آبي يريد من البنك المركزي ببلاده الاعتبار بالتجربة الأميركية والأوروبية في مواجهة الأزمة (رويترز-أرشيف)

ستيفن س. روتش

تجري في اليابان حاليا عملية تسييس البنك المركزي على قدم وساق بعد عودة الحزب الديمقراطي الليبرالي للحكم وتولي رئيس الحزب شينزو آبي رئاسة الوزراء من جديد.

لقد اعتمدت الانتخابات الأخيرة في اليابان بشكل حاسم على رؤية آبي لموقف بنك اليابان فيما يتصل بالسياسة النقدية، فقد زعم آبي أن بنك اليابان المروَّض لا بد أن يتعلم من نظرائه المنافسين مثل بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي (البنك المركزي) والبنك المركزي الأوروبي.

فكما نجح بنك الاحتياطي الفدرالي والبنك المركزي الأوروبي -ظاهريا- في تدارك الكارثة من خلال جولات من التيسير الكمي العنيف وغير التقليدي، يعتقد آبي أن الوقت قد حان الآن لكي يفعل بنك اليابان نفس الشيء.

ويبدو من المؤكد أنه سوف يتمكن من فرض رأيه، فمع انتهاء ولاية محافظ بنك اليابان الحالي ماساكي شيراكاوا في أبريل/نيسان المقبل سيختار آبي خليفة له ونائبين لتنفيذ توجهه.

ولكن هل تنجح هذه الخطة؟ رغم تقبل السياسة النقدية التجريبية الآن على نطاق واسع باعتبارها إجراء عمليا قياسيا في عصر ما بعد الأزمة اليوم، فإن كفاءتها محل شك.

فبعد ما يقرب من أربعة أعوام منذ بلغ العالم القاع في أعقاب الأزمة المالية العالمية، كان تأثير التيسير الكمي غير متماثل إلى حد لافت للنظر.

في حين كانت عمليات ضخ السيولة الضخمة فعالة في أميركا إثر الأزمة المالية في فك تجميد أسواق الائتمان ومنع تحقق أسوأ سيناريوهات الأزمة  لم تتمكن الجهود اللاحقة من تحقيق أي شيء يمكن اعتباره انتعاشا دوريا طبيعيا

التجربة الأميركية
ففي حين كانت عمليات ضخ السيولة الضخمة فعالة في فك تجميد أسواق الائتمان ومنع تحقق أسوأ سيناريوهات الأزمة المالية -ويستشهد في ذلك بالدور الذي لعبته الجولة الأولى التي قدمها البنك المركزي الأميركي من التيسير الكمي في الفترة 2009-2010، فإن الجهود اللاحقة لم تتمكن من تحقيق أي شيء يمكن اعتباره انتعاشا دوريا طبيعيا.

وليس من الصعب فهم السبب وراء هذا، ففي ظل الضرر الشديد الذي لحق بموازنات القطاعين العام والخاص ومع اقتراب أسعار الفائدة الرسمية من الصفر، أصبحت اقتصادات ما بعد الفقاعة غارقة في "فخ السيولة" الكلاسيكي.

فهي الآن أكثر تركيزا على سداد الديون الهائلة التي تراكمت قبل الأزمة من أن تسمح لنفسها باقتراض ديون جديدة لتعزيز الطلب الكلي.

وتشكل الحالة المحزنة للمستهلك الأميركي مثالا كلاسيكيا للكيفية التي قد يحدث بها هذا، ففي الأعوام التي سبقت الأزمة، كان نشوء فقاعتي الملكية العقارية والفقاعة الائتمانية سببين في تغذية طفرة في الاستهلاك الشخصي بلغت مستويات غير مسبوقة من الارتفاع.

ومع انفجار هاتين الفقاعتين، اتجه تركيز الأسر نحو إصلاح موازناتها على وجه التحديد من خلال سداد الديون وإعادة بناء المدخرات الشخصية، بدلا من استئناف عائدات الإنفاق المفرط.

والواقع أنه رغم مضاعفة أصول بنك الاحتياطي الفدرالي الأميركي بعد الأزمة وعلى نحو غير مسبوق إلى ثلاثة أمثالها، لكي تبلغ ثلاثة تريليونات دولار تقريبا -وربما ترتفع إلى أربعة تريليونات خلال العام المقبل- فقد انسحب المستهلكون في الولايات المتحدة كما لم يحدث من قبل.

فعلى مدى الأرباع التسعة عشر منذ بداية العام 2008، كان معدل النمو السنوي للإنفاق الاستهلاكي المعدل وفقا للتضخم 0.7% فقط في المتوسط أو ما يقرب من ثلاث نقاط مئوية أقل من الزيادات الثابتة (3.6%) التي سجلت طيلة السنوات الإحدى عشرة التي انتهت في العام 2006.

ليس لدى البنك المركزي الأوروبي من الأسباب ما يجعله راضيا عن نسخته من التيسير الكمي فرغم مضاعفة ميزانيته العمومية، إلى نحو أربعة تريليونات دولار، انزلقت أوروبا عائدة إلى الركود للمرة الثانية في غضون أربع سنوات

انزلاق أوروبي
وليس لدى البنك المركزي الأوروبي من الأسباب ما قد يجعله راضيا عن نسخته من التيسير الكمي، فرغم مضاعفة ميزانيته العمومية إلى أقل قليلا من ثلاثة تريليونات يورو (أربعة تريليونات دولار)، انزلقت أوروبا عائدة إلى الركود الاقتصادي للمرة الثانية في غضون أربع سنوات.

وليس الأمر أن قدرة التيسير الكمي على تحريك الاقتصادات التي مزقتها الأزمة وقيدت موازناتها باتت محدودة فحسب، بل إن التيسير الكمي يحمل معه أيضا خطر فقدان القدرة على التمييز بين السياسة النقدية والسياسة المالية.

إن البنوك المركزية التي تشتري الديون السيادية التي تصدرها سلطات مالية تعوض عن الانضباط الذي تفرضه السوق على تكاليف الاقتراض، فتقدم بذلك الدعم فعليا لإسراف القطاع العام.

ويبدو أن اليابان نسيت من الدروس التي تعلمتها من تجربتها خاصة التجربة المحبطة التي مر بها بنك اليابان مع أسعار الفائدة التي بلغت الصفر والتيسير الكمي في السنوات الأولى من القرن الحادي والعشرين.

كما أن طوكيو نسيت -على ما يبدو- تجربتها المريرة في تسعينيات القرن العشرين -أول عقودها الضائعة- عندما بذلت السلطات قصارى جهدها لإطالة أمد حياة البنوك المفلسة والعديد من المؤسسات غير المالية.

وأبقت هذه الشركات الأشبه بالموتى الأحياء على أجهزة دعم الحياة على أمل زائف بأن الوقت وحده كفيل بإعادتها إلى الحياة. ولم تدرك السلطات اليابانية أهمية القطاع المصرفي لتبدأ في إعادة هيكلته وتشجيعه إلا في أواخر ذلك العقد، فحققت اليابان تقدما ملموسا على الطريق الطويل الوعر نحو إصلاح الميزانية والتحول البنيوي.

والواقع أن السلطات الأميركية استسلمت لنفس الإغراءات التي استسلمت لها اليابان، فمن التيسير الكمي إلى العجز غير المسبوق في الموازنة الفدرالية إلى عمليات الإنقاذ التي لم يسبق لها مثيل، بذلت السلطات الأميركية كل جهد ممكن لحجب آلام إصلاح الموازنة العامة والتكيف البنيوي. ونتيجة لهذا، خلقت أميركا جيلا من الموتى الأحياء، وفي حالتنا هذه من المستهلكين.

إن آخر ما يحتاج إليه الاقتصاد الياباني في هذه المرحلة هو التراجع عن الإصلاحات البنيوية. ورغم ذلك فإن إرغام بنك اليابان على السير على الخطى التي مشاها المركزي الأميركي والمركزي الأوروبي هو على وجه التحديد الخطر الذي يواجهه آبي ومعه اليابان الآن

اليابان إلى أين تتجه؟
وكما كانت الحال في اليابان، فإن الشفاء في مرحلة ما بعد الفقاعة كان محدودا حتى في ظل عمليات ضخ السيولة الفدرالية الضخمة. وفي الربع الثالث من العام 2012 بلغت ديون الأسر 112% من دخلها لتهبط بعد ذلك من أعلى مستوى سجلته في العام 2006، ولكنها لا تزال أعلى بنسبة تقرب من 40% عن مستوى 75% الذي ظل ثابتا طيلة العقود الثلاثة الأخيرة من القرن العشرين.

وعلى نحو مماثل، كان معدل الادخار الشخصي بنسبة 3.5% فقط في الأشهر الأربعة التي انتهت في نوفمبر/تشرين الثاني 2012، أقل من نصف المتوسط 7.9% في الفترة 1970-1999.

ويصدق القول على أوروبا، ذلك أن الإجراءات القوية التي اتخذها البنك المركزي الأوروبي لم تحقق إلا أقل القليل فيما يتصل بجلب التحول البنيوي الذي طال انتظاره في المنطقة.

ولا تزال الاقتصادات الواقعة على أطراف أوروبا التي مزقتها الأزمة تعاني من أعباء ديون لا تطاق ومشاكل خطيرة تتعلق بالإنتاجية والقدرة التنافسية. ويظل النظام المصرفي الأوروبي المجزأ يمثل واحدة من أضعف الحلقات في السلسلة الإقليمية.

ولكن أهذا هو العلاج الذي يريده آبي لليابان حقا؟ إن آخر ما يحتاج إليه الاقتصاد الياباني في هذه المرحلة هو التراجع عن الإصلاحات البنيوية. ورغم ذلك فإن إرغام بنك اليابان على السير على الخطى الضالة التي مشاها المركزي الأميركي والمركزي الأوروبي هو على وجه التحديد الخطر الذي يواجهه آبي ومعه اليابان الآن.

إن عمليات ضخ السيولة الضخمة التي تقوم بها البنوك المركزية الكبرى على مستوى العالم غير ناجحة في إحداث أي رد فعل إيجابي في اقتصادات بلدانها الحقيقية، وغير قادرة على تيسير عملية إصلاح الموازنات والتغيير البنيوي. وهذا يجعلنا في مواجهة كم هائل من السيولة الزائدة التي تطوق أسواق الأصول العالمية. وأيا كان محل الكارثة التالية فإنها قادمة لا محالة.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ستيفن س. روتش عضو هيئة التدريس في جامعة ييل، ورئيس مؤسسة مورغان ستانلي في آسيا سابقا، ومؤلف كتاب "آسيا التالية".

المصدر : بروجيكت سينديكيت