وقف الجنوب إنتاج النفط وتصديره عبر السودان فاقم المشكلات الاقتصادية للبلدين (الجزيرة)


التجاني الطيب إبراهيم

التداعيات على السودان
بدائل الخرطوم

التداعيات على جوبا
بدائل الجنوب
الدور الصيني

أحدث قرار حكومة جنوب السودان وقف تصدير نفطها عبر أراضي السودان ضجة سياسية وإعلامية ما زالت تلقي بظلالها على العلاقات الباردة أصلاً بين الخرطوم وجوبا. لكن أهم ما في الحدث هو تداعياته على مجمل الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلدين، وهذا ما سنحاول تحليله فيما يلي، بالإضافة إلى موقف الصين من الصراع كأكبر مستثمر في قطاع النفط وفرص دعم الغرب لجوبا، والعالم العربي للخرطوم في مواجهتهما النفطية.

الاقتصاد السوداني في وضع حرج بعد إعلان جوبا وقف تصدير نفطها عبر أراضي السودان، خاصة في ظل الاستمرار في السياسات المالية التوسعية وعدم ضبط الإنفاق العام

التداعيات على السودان
بعد الانفصال تراجعت حصة السودان في إجمالي العائدات النفطية لسودان ما قبل الانفصال من 4.4 مليارات دولار إلى 1,9 مليار دولار في العام، أي ما يساوي 2,5 مليار دولار (حوالي ستة مليارات جنيه سوداني بالسعر الرسمي للدولار). بالمقابل ارتفع نصيب الجنوب من ثلاثة مليارات دولار إلى ستة مليارات دولار مقارنة مع انخفاض طفيف لنصيب الشركات الأجنبية المستثمرة في النفط من 6.1 مليارات دولار إلى 5.6 مليارات دولار في العام.

وهو ما يعني أن السودان هو المتضرر الأكبر من الانفصال وسيتضرر أيضاً من وقف تصدير نفط الجنوب عبر أراضيه حيث يمثل فاقد العائدات النفطية، الذي تريد الحكومة السودانية أن يتحمله جنوب السودان، أكثر من 26% من إيرادات الدولة المتوقعة للعام المالي 2012، وأكثر من ضعف العجز المقدر في ميزان المدفوعات للعام نفسه.

لذلك يمر الوضع الاقتصادي السوداني بمرحلة شديدة الحرج بعد إعلان جوبا وقف تصدير نفطها عبر أراضي السودان، خاصة في ظل الاستمرار في السياسات المالية التوسعية وعدم ضبط الإنفاق العام الجاري المتفلت حتى بعد إعلان جوبا وقف تصدير نفطها عبر السودان، مما فاقم من قلة النقد الأجنبي المعروض وتصاعد الضغوط التضخمية، حيث بلغ المؤشر الرسمي لأسعار المستهلك حوالي 20% في يناير/كانون الثاني الماضي ومن المتوقع أن يصل إلى مستوى أعلى نهاية شهر فبراير الجاري.

وهذا يعني مزيدا من تآكل الطاقة الشرائية للشرائح الاجتماعية الضعيفة، خاصة ذوي الدخل المحدود كالعمال والموظفين والمتقاعدين، واستمرار تدهور أوضاعها المعيشية بالإضافة إلى الأثر السلبي للتضخم على معدل نمو الاقتصاد الكلي الذي يعاني الآن من ركود حاد.

التطور الآخر الملفت للنظر هو استمرار تدهور سعر صرف العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية في السوق الموازي، خاصة الدولار الأميركي، الذي تعدى سعره حاجز الخمسة جنيهات للدولار مرة أخرى مقارنة مع 2,7 جنيه وفق السعر الرسمي.

ويعكس هذا ضعف احتياطي البلاد من النقد الأجنبي وعدم الثقة في مصداقية السياسات النقدية والمالية، خاصة بعد قرار جوبا وقف ضخ نفط الجنوب والأخبار غير الصحيحة التي تم تداولها مؤخراً في الإعلام المحلي عن قروض بمليارات الدولارات من قطر والصين في طريقها إلى خزائن البنك المركزي السوداني لدعم احتياطياته من النقد الأجنبي.

البنك المركزي نفى ما ذكر جملة وتفصيلا، لكن بعد أن أضرت تلك الأخبار بمصداقية سياسات البنك ومقدرته على التعامل بجدية مع المواطنين والسوق الموازية.

ولايات عديدة في السودان تشهد إقبالا كبيرا على التنقيب الأهلي عن الذهب (الجزيرة)

بدائل الخرطوم
تتمثل أهم البدائل عن نفط الجنوب التي طرحتها الخرطوم حتى الآن في زيادة الصادرات غير البترولية، خاصة الذهب، واستقطاب قروض ومنح خارجية، والتوجه نحو الزراعة بشقيها المسقي والمطري مع تشجيع وتطوير الصناعات الزراعية، خاصة الغذائية.

ومن البدائل أيضا تنفيذ ما يسمى بالبرنامج الثلاثي لتجاوز مرحلة ما بعد الانفصال، والذي يهدف إلى تقليص حجم الحكومة بنسبة 45% في الأعوام 2012 و2013، وإلغاء الدعم عن السلع الإستراتيجية كالقمح والسكر والوقود.

من الواضح أن البدائل المذكورة لا يمكن تحقيقها إلا في المدى المتوسط أو الطويل، لذلك تضع الدولة أهمية خاصة للذهب واستقطاب الدعم الخارجي كبدائل جاهزة لتعويض فاقد عائدات نفط الجنوب في المديين القصير والمتوسط. لكن الذهب سلعة ناضبة كالنفط واللجوء إليه هو هروب من ثروة غير متجددة إلى أخرى ناضبة.

بالتالي قد تقع الحكومة في الخطأ نفسه وهو الاعتماد على الذهب كممول للخزينة العامة بدلاً من التوجه نحو الزراعة والصناعة وتشجيع وتنمية الصادرات غير النفطية باعتبارها موارد تمويل مستدامة.

بالإضافة إلى ذلك فإن التعدين عن الذهب لا يزال في بداياته، بل ويعتمد في كلياته على التعدين العشوائي غير المنظم في ظل غياب كامل للشركات العاملة أصلاً في الذهب.

كما أن المعطيات والمؤشرات الراهنة لا تنذر بالقفز بصادرات الذهب إلى أكثر من ملياري دولار في العام على أحسن تقدير. بناء على معلومات بنك السودان فإن صادرات الذهب في الأسابيع الست الأولى من 2012 بلغت 250 مليون دولار.

لهذا فمن غير المحتمل أن تسد صادرات الذهب الفجوة الناتجة عن فقد عائدات النفط، ناهيك عن سد العجز في ميزان المدفوعات والطلب المحلي للدولار المقدر بحوالي 4.5 إلى خمسة مليارات دولار.

فرص حصول السودان على قروض ومنح خارجية بالحجم المطلوب تبقى ضئيلة نتيجة ديونها الضخمة، وعلاقات الخرطوم المتوترة مع الدول الغربية المؤثرة في الاقتصاد العالمي

فيما يختص بالقروض والمنح الخارجية، ففرص الخرطوم ضئيلة في استجلابها بالحجم المطلوب، فالسودان دولة عاجزة عن خدمة ديونها الخارجية (أكثر من أربعين مليار دولار) والداخلية (حوالي 28 مليار جنيه سوداني)، ناهيك عن علاقات السودان المتوترة مع الدول الغربية المؤثرة في الاقتصاد العالمي.

لهذا لجأ السودان في السنوات الأخيرة للصين والهند، حيث استدان منهما -وبشروط تجارية- أكثر من تسعة مليارات دولار منذ عام 2005، لكنه الآن يتباحث حول إعادة جدولة هذه الديون، مما يدعو للشك في مقدرة السودان على الحصول على قروض كبيرة من بكين أو نيودلهي، خاصة بعد ضياع صادرات النفط الضامن الوحيد لهذه القروض.

أما العالم العربي فليس هناك مؤشر واحد بأنه على استعداد لدعم السودان بالقدر المطلوب، وربما لأسباب موضوعية، لهذا فالسودان مقبل على أوضاع اقتصادية صعبة تتطلب مراجعة كافة السياسات الداخلية والخارجية والعودة إلى التعامل مع دول العالم الفاعلة بصورة أشمل ومتوازنة بما يخدم مصالح السودان القومية.

التداعيات على جوبا
يعتمد اقتصاد جنوب السودان الناشئ أساساً على عائد الصادر النفطي، إذ تمثل الإيرادات النفطية حوالي 98% من الموارد العامة للدولة التي يعيش 90% من سكانها على أقل من دولار في اليوم، ويعاني 18% من مواطنيها من الجوع المزمن، و50% من نقص الغذاء.

وينطوي وقف تصدير النفط على تداعيات سالبة خطيرة على الوضع الاقتصادي والاجتماعي في الجنوب، أولى هذه التداعيات أن البنك المركزي لجنوب السودان بدأ في تقليص ضخ حجم النقد المخصص للبنوك والصرافات بأكثر من 50%، مما أدى إلى تصاعد حاد في معدل التضخم الذي ارتفع من 47% إلى 67%، مما يعني المزيد من تأزم الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وانهيار العملة المحلية.

أما الوضع المالي للدولة فهو الآخر بدت عليه علامات التدهور نتيجة لتوقف إيرادات الحكومة من النفط، حيث بدأ عجز الموازنة في الاتساع، الشيء الذي سيصعب إعادة توازن نفقات جوبا الهائلة على الدفاع (40% من الإنفاق العام) مع الأسبقيات الأخرى في الموازنة العامة.

بالإضافة إلى ذلك فإيقاف تصدير النفط قد يشكل ضغوطا أخرى على حكومة الجنوب من الشركات المستثمرة في قطاع النفط، مما يؤثر سلباً على مناخ الاستثمار خاصة في هذا القطاع الذي يمثل شريان الحياة لاقتصاد الجنوب.

بدائل جنوب السودان الأساسية لتعويض فقد عائدات النفط على المديين المتوسط والطويل تكمن في التوجه نحو الزراعة والصناعة كمصدر رئيس للنمو المستدام

بدائل الجنوب
تبقى بدائل الجنوب عن النفط محدودة جداً في المدى القصير في ظل توقف تدفق الإيرادات النفطية، المصدر الرئيس للدخل، فالعون الخارجي قد يكون هو البديل الوحيد في ظل عدم وجود بدائل أخرى لتصدير نفط الجنوب عبر السودان، لكن من الصعب تصور الحصول على عون خارجي بالحجم المطلوب في هذه الحالة.

فالغرب الذي كان له دور رئيس في خلق دولة جوبا هو الآخر يمر الآن بظروف اقتصادية واجتماعية في غاية الصعوبة والتعقيد، مما يجعل قدرته على تعويض الجنوب عن الفاقد من الإيرادات النفطية جراء وقف التصدير أمراً شبه مستحيل.

وفي المديين المتوسط والطويل فإن بدائل الجنوب الأساسية تكمن في التوجه نحو الزراعة والصناعة كمصدر رئيس للنمو المستدام. ولهذا فمن الواضح أن الخيار الأمثل للجنوب الآن هو العودة إلى تصدير النفط عبر الأراضي السودانية.

الدور الصيني
تربط الصين مصالح تجارية واقتصادية بالبلدين، وعلى رأسها النفط الذي تسيطر الشركات الصينية على استغلال معظمه والذي يمثل حوالي 6% من واردات الصين النفطية، وتستحوذ الصادرات الصينية على نصيب الأسد من أسواق السودان شمالاً وجنوبا.

كما أن بكين أصبحت دائنا أساسياً، خاصة لحكومة السودان التي اقترضت من الصين أكثر من سبعة مليارات دولار منذ 2005 وما زالت تسعى لطلب المزيد.

لهذا تحاول الصين أن تكون لها علاقات مميزة مع حكومتي الخرطوم وجوبا، ووزنها الكبير لدى الدولتين يمكنها من التدخل لإحداث انفراج في مسار ملف النفط بين الشمال والجنوب، إلا إذا اقتضت المصالح الغربية غير ذلك، مما قد يحول الملف إلى صراع صيني غربي حول النفط في أفريقيا يكون بدايته السودان بشقيه الشمالي والجنوبي.

________________

* مستشار اقتصادي ومالي بمنظمات مالية وتنموية

المصدر : الجزيرة