ماهر الطباع

الزيارة أعطت الأمل لأهل القطاع
تراكم إجمالي الخسائر الاقتصادية
دعم قطري مستمر لغزة

الزيارة أعطت الأمل لأهل القطاع
تعتبر زيارة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة أل ثاني إلى قطاع غزة تاريخية بكل المقاييس. فقد أعطت بريق الأمل لكافة مواطني القطاع في إعادة الحياة لأكثر من مليون وسبعمائة ألف مواطن عانوا على مدار خمس سنوات من الحصار الإسرائيلي والحرب البشعة التي شنتها إسرائيل على القطاع في عام 2008 والتي دمرت فيها البشر والحجر، وهدمت المساجد والمدارس والمستشفيات إضافة إلى المساكن والمنشآت الحكومية المدنية والعسكرية والبنى التحتية.

ويمثل قطاع غزة شريحة صغيرة من فلسطين التاريخية, بمساحة تصل إلى (360) كم مربعاً تطل على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، ويشترك بالحدود مع كل من مصر وإسرائيل، ويصل عدد السكان فيه إلى مليون وسبعمائة ألف نسمة.

ويعتبر قطاع غزة من المناطق السكانية الأكثر كثافة في العالم. ويتميز اقتصاده بأنه يتأقلم مع كافة الظروف المتغيرة.

ويعتبر القطاع الخاص مساهما رئيسيا في النمو الاقتصادي. ويعتمد 85% من سكان قطاع غزة على المساعدات المقدمة من وكالة غوث اللاجئين الفلسطينيين ومنظمة الغذاء العالمي وبعض الجمعيات الخيرية والإغاثية التابعة لدول عربية وأجنبية.

وتأثر الاقتصاد الفلسطيني بالحصار المفروض من الجانب الإسرائيلي على قطاع غزة منذ أكثر من خمس سنوات, حيث قامت إسرائيل بممارسة سياسة العقاب الجماعي، فقامت بتاريخ 15/6/2007 بإغلاق كافة المعابر التجارية المؤدية إلى القطاع وفرضت الحصار والإغلاق الشامل عليه.

وبهذا الإغلاق والحصار فرضت الإقامة الجبرية والعقاب الجماعي على سكان القطاع وأصبح القطاع سجنا كبيرا مفاتيحه بأيدي الاحتلال الإسرائيلي. وساهم الحصار والإغلاق في ضعف نمو الاقتصاد وتدمير كافة القطاعات الإنتاجية.

وأدت الحرب الأخيرة على قطاع غزة إلى زيادة المشكلات الاقتصادية وذلك بعد استهداف إسرائيل لأكثر من 1500 منشأة اقتصادية أثناء فترة الحرب.

وحسب تقديرات الأونكتاد فإن الحصار والإغلاق المتواصلين يكلفان الاقتصاد الفلسطيني خسارة ما بين 600 و800 مليون دولار في السنة، أي قرابة 13% من إجمالي الناتج المحلي. 

تراكم إجمالي الخسائر الاقتصادية
ومع تواصل الإغلاق والحصار الإسرائيلي تراكم إجمالي الخسائر الاقتصادية خلال الفترة ما بين عامي 2008 و2011 ليصل إلى 2.6 مليار دولار أي 54% من حجم الناتج المحلي الإجمالي الفلسطيني لعام 2008, هذا بالإضافة إلى خسائر الحرب الاقتصادية المباشرة التي بلغت 1.9 مليار دولار، حسب تقديرات جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني نتيجة الحرب الإسرائيلية التي استمرت 22 يوما.

وأدت الأوضاع الاقتصادية الصعبة إلى تدني نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في الأرض الفلسطينية حيث بلغ 1614 دولارا أميركيا خلال العام 2011.

وهدفت زيارة أمير قطر لافتتاح مشاريع سخية قدمتها قطر لتمويل العديد من المشاريع الحيوية والإستراتيجية في قطاع غزة والتي من أهمها إعادة تأهيل شارع صلاح الدين الممتد من شمال إلى جنوب قطاع غزة, وشارع الرشيد (البحر), وشارع الكرامة, ومدينة الشيخ حمد السكنية, ومستشفى الشيخ حمد بن خليفة للأطراف الصناعية.

سوف تساهم المشاريع القطرية بدفع عجلة الاقتصاد في قطاع غزة, وفتح آفاق جديدة للعمل أمام العمال والخريجين وفي خفض نسبة البطالة المرتفعة

وسوف تساهم المشاريع القطرية بدفع عجلة الاقتصاد في قطاع غزة, وفتح آفاق جديدة للعمل أمام العمال والخريجين وفي خفض نسبة البطالة المرتفعة والتي بلغت في الربع الثاني من عام 2012 -حسب تقديرات مركز الإحصاء الفلسطيني- 28.4%.

وبلغ عدد العاطلين عن العمل 105 آلاف عاطل في قطاع غزة. كما يعاني الخريجين في القطاع من قلة توفر فرص العمل في الوقت الذي يزداد فيه عدد الخريجين من الجامعات والكليات في القطاع.

وساهم الحصار المفروض على قطاع غزة في زيادة معاناة الخريجين في البحث عن فرصة عمل وذلك نتيجة للوضع الاقتصادي المتردي في القطاع وعدم استيعاب القطاع الخاص لمزيد من الخريجين وتوقف القطاع العام عن التوظيف نتيجة للظروف الراهنة التي يمر بها.

وبلغ معدل البطالة بين الخريجين الشباب 35.6% خلال الربع الثاني من عام 2012، حسب إحصائيات مركز الإحصاء الفلسطيني.

ومن المتوقع أن تشغل المشاريع القطرية ما يزيد عن 15 ألف عامل، هذا بالإضافة إلى العديد من الخريجين في تخصصات مختلفة خلال فترة تنفيذ المشاريع والتي سوف تستغرق ثلاث سنوات،  بالإضافة إلى إنعاش القطاع الخاص الفلسطيني بكافة قطاعاته الاقتصادية, حيث إن كافة المشاريع القطرية سوف تنفذ بأيد فلسطينية بدءا من التصاميم الهندسية والفنية حتى المراحل النهائية.

كما أن المشاريع القطرية سوف تفتح المجال وتتيح الفرص أمام المستثمرين العرب والأجانب للاستثمار في قطاع غزة, وذلك نتيجة احتياج القطاع إلى العديد من الاستثمارات الكبيرة في كافة القطاعات الاقتصادية.

وسوف يتمتع المستثمر في فلسطين بالاستفادة من كافة الامتيازات الخاصة بالاتفاقيات التجارية الموقعة بين السلطة الوطنية الفلسطينية ودول العالم المختلفة والتي تعطي أفضلية في التعاملات الخارجية للمنتج الفلسطيني.

كما سيستفيد المستثمر من الإعفاءات الجمركية الخاصة بالمنتجات الفلسطينية لدى تصديرها إلى دول الاتحاد الأوروبي وأميركا والعديد من الدول العربية, هذا بالإضافة إلى العديد من الحوافز التي يمنحها قانون الاستثمار الفلسطيني.

دعم قطري مستمر لغزة
ودعم قطر لقطاع غزة ليس بجديد. فلقد تبرعت بـ25 ألف طن من السولار القطري لتشغيل محطة الكهرباء في أبريل/نيسان الماضي وذلك للمساهمة في حل مشكلة الكهرباء المزمنة التي يعاني منها قطاع غزة منذ أكثر من ستة سنوات, والتي أدت إلى انقطاع التيار الكهربائي الدائم والمستمر وبشكل يومي مما زاد من معاناة المواطنين في قطاع غزة، حيث تقطع الكهرباء يوميا من ثماني ساعات إلى 12 ساعة حسب حجم الأحمال والضغط على الشبكة.

تعتبر زيارة أمير قطر الخطوة الأولى الجادة لكسر الحصار بدءا بإعادة إعمار ما دمره الاحتلال الإسرائيلي في حربه الأخيرة وهجماته المتكررة على قطاع غزة

ويأتي تنفيذ المنحة القطرية بعد انتظار دام ما يزيد عن ثلاث سنوات على إعلان أمير قطر عن إنشاء صندوق لإعادة إعمار غزة وتبرع له بمبلغ 250 مليون دولار خلال القمة الاقتصادية العربية التي عقدت في الكويت في يناير/كانون الثاني عام 2009، أي بعد الحرب على غزة مباشرة, وتبرعت في نفس القمة الكويت بنصف مليار دولار والسعودية بمليار دولار لإعادة إعمار غزة.

كما أكدت قطر على منحتها الخاصة بإعادة إعمار قطاع غزة في مؤتمر شرم الشيخ والذي عقد تحت عنوان "إعادة إعمار قطاع غزة" في شهر مارس/آذار عام 2009 وشارك في المؤتمر نحو سبعين دولة و16 منظمة إقليمية ودولية.

وبلغ مجمل التبرعات المالية التي تعهدت بها الدول المشاركة في مؤتمر إعادة إعمار غزة أربعة مليارات و481 مليون دولار. لكن لم يصل إلى غزة شيء من تلك التبرعات سوى المنحة القطرية التي تضاعفت أثناء زيارة أمير قطر لتصل إلى 400 مليون دولار.

ومنذ إعلان موعد زيارة أمير قطر حاولت إسرائيل التصعيد لإلغاء الزيارة لكنها فشلت أمام إصرار الأمير.

وحققت الزيارة نجاحا على كافة الأصعدة إذ تعتبر الخطوة الأولى الجادة لكسر الحصار بدءا بإعادة إعمار ما دمره الاحتلال الإسرائيلي في حربه الأخيرة وهجماته المتكررة على قطاع غزة.

وفور انتهاء الزيارة صعدت إسرائيل من هجماتها للتأثير على النجاح الذي حققته الزيارة. لكن قطر ماضية في تنفيذ مشاريعها في قطاع غزة الذي لن يظل رهينة للتهديدات الإسرائيلية في ظل عدم وجود أي أفق لحلول سياسية قادمة.

كما أن الحديث عن دخول المواد اللازمة للمشاريع القطرية عن طريق مصر بعد موافقة الرئاسة المصرية, يعطي بريق أمل جديد لإعادة فتح معبر رفح التجاري بعد إغلاقه تجاريا مع بدء انتفاضة الأقصى عام 2000, وكسر الحصار نهائيا عن قطاع غزة والسماح بتصدير المنتجات الصناعية والزراعية من قطاع غزة للعالم الخارجي.

ويأمل الفلسطينيون في قطاع غزة أن تحذو الدول العربية حذو قطر وتكون على قدر المسؤولية تجاه أبناء الشعب الفلسطيني الذي يعاني من الاحتلال والحصار والبطالة والفقر, وبالوفاء بالالتزامات والدعم التي تعهدت بتقديمه خلال مؤتمر شرم الشيخ حتى تتم عملية إعادة إعمار قطاع غزة.
ـــــــــــــــــــــــــ
خبير ومحلل اقتصادي

المصدر : الجزيرة