دعوات تطالب بالحد من المنافسة
الاحتكار والإبداع
المنافسة تعزز الإبداع

دعوات تطالب بالحد من المنافسة
يؤيد العديد من خبراء الاقتصاد فرض نظم جديدة قد تجعل العمل المصرفي أقل تنافسية.

وليس من الغريب بعد كل أزمة أن نسمع دعوات تطالب بالحد من المنافسة.

فأثناء أزمة الكساد الأعظم في ثلاثينيات القرن العشرين، زعم رئيس إدارة الإنعاش الوطني في الولايات المتحدة أن أصحاب العمل يُرغَمون على الاستغناء عن العمال "نتيجة لمبدأ المنافسة الوحشي الضاري، حيث يطأ الأخ أخاه في منافسة لا تعرف الشفقة".

كما طالب ببيئة عمل أكثر تعاونا، حيث يتم تقاسم الأرباح المكتسبة من المستهلكين بين أصحاب العمل والعمال.

كانت التخوفات بشأن التأثيرات الضارة المترتبة على المنافسة قائمة دوما، حتى بين هؤلاء الذين لم يقتنعوا بأن قرارات الدولة السلطوية من الممكن أن تحل محل الأسواق، أو أن الخير المتأصل في البشر أقوى من المكافأة النقدية أو العقاب كمحفز.

لكن المناقشة بلغت ذروة احتدامها عندما تعلق الأمر بالتأثيرات التي قد تخلفها المنافسة على الحوافز أو الإبداع.

كان رجل الاقتصاد النمساوي العظيم جوزيف شومبيتر يعتقد أن القوة الكامنة في الإبداع أعتى من المنافسة العادية حول الأسعار بين الشركات في التأثير على البشر وإصلاح أحوالهم. ويبدو أن شومبيتر أثناء شبابه كان يعتقد أن الاحتكار يكبح الحافز إلى الإبداع. والأمر ببساطة أن المحتكر لا يحب خسارة أرباحه الاحتكارية القائمة من خلال رعاية الإبداع الذي قد يلتهم تجارته.

وعلى النقيض من هذا، إذا كانت الصناعة مفتوحة أمام لاعبين جدد، فإن الداخلين المحتملين الذين قد يكسبوا الكثير ولن يخسروا إلا القليل سوف يكون لديهم حافز قوي لإطلاق موجات "التدمير الخلاق" الذي تصور شومبيتر أنه يشكل ضرورة أساسية لتقدم البشرية.

وفي صناعة تهيمن عليها المنافسة فإن المهيمنين الحاليين المصابين بجنون الشك -هؤلاء الذين يسعون على نحو لا ينقطع إلى التحسين والتجويد- هم فقط من لديهم أي أمل في النجاة والبقاء.

الاحتكار والإبداع
في مرحلة متقدمة من عمره، عَدَّل شومبيتر وجهات نظره وكيفها، حتى أنه ذهب إلى الزعم بأن قدراً ما من الاحتكار قد يكون أفضل من المنافسة في خلق حوافز أقوى للشركات لكي تبدع.

راجان: المنافسة المالية تعزز الإبداع (الأوروبية)

والأساس المنطقي لهذه الفكرة بسيط: فإذا كانت حماية براءات الاختراع محدودة، أو إذا كان من السهل على المتنافسين أن يبدعوا من دون تقيد بحقوق الملكية الفكرية، فإن أي شركة في سوق تنافسية لن يكون لديها حافز كبير للاستثمار في البحث والتطوير. ذلك أن الشركة لن تجني سوى ميزة مؤقتة في أحسن الأحوال. وإذا عملت بدلاً من هذا على تقييد الإنفاق، ولجأت إلى الاستنساخ ببساطة أو الالتفاف حول البحث والتطوير، فقد يكتب لها البقاء، بل وقد تسير أمورها على خير ما يرام. ومن هذا المنطلق فلن يجد أحد ضرورة للإبداع.

ولكن إذا كانت الشركة تتمتع باحتكار سلعة ما، فسوف يكون لديها الحافز لرعاية الإبداعات التي تعمل على تحسين ربحيتها (أو ما يسمى بإبداعات "المعالجة")، لأنها سوف تتمكن بهذا من الاستئثار بالأرباح الناتجة، بدلاً من رؤية هذه الأرباح تضيع في خضم المنافسة.

في السياق ذاته، فإن البنك الذي يقوم بعمله الروتيني والمحمي من المنافسة والذي يعلم أنه "يمتلك" عملاءه فسوف يكون راغباً في بذل كل جهد إضافي لمساعدتهم، لأنه يتمكن بهذا من جني أرباحه من تجارتهم في المستقبل. وقد يكون العملاء سعداء حتى عندما يواجهون الاحتكار، ولو أنهم سوف يتذمرون إذا علموا قدر ما كانوا يدفعون في مقابل الخدمة الجيدة.

وقد يكون القياس هنا مفيدا. فالاحتكار أشبه بالركض على أرضية صلبة. فلا شيء يرغمك على الحركة، ولكن إذا تحركت فإنك تتحرك إلى الأمام. وكلما ركضت بسرعة أكبر كلما زادت المشاهد التي تراها، وهذا يعطيك بعض الحافز للركض بسرعة.

أما المنافسة فهي أشبه بجهاز تمرين المشي. فإذا وقفت ساكناً يسقطك السير الدوار لا محالة. ولكنك عندما تركض فلن يكون بوسعك أبداً أن تسبق الجهاز لكي تغطي أرضاً جديدة، لذا فإنك لن تجري أبداً بسرعة أكبر من السرعة المحددة سلفا.

أي الهياكل الصناعية إذن أفضل لتشجيعك على الركض؟ الإجابة تتوقف على عدة عوامل، كما يميل خبراء الاقتصاد إلى إخبارنا عادة.

ولعل المرء يستطيع أن يفوز بأفضل ما في العالمين إذا بدأ على جهاز تمرين المشي ولكنه تمكن في الوقت نفسه من القفز إلى خارج الجهاز إذا كان يركض بسرعة كبيرة بشكل خاص، فالنظام تنافسي، ولكن هؤلاء الذين يتسمون بالإبداع بشكل خاص يتمكنون من تأمين بعض أرباح الاحتكار لبعض الوقت. وهذه هي مهمة النظام القوي لحماية براءات الاختراع.

المنافسة تعزز الإبداع
ولكن براءات الاختراع غير فعّالة في بعض الصناعات، مثل التمويل. ولكن هناك أدلة دامغة تشير إلى أن المنافسة المالية تعزز الإبداع. والكثير من الإبداع المالي في الولايات المتحدة وأوروبا أتى بعد تحرير القطاع المالي من القيود التنظيمية في ثمانينيات القرن الماضي، أي بعد تحرره من الروتين.

هناك أدلة دامغة تشير إلى أن المنافسة المالية تعزز الإبداع. والكثير من الإبداع المالي في الولايات المتحدة وأوروبا أتى بعد تحرير القطاع المالي من القيود التنظيمية في ثمانينيات القرن الماضي، أي بعد تحرره من الروتين

بيد أن منتقدي القطاع المالي يعتقدون أن الإبداع كان المشكلة. فبدلاً من "التدمير الخلاق" الذي تحدث عنه شومبيتر، انخرط المصرفيون في الإبداع المدمر من أجل التحايل على العملاء وخداعهم عند كل فرصة والاحتماء في الوقت نفسه خلف ستار من التعقيد بعيداً عن أعين الهيئات التنظيمية المتطفلة (وحتى عن كبار القائمين على الإدارة). ولقد زعم رئيس بنك الاحتياطي الاتحادي الأميركي السابق بول فولكر، بقدر من السخرية والاستهزاء، أن الإبداع المالي المفيد الوحيد في السنوات الأخيرة كان ماكينة الصراف الآلي. وبالتالي فإن المنتقدين ينادون بفرض قيود على المنافسة لتثبيط الإبداع.

وبطبيعة الحال، كان المنتقدون على حق عندما زعموا أن ليس كل الإبداع في قطاع التمويل كان مفيدا، وأن بعض هذا الإبداع كان مدمراً بكل ما في الكلمة من معنى. ولكن في مجمل الأمر، كانت بعض الإبداعات، مثل مقايضات أسعار الفائدة والسندات غير المرغوب فيها، مفيدة إلى حد هائل، حيث سمحت لمجموعة متنوعة من الشركات بالظهور والحصول على التمويل بطريقة لم تكن ممكنة من قبل ببساطة.

وحتى السندات المدعومة بالرهن العقاري، التي كانت في قلب الأزمة المالية التي اندلعت في عام 2008، لها استخدامات مهمة في نشر ملكية المساكن والسيارات. ولم تكن المشكلة في الإبداع، بل في كيفية استخدامه، أي مع حوافز الممولين.

وهنا تلعب المنافسة دوراً مهما. فالمنافسة تزيد من صعوبة جمع المال، وبالتالي تستنزف ريع العاجزين (وأسعار أسهمهم) في المستقبل. وفي أي صناعة تضطر الشركات العاجزة (والموظفون العاملون لديها) إلى الخروج من السوق. وفي القطاع المالي، يخوض العاجزون المزيد من المجازفات، على أمل الفوز بالجائزة الكبرى، حتى على الرغم من حماية الجهات التنظيمية لهم من خلال الحكم عليهم بأنهم أكثر أهمية للنظام الشامل من أن يتركوا للإفلاس.

وبدلاً من التخلي عن المنافسة ومنح البنوك احتكارات محمية مرة أخرى، فإن أفضل سبيل لخدمة المصلحة العامة يتلخص في تيسير عملية إغلاق البنوك عندما تتورط في متاعب. وبدلاً من جعل العمل المصرفي روتينيا مملا، فلنجعل منه صناعة طبيعية عُرضة للتدمير في مواجهة الإبداع.
____________________________

أستاذ الموارد المالية في كلية بوث لإدارة الأعمال بجامعة شيكاغو، وكبير المستشارين الاقتصاديين لحكومة الهند، ومؤلف كتاب "خطوط الصدع: كيف لا تزال الشروخ المستترة تهدد الاقتصاد العالمي".

المصدر : بروجيكت سينديكيت