رغم التحسن الطفيف للمؤشرات الاقتصادية الكبرى لمصر بالعقود الأخيرة فإن معدلات الفقر لم تتغير (الجزيرة)

عبد الحافظ الصاوي


- فقر الدخل

- تعدد الأبعاد
- دور الدولة
- دور الشركات
- دور الجمعيات

تتعدد تصنيفات الفقر حسب المعايير العلمية، ولكنه في النهاية أمر ترفضه المجتمعات ولا يرضاه الأفراد بسبب ما يترتب على وجوده من مشكلات اجتماعية وسياسية. وفي مرحلة ما بعد ثورة 25 يناير/كانون الثاني يتطلع المصريون لمواجهة الفقر بشتى أنواعه ومسمياته.

ونجد في بيانات ودراسات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء صورة واضحة عن الفقر من حيث معدلاته وأنواعه وخريطته الجغرافية، وهو ما يسهل على صانع السياسة الاقتصادية والاجتماعية تبني ما يصلح لمعالجة الفقر من خلال برامج تستهدف الفقراء، وتحديد فترات زمنية لتلك البرامج لتحقيق نتائج ملموسة.

فحسب دراسة جهاز الإحصاء، فإن الفقر يعرف بأنه حالة من الحرمان من الحياة اللائقة التي ينبغي أن يعيشها المرء أو المجتمع. فالفقر لا يعني الافتقار إلى ما هو ضروري للرفاهية المادية، لكنه يعني أيضا الحرمان من فرص التعليم والصحة السليمة والتمتع بمستوى معيشي لائق.

وهناك عدة أنواع من الفقر، منها الفقر المادي ويقاس بفقر الدخل وفقر الاستهلاك، ويطلق عليه خط الفقر الوطني، وأما الفقر غير المادي فيقاس بعدة طرق منها فقر الصحة وانخفاض التعليم وانتشار الأمية والاستبعاد الاجتماعي، وهذا ما يطلق عليه الفقر المتعدد الأبعاد.

من آخر تسعينيات القرن الماضي إلى منتصف العقد الأول من القرن الحالي لم تؤد جهود التنمية أو زيادة معدلات النمو المرتفعة التي كانت تعلن عنها الحكومات المصرية إلى تقليل نسبة الفقر كما هو موجود في تجارب الدول الأخرى مثل الصين والهند

فقر الدخل
المتتبع لمعدلات الفقر في مصر يجد أن المصريين قد عادوا إلى معدلات من الفقر كانت مسجلة قبل ثلاثة عقود، ففي فترة 1990-1991 كانت النسبة حسب خط الفقر القومي هي 24.18% من السكان، وظل هذا المؤشر في تحسن بعد هذا التاريخ ليصل في فترة 1995-1996 إلى 19.41%، وكان في فترة 1999-2000 أفضل في تحسن مؤشرات الفقر، حيث سجل مؤشر خط الفقر القومي نسبة 16.74% من السكان.

إلا أن العقد الأول من الألفية الثالثة شهد تراجعا ملحوظا في مؤشر الفقر القومي، حيث ارتفع معدل الفقر ليناهز 19.56% في 2004-2005، وبذلك تتقارب نسب الفقر فيما بينها عند المقارنة بين نسب الفقر في مرحلتي 1995-1999 و2004-2005، أي أنه بعد عشر سنوات لم تؤد جهود التنمية أو زيادة معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة التي كانت تعلن عنها الحكومة إلى تقليل نسبة الفقر كما هو موجود في تجارب الدول الأخرى مثل الصين والهند.

وإذا قرأنا الواقع بشيء من التركيز خلال هذه الفترة، فإن العبرة ليست في تشابه أو تقارب نسبة الفقر بعد عقد من الزمن، ولكن الذي يستحق التمعن هو أن عدد الفقراء مختلف بين العامين على الرغم من تقارب النسب، حيث زاد عدد السكان وبالتالي فعدد الفقراء في تزايد في حين أن نسب الفقر متقاربة.

الأمر الثاني هو أن هذا التراجع يأتي نتيجة طبيعية للسياسات الاقتصادية التي طبقت خلال هذه الفترة من خصخصة وتراجع لدور الدولة، واتجاه الاقتصاد المصري نحو الريع على حساب مساهمة القطاعات الإنتاجية في الناتج المحلي الإجمالي.

وثمة ملاحظة أخرى مهمة في هذا المضمار وهي أن الحديث عن تحسن بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية خلال فترة 1995-1996 وفترة 2004-2005، مثل وجود فائض بميزان المدفوعات أو زيادة الاستثمار الأجنبي المباشر أو زيادة معدلات النمو، لم يؤد إلى تحسن في معدلات الفقر بل زادت من حدتها، وهو ما يعني وجود خلل في توزيع الثروة، على الرغم من تحسن بعض المؤشرات الكلية.

أما بيانات فترة 2010-2011 فتشير إلى ارتفاع النسبة على مؤشر خط الفقر القومي لتصل إلى 25.2%، بعد أن كانت 21.6% في فترة 2008-2009.

تعدد الأبعاد
وأظهر المسح بالعينة الذي أجراه جهاز الإحصاء عن بيانات تخص منتصف عام 2011 وجود نسبة 10.5% من سكان مصر تحت خط الفقر المتعدد الأبعاد، ويبلغ عددهم نحو 8.5 ملايين نسمة، في حين كان العدد في منتصف العام 2009 نحو 7.14 ملايين نسمة.

وقد أشارت البيانات الفرعية لمؤشر الفقر المتعدد الأبعاد إلى وجود نسب مختلفة في الحرمان في صفوف الفقراء، فنسبة 30.1% يعانون من سوء التغذية و29.7% محرمون من الرعاية الصحية و9.4% محرمون من الممتلكات ووسائل المواصلات، و7.8% محرمون من خدمات الصرف الصحي، و7% من الأسر التي شملها المسح حُرم جميع أفرادها من الانتظام في الدراسة لفترة خمس سنوات، أما مؤشر مياه الشرب فمثل أقل المؤشرات في حرمان الفقراء بنسبة 0.5%.

البيانات الفرعية لمؤشر الفقر المتعدد الأبعاد تدل على وجود نسب مختلفة في الحرمان في صفوف الفقراء، فـ30.1% يعانون من سوء التغذية و29.7% محرمون من الرعاية الصحية
و9.4% محرمون من الممتلكات ووسائل المواصلات

جغرافيّاً كانت المحافظات الأكثر فقراً بالإقليم القبلي هي بني سويف بنسبة 20.7%، وهي النسبة الأعلى على مستوى الجمهورية، ثم أسيوط بـ17.3%، ثم المنيا بنسبة 15.3%. وفي محافظات الإقليم البحري كانت محافظة الإسماعيلية الأعلى من حيث نسبة الفقر المتعدد الأبعاد بنسبة 18.2%، لتكون الثانية في مصر كلها خلف بني سويف.

وأتت محافظة البحر الأحمر بأعلى نسبة للفقر المتعدد الأبعاد من بين محافظات الحدود بنسبة 11.5%، في حين كانت بورسعيد وأسوان والأقصر ومطروح شمال سيناء أقل المحافظات في مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد وبلغت النسبة في كل منها 3.5%.

وينبغي الإشارة إلى أنه على الرغم من أن محافظة بني سويف كانت الأعلى من حيث نسبة الفقر المتعدد الأبعاد في مصر فإن فقراءها مثلوا 5.8% من إجمالي فقراء البلاد، في حين كان مؤشر الفقر المتعدد الأبعاد في محافظة القاهرة 9.5%، لكن عدد فقرائها مثلوا 10.1% من فقراء البلاد وذلك بسبب الكثافة السكانية المرتفعة بالقاهرة مقارنة ببني سويف.

وتعتمد الإستراتيجية المقترحة على اشتراك القوى المجتمعية في مواجهة الفقر المتعدد الأبعاد، وهذه القوى هي الدولة عبر موازنتها العامة، ومجتمع الأعمال عبر المسؤولية الاجتماعية للقطاع الخاص، والمجتمع الأهلي عبر تبرعاته ومساعدته المتنوعة.

دور الدولة
يعد دور الدولة في مواجهة الفقر المتعدد الأبعاد هو الدور الأصيل، ولذلك فعلى الدولة أن تسعى لوضع إستراتيجية واضحة، تبنى على أساسها برامج مختلفة في الرعاية الصحية والتعليمية وتحسين مستوى المعيشة، على أن يكون ذلك محددا بأهداف محددة بسقف زمني، كما حدث في تجربة رئيس البرازيل السابق لولا داسيلفا، وتكون هذه الإستراتيجية برنامج الدولة بغض النظر عن توجهات الأحزاب السياسية التي تتولى السلطة.

وينبغي التركيز على عدة أمور في مجال مواجهة الفقر المتعدد الأبعاد، وذلك من خلال السياسات الاجتماعية والاقتصادية التي تستهدفها موازنة الدولة، وإعادة تخصيص الإنفاق لتحظى البنود المتعلقة برعاية الفقراء بمخصصات أكبر مقارنة بالسنوات الماضية.

ومما ينبغي التركيز عليه في هذه البنود جملة جوانب، أولها ترشيد الدعم، فقد بلغت مخصصات الدعم في موازنة 2012-2013 نحو 132 مليار جنيه (21 مليار دولار)، منها 18.9 مليار جنيه (3 مليارات دولار) للمواد التموينية، و95 مليار جنيه (15.3 مليار دولار) لدعم المواد البترولية.

وقد لوحظ من البيانات الخاصة بمؤشر الفقر المتعدد الأبعاد أن الأسر المتوفرة على بطاقات تموينية كانت في وضع أفضل من تلك الأسر التي لا تغطيها هذه الخدمة، ومن هنا لا بد من ترشيد الدعم لوصوله لمستحقيه، ومحاربة كافة صور الفساد في ملف الدعم.

ومن الجوانب المهمة أيضا زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية والتعليمية، فقد رصدت موازنة 2012-2013 نحو 27.4 مليار جنيه (4.4 مليارات دولار) لقطاع الصحة، ونحو 64 مليار جنيه (10.3 مليارات دولار) لقطاع التعليم. ولكن لا تزال الخدمات المقدمة في القطاعين دون المستوى في المنشآت العامة، مما يُكبّد الأفراد وبخاصة الفقراء منهم تكاليف إضافية ليست بمقدورهم توفيرها، لكي يحصلوا على خدمات الصحة والتعليم، ومن هنا لا بد من الإعلان عن برامج محددة لتحسين الخدمات بقطاعي الصحة والتعليم بالمنشآت الحكومية.

من الجوانب أيضا ما يتعلق بالاستفادة من توجيه موارد الصناديق والحسابات الخاصة لتحسين مستوى معيشة الأفراد، إذ ما زال هذا الملف من الملفات الشائكة في الحياة الاقتصادية المصرية، حيث تثار تساؤلات عن عدد الصناديق وما يتوفر لها من إيرادات. ولذلك فلا بد من أن توفر الحكومة هذه الشفافية وأن توجه هذه الإيرادات وفق الأهداف التي أنشأت من أجلها هذه الصناديق، وأن يواجه الفساد بها بكل حسم، ويتم استهداف الفقراء عبر إنفاق إيرادات هذه الصناديق.

عند الحديث عن دور الدولة في مواجهة الفقر يجب مراعاة أوضاع الريف مقارنة بالحضر، فالأول أكثر فقرا نتيجة ممارسات خاطئة في تنفيذ مشروعات التنمية، التي تركزت في المحافظات الحضرية وأهملت باقي المحافظات

ورابع هذه الجوانب مراعاة أوضاع الريف مقارنة بالحضر، إذ تظهر البيانات الرسمية بما لا يدع مجالا للشك أن الفقر أكثر انتشارا في الريف المصري مقارنة بالحضر، وقد أتت هذه النتيجة جراء ممارسات خاطئة في تنفيذ مشروعات التنمية، حيث تم تركيز مشروعات التنمية في المحافظات الحضرية، وبخاصة القاهرة والجيزة والقليوبية والإسكندرية، وأهملت باقي المحافظات.

ومن مسؤولية الحكومة إعادة النظر في هذا التوجه، وأن يتم تركيز المشروعات الجديدة في المناطق التي تعاني من ارتفاع معدلات الفقر، وأن تُمنح الاستثمارات الخاصة مزايا أكثر عبر آلية الضرائب وغيرها للتوجه للمناطق الريفية الفقيرة.

دور الشركات
لمجتمع الأعمال أكثر من دور في مواجهة الفقر، أولها وأهمها حرص هذا القطاع على زيادة استثماراته بما يؤدي إلى خلق وظائف جديدة يستفيد منها العاطلون والفقراء، بما يؤدي لحصولهم على دخول جيدة ومنتظمة يستطيعون من خلالها تلبية احتياجاتهم الأساسية وتحسين مستوى معيشتهم.

والأمر الثاني هو أداء ما عليهم من ضرائب ومستحقات متأخرة للدولة، وعدم التأخير فيما هو واجب عليهم في الأوقات الحالية، وفيما يتعلق بمساهمة مجتمع الأعمال في مجال التطوع والعمل الخيري فيجب أن يوجه في إطار خطة الدولة لمواجهة الفقر المتعدد الأبعاد، ولا يستلزم ذلك بالضرورة أن تقوم الدولة بنفسها بالتنفيذ، ولكن يمكن لمجتمع الأعمال أن ينفذ ما يتطوع به من أعمال في إطار خطة معلنة ومناطق مستهدفة لمواجهة الفقر.

كما أن هناك بعض البرامج من الشركات الكبرى لرعاية بعض المشروعات التعليمية أو مساعدة الفقراء، ومطلوب من هذه الشركات التوسع في هذه البرامج، وأن تقلص تكاليف الدعاية والإعلان لهذه البرامج لأقصى حد ممكن، بحيث يتم توجيه أكبر قدر من التمويل لمشروعات خدمة الفقراء.

ويمكن أن تساهم الشركات المتوسطة والصغيرة في هذا المجال من خلال صيانة المدارس والمستشفيات، وتوفير بعض المعامل الخاصة بالمدارس، سواء المعامل العلمية أو الحاسوب أو رعاية التلاميذ والطلاب الفقراء من خلال المؤسسات التعليمية نفسها.

دور الجمعيات
تختلف التقديرات المادية لمساهمة المجتمع الأهلي بمصر في العطاء الاجتماعي، فحسب تقديرات دراسة لمركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار فإن حجم الإنفاق على العمل الخيري يقدر بنحو 18 مليار جنيه (3 مليارات دولار تقريبا) سنويًا.

وثمة ملاحظة مهمة وهي ضرورة توجيه العمل الخيري إلى الأداء التنموي وليس فقط الإنفاق الاستهلاكي، أو قصر مفهوم العمل الخيري على بناء المساجد أو رعاية زوايا تحفيظ القرآن، فينبغي أن يوجه الجزء الأكبر من الإنفاق الخيري على برامج لتحسين أوضاع الفقراء، ومنها رعاية التلاميذ والطلاب الفقراء لعدم تسربهم من التعليم، لا سيما في مرحلة التعليم الإلزامي.

من الواجب أن يوجه الجزء الأكبر من الإنفاق الخيري إلى برامج لتحسين أوضاع الفقراء، منها رعاية التلاميذ والطلاب الفقراء لعدم تسربهم من التعليم لا سيما في مرحلة التعليم الإلزامي

ويمكن الاستفادة من تجربة الدعم النقدي المشروط لهؤلاء التلاميذ، التي تقوم فكرتها على دعم مقدم للتلاميذ شريطة حضورهم بنسب عالية بالمدارس، وإلا حرموا منه بقدر تغيبهم عن المدارس، على أن يسلم هذا الدعم لأسر التلاميذ للإنفاق عليهم ولمواظبتهم على الحضور في المدارس.

ومن المجالات المطلوبة أيضا تمويل المشروعات المتناهية الصغر لتوفير دخول منتظمة، وتحويل الأسرة الفقيرة إلى أسر منتجة، وأن توجه المراكز الطبية الخيرية للمساجد ولغيرها من المؤسسات الخيرية إلى الريف والمناطق العشوائية للمساهمة في توفير الرعاية الطبية للفقراء.

وهناك بعض المشروعات الناجحة مثل بنك الطعام، ويجب ألا يقتصر دوره على تقديم الطعام والمواد الغذائية للفقراء فقط، ولكن ينبغي أن يساعد الفقراء على إنتاج غذائهم، لا سيما أن الإحصاءات تشير إلى زيادة معدلات الفقر بنوعيه في الريف، فتقديم بنك الطعام المساعدات لفقراء المزارعين على شكل أسمدة وبذور وبعض المساعدات النقدية لتكاليف الزراعة والحصاد والتسويق من شأنها أن تغير الأوضاع المعيشية لهؤلاء الفقراء.

ثمة أمر مهم لا بد منه وهو أن هذه الجهود لن تؤتي ثمارها في مواجهة الفقر المتعدد الأبعاد أو فقر الدخل إلا إذا أتت في إطار منسق، وتوفير قاعدة بيانات للاحتياجات والموارد، حتى يمكن الوقوف على نتائج ملموسة، سواء كانت سلبية أو إيجابية، لتعظيم الإيجابيات وتلافي السلبيات.

ــــــــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة