تشكيل الخدمات الحكومية سبيل للتطور بالصين
آخر تحديث: 2012/11/15 الساعة 14:34 (مكة المكرمة) الموافق 1434/1/2 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/11/15 الساعة 14:34 (مكة المكرمة) الموافق 1434/1/2 هـ

تشكيل الخدمات الحكومية سبيل للتطور بالصين

أندرو شنغ وشياو غنغ

التحول الصيني
التخطيط المركزي
تحديث الإدارات
نظام حديث

يرتبط المنتجون والمستهلكون عبر شبكة معقدة من عقود التشغيل لإنتاج المكونات بشكل مربح، فعلى سبيل المثال تم تصميم جهاز الآي باد في كاليفورنيا مع رقائق من اليابان وأجزاء من كوريا الجنوبية وتايوان وأماكن أخرى، وأخيرًا يتم تجميعه في الصين ليوزع عبر العالم.

ولكن البيئة الطبيعية لسلاسل الإمداد ليست بالبساطة التي قد يوحي بها هذا الوصف، فأغلب دراسات سلاسل الإمداد تتناول عملياتها بالدراسة، ولكنها تعتبر الدور التمكيني الحاسم الذي تلعبه الحكومات من الأمور المسلم بها.

ولأن عدم تسليم الخدمات الحكومية من شأنه أن يحول دون سير عمل سلاسل الإمداد التجارية على النحو اللائق، فإن فهم الكيفية التي تعمل بها سلاسل إمداد الخدمات الحكومية يشكل أهمية بالغة.

سلسلة الإمداد ليست مجرد شبكة للإنتاج، بل إنها تشكل أيضا آلية للمردود المباشر، حيث تعمل بشكل مستمر على تعديل نفسها لضمان تنسيق الإنتاج وانتظامه بالقدر اللازم من الكفاءة لمواجهة التغيرات في الطلب الاستهلاكي العالمي

التحول الصيني
فلم يصبح التحول الذي شهده الاقتصاد الصيني ممكنًا إلا من خلال التسليم المتزامن للخدمات الحكومية من أجل دعم الخدمات اللوجستية والمالية وسلاسل إمداد عمليات التصنيع. وهي مهمة بالغة التعقيد، حيث انطوت على مستويات مختلفة من الحكومة الصينية والعديد من هيئات الدولة ووزاراتها.

إن سلسلة الإمداد ليست مجرد شبكة للإنتاج، بل إنها تشكل أيضا آلية للمردود المباشر، حيث تعمل بشكل مستمر على تعديل نفسها لضمان تنسيق الإنتاج وانتظامه بالقدر اللازم من الكفاءة لمواجهة التغيرات في الطلب الاستهلاكي العالمي، وتلبية الأذواق والتفضيلات المختلفة.

وتعمل التكنولوجيا على تمكين التسليم الأسرع والأكثر كفاءة، "في الوقت المناسب تماما"، من خلال الاستغلال الكامل للتخصص وتبادل المعارف على نطاق عالمي. وكما اكتشفت شركة أبل، فإن الرابح في تنسيق وتنظيم سلسلة الإمداد يخرج فائزا بأقل التكاليف العالمية وأكبر حصة في السوق.

وما كان ليصبح في الإمكان إنتاج أجهزة الآي باد بمثل هذه السرعة العالية والتكاليف المنخفضة في غياب سلسلة إمداد "صُنِع في العالم" التي تتخذ من الصين مقرا لها. وبالإضافة إلى فهم الجوانب الكلية والجزئية للاقتصاد، فإن فهم سلاسل الإمداد في قطاعات السلع والخدمات الخاصة والعامة في الصين يتطلب التحليل على المستوى المؤسسي والتحليل الشامل للنظام كله.

أسفرت المنافسة الشديدة بين الحكومات المحلية الصينية على الاستثمار الأجنبي عن تحسن كبير في بيئة الأعمال، واشتمل هذا التحسن على حوافز اقتصادية في مجالات مثل الأراضي والعمالة والضرائب، فضلاً عن الإصدار السريع للتصاريح والموافقات

التخطيط المركزي
لقد ورثت الصين عندما بدأت إصلاحاتها الاقتصادية عام 1979 اقتصادا يقوم على التخطيط المركزي ويفتقر إلى البنية التحتية المؤسسية للأسواق.

ومن منطلق إدراكها للحاجة إلى التغيير النظامي الشامل، سمحت الصين للحكومات المحلية في مناطق اقتصادية خاصة ومدن محددة بتجريب الممارسات القانونية والإدارية واللوجستية الحديثة في صناعات التصدير، بما في ذلك الاستثمار في المرافق والمنافع العامة والنقل.

وأسفرت المنافسة الشديدة بين الحكومات المحلية على الاستثمار الأجنبي عن تحسن كبير في بيئة الأعمال، واشتمل هذا التحسن على حوافز اقتصادية في مجالات مثل الأراضي والعمالة والضرائب، فضلاً عن الإصدار السريع للتصاريح والموافقات. وتولى قادة المدن المسؤولية عن تعبئة الموارد المحلية لتوليد الناتج المحلي الإجمالي والتوظيف، فكوفئوا بالترقية على حسن الأداء.

وكانت النتيجة قدرا كبيرا من الإبداع وإضفاء الطابع المؤسسي على خدمات الحكومات المحلية من أجل دعم أنشطة السوق، بما في ذلك تشغيل الخبرات في الخارج في تصميم وإدارة وتشغيل مشاريع البنية الأساسية لصالح شركات التصميم والشركات الاستشارية الخاصة والأجنبية.

ومن أجل دعم مشاركة الصين في سلاسل إمداد التصنيع العالمية، باعت حكومات محلية عديدة وفككت شركاتها المملوكة للدولة، الأمر الذي مكن العديد من الشركات الخاصة من تقديم الخدمات اللازمة لاقتصاد موجه للتصدير وقائم على السوق.

نجاح الصين الاقتصادي يعكس عمق الخبرات الإدارية والسوقية التي ينطوي عليها النظام البيروقراطي في الصين

تحديث الإدارات
وعلى المستوى الوطني، كان دعم الشركات والبنوك المملوكة للدولة، وتحديث إدارتها من خلال الإدراج العام في أسواق الأوراق المالية، سببا في تمكينها من تحسين كفاءتها في قطاعات المرافق الخاضعة للتنظيم، والبنية الأساسية المادية، والموارد، لاستكمال التحرير ونمو السوق.

كما استفادت سلسلة إمداد الخدمات الحكومية الصينية إلى حد كبير من تقليد الموارد البشرية القائم على الجدارة. فكان المسؤولون من ذوي الخبرات الكبيرة والناجحة في الحكومات المحلية والوزارات والشركات المملوكة للدولة يرقون عن قصد وينقلون إلى المناطق الأقل نموًّا من أجل نشر المعرفة والتكنولوجيا وأفضل الممارسات والعمليات.

والواقع أن نجاح الصين الاقتصادي يعكس عمق الخبرات الإدارية والسوقية التي ينطوي عليها النظام البيروقراطي في الصين بوصفها جزءا لا يتجزأ منه. فعمد المدن الصينية يعملون رؤساء تنفيذيين للاقتصاد المحلي، ويتولون المسؤولية ليس فقط عن تنمية السوق بل أيضا تحقيق الاستقرار الاجتماعي.

وتتلخص الآلية الحاسمة في تنسيق وتنظيم وتنفيذ الشبكة المعقدة من العقود التي تشتمل عليها سلسة إمداد الخدمات الحكومية في الصين في الخطة الخمسية، التي تشرف على التكامل الرأسي والأفقي لكل الهيئات الحزبية والإدارية تقريبا.

وتستخدم الخطة الخمسية أهدافا عريضة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، وهي الأهداف التي تصاغ بعد مشاورات داخلية وعامة مكثفة. وتترجم هذه التكليفات بواسطة المسؤولين على المستوى المحلي إلى مشاريع وخطط عمل، مثل أهداف خفض استخدام الطاقة عن كل وحدة من الناتج المحلي الإجمالي من أجل معالجة القيود المتصلة بالموارد والمخاوف بشأن تغير المناخ.

تهدف الخطة الخمسية الحالية إلى تحويل الصين من نموذج النمو القائم على التصدير إلى اقتصاد متوازن يعتمد عل الطلب المحلي، في حين يعالج في الوقت نفسه التحول الصناعي، والتفاوت الاجتماعي، والتدهور البيئي

نظام حديث
والواقع أن نجاح الصين في تطوير نظام حديث لتسليم الخدمات الحكومية من الصفر يفسر لنا لماذا يجد العديد من المستثمرين الأجانب سهولة أكبر في التعامل مع الحكومات الصينية مقارنة بالحكومات في دول أخرى نامية.

تهدف الخطة الخمسية الثانية عشرة إلى تحويل الصين من نموذج النمو القائم على التصدير إلى اقتصاد متوازن يعتمد عل الطلب المحلي، في حين يعالج في الوقت نفسه التحول الصناعي، والتفاوت الاجتماعي، والتدهور البيئي.

وهذا يعني ضمنا عقودا أكثر تعقيدا تتجاوز تعزيز الأسواق ونمو الناتج المحلي الإجمالي وتشغيل العمالة، إلى ضمان تسليم الخدمات الحكومية بشكل شامل وعادل وعالي الجودة. والواقع أن تنفيذ هذه الأهداف الاجتماعية المتطورة من خلال الهيئات الحكومية المحلية وبواسطة مسؤولين معينين مهمة شاقة وتتطلب تغييرات عميقة في الأدوار ومقاييس الأداء.

لا أحد يستطيع أن يشكك في أن الحكومات المحلية الصينية تلعب دورا أكثر نشاطا وتدخلاً من نظيراتها في الغرب، وهذا يعني ضمنا إدخال عامل إضافي معقد. فالحكومات المحلية لا تواجه الآن المطالبات المتزايدة من جانب أبناء الطبقة المتوسطة الناشئة بالمزيد من الشفافية والمنافسة والعدالة والقدرة على الوصول إلى الفرص فحسب، بل إنها تواجه أيضا صراعات متزايدة العمق بين المصالح المحلية والقواعد العالمية.

إن محاولة تنسيق وتنظيم سلسلة إمداد معقدة كسلسلة الخدمات الحكومية في اقتصاد قاري مفتوح إلى حد كبير ويضم 1.3 مليار نسمة وخمسة مستويات حكومية، مهمة صعبة بما يكفي باستخدام هدف بسيط يتمثل في نمو الناتج المحلي الإجمالي. وتكييف المقاييس الحكومية في دولة بحجم الصين بحيث تتلاءم مع اقتصاد أخضر وشامل وعادل يشكل تحديا غير مسبوق في تاريخ البشرية. بل إن السابقة الوحيدة لتحقيق مثل هذا الإنجاز هي الصين ذاتها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
- أندرو شنغ: رئيس معهد فونج العالمي، والرئيس الأسبق للجنة الأوراق المالية والعقود الآجلة في هونغ كونغ، وأستاذ مساعد في جامعة تسينغهوا في بكين.
- شياو غنغ: مدير البحوث لدى معهد فونغ العالمي.

المصدر : بروجيكت سينديكيت

التعليقات