بعض القطاعات مثل المصارف والطاقة والمواصلات والتعليم تحت احتكار الدولة

والمقارنة, فقد خلقت الثورة البريطانية الصناعية قبل قرنين منتجات جديدة، وبرزت خلالها صناعات جديدة. لكن الثورة الصناعية الصينية لا تزال دون ذلك الإبداع بمراحل.

يضاف إلى ذلك أن تبادل الأفكار والمعلومات يخلق أرضية للتجانس الاجتماعي. صحيح أنه ليس الدواء لجميع الأمراض، فلا شيء يستطيع أن يحررنا مرة واحدة من الجهل، لكن تدفق الأفكار يستتبعه انتقاد مستمر وكذلك تحسين مستمر. كما أنه يزرع الاحترام والتسامح وهما ترياق للشفاء من التعصب والنزعة إلى فرض المعتقدات التي تهدد بتقويض أي مجتمع.

وعندما بدأت الصين طريقها نحو الإصلاح قبل ثلاثة عقود، أكد دينغ سياو بنغ أن "تحرير العقل" مطلب أساسي. لكن لا تزال الصين في انتظار أن يحدث ذلك.

إنه قد آن الأوان للصين ليس فقط لتطبق سياسات السوق ولكن أيضا لتصبح سوقا للإبداع. فذلك بلا شك سيساعد الصين كما يساعد العالم كله.

المصدر : وول ستريت جورنال