ضعف الاستثمار بأنظمة احتواء الكوارث
آخر تحديث: 2012/11/11 الساعة 15:52 (مكة المكرمة) الموافق 1433/12/27 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2012/11/11 الساعة 15:52 (مكة المكرمة) الموافق 1433/12/27 هـ

ضعف الاستثمار بأنظمة احتواء الكوارث

إعصار ساندي تسبب في خسائر فادحة بقطاعات عديدة منها الطاقة (الأوروبية)

مايكل سبنس

تدارك الخلل
شبكات مرنة
استخفاف بالعواقب
تقصير بالاستثمار

إن الإعصار الذي ضرب الساحل الشرقي للولايات المتحدة الأميركية الأسبوع الماضي (والذي عشته في مانهاتن السفلى) يضيف إلى مجموعة متنامية من الظواهر الجوية البالغة الشدة التي ينبغي علينا أن نستمد منها الدروس. فقد أكد خبراء الطقس منذ مدة طويلة أن وتيرة وحجم مثل هذه الأحداث في ازدياد، وسوف تؤثر الأدلة على هذا لا محالة على التدابير الاحترازية، وسوف تحملنا على مراجعة هذه التدابير بشكل منتظم.

هناك عنصران متميزان وحاسمان في التأهب للكوارث. والعنصر الذي يحظى بالقدر الأعظم من الاهتمام، ولأسباب مفهومة، هو القدرة على صياغة استجابة سريعة وفعالة، وستظل هذه القدرة ضرورية على الدوام، وقليلون هم من قد يشككون في أهميتها.

وعندما تغيب هذه القدرة أو تكون قاصرة أو ضعيفة فإن الخسائر في الأرواح والأرزاق قد تكون مروعة، والشاهد على هذا إعصار كاترينا الذي أتى على الأخضر واليابس في هايتي ومدينة نيو أورليانز عام 2005.

ويشمل العنصر الثاني الاستثمارات الكفيلة بتخفيف الأضرار المتوقعة التي قد تلحق بالاقتصاد، وهذا الجانب من الاستعداد يحظى عادة بقدر أقل كثيراً من الاهتمام.

ومن الواضح أن الدروس المستفادة من تجربة إعصار كاترينا بالولايات المتحدة عملت على تعزيز قدرة الاستجابة، كما أظهر التدخل السريع والفعال في أعقاب إعصار ساندي. ولكن يبدو أن الاستثمارات المرصودة للسيطرة على حجم الأضرار تم إهمالها بشكل مستمر.

لا شك أننا لا نستطيع بتكاليف معقولة أن نمنع كل الأضرار المحتملة التي قد تنتج عن الكوارث، والتي تضرب بشكل عشوائي وفي مواقع لا يمكن دائما التنبؤ بها، ولكن بعض أشكال الضرر تنطوي على تأثيرات كبيرة

تدارك الخلل
ويتطلب تدارك هذا الخلل التركيز على البنية الأساسية، فلا شك أننا لا نستطيع بتكاليف معقولة أن نمنع كل الأضرار المحتملة التي قد تنتج عن الكوارث، والتي تضرب بشكل عشوائي وفي مواقع لا يمكن دائما التنبؤ بها، ولكن بعض أشكال الضرر تنطوي على تأثيرات كبيرة.

وهذا يشمل الأضرار التي قد تلحق بأنظمة حساسة مثل شبكات الكهرباء والمعلومات والاتصالات وشبكات النقل التي تشكل الأساس الذي تقوم عليه الاقتصادات الحديثة. والاستثمار المتواضع نسبياً في مرونة وسلامة وكفاية هذه الأنظمة من شأنه أن يعود علينا بفوائد جمة، ولو على فترات غير منتظمة. وهنا تشكل كفاءة الأنظمة المفتاح الأساسي.

والواقع أن حالة مدينة نيويورك مفيدة بشكل خاص في هذا الباب، فقد ظل القسم الجنوبي من مانهاتن محروماً من الطاقة الكهربائية طيلة أسبوع عمل كامل تقريبا، ويبدو أن هذا الأمر يعزى لانفجار محطة تزويد فرعية كبرى ضمن شبكة الكهرباء كانت واقعة بالقرب من نهر إيست، ووقع ذلك عندما فاض بسبب موجة المد التي ساقها إعصار ساندي. ولم يكن هناك سبيل للالتفاف حول المشكلة لتوصيل الكهرباء بطريقة بديلة.

ولا شك أن التكاليف المترتبة على انقطاع الطاقة على هذا النحو ضخمة للغاية، ولو أن تقديرها حسابياً بدقة أمر صعب. وخلافاً للدفعة الاقتصادية التي قد تحدث نتيجة للإنفاق من أجل إصلاح الأضرار التي لحقت بالممتلكات المادية، فإن هذه الخسائر لا يمكن تعويضها.

شبكات مرنة
وقد يكون انقطاع الكهرباء محلياً أمراً لا يمكن تجنبه، ولكن من الممكن أن نعمل على إنشاء شبكات طاقة أقل ضعفاً وعُرضة للمخاطر، وأقل ميلاً للتسبب في تعطيل أجزاء كبيرة من الاقتصاد، من خلال بناء قدرة إنتاج احتياطية كافية.

وهناك دروس مستفادة مماثلة تعلمناها فيما يتصل بسلسلة الإمدادات العالمية في أعقاب الزلزال وتسونامي اللذين ضربا شمال شرق اليابان عام 2011. فقد أصبحت هذه السلسلة الآن أكثر مرونة. ويعرب خبراء أمن الإنترنت عن مخاوفهم المبررة إزاء احتمالات تعطيل اقتصاد كامل من خلال مهاجمة وتعطيل شبكات التحكم بإمدادات الطاقة الكهربائية والاتصالات، وشبكات النقل.

ولا شك أن تأثير الكوارث الطبيعية أقل شمولية، ولكن إذا دمرت الكارثة العناصر الرئيسة لشبكات تفتقر إلى الكفاءة والدعم الاحتياطي فإن الآثار سوف تكون مشابهة. وحتى الاستجابة السريعة قد تكون أكثر فعالية إذا كانت الشبكات والأنظمة الرئيسية، وخاصة شبكة الكهرباء، تتسم بالمرونة.

ولكن لماذا نميل إلى التقصير في الاستثمار في مرونة الأنظمة الأساسية التي يقوم عليها اقتصادنا؟ من بين مبررات هذا التقصير أن بناء قدرات إنتاج احتياطية يبدو وكأنه إهدار للموارد بالأوقات العادية، حيث تستبعد حسابات التكاليف والفوائد أي استثمارات مكلفة، بيد أن هذا خطأ واضح فتقديرات العديد من الخبراء تشير إلى أن بناء قدرات احتياطية لا يؤتي ثماره إلا إذا تم افتراض احتمالات ضعيفة لوقوع كوارث مدمرة.

من بين أسباب عدم الاستثمار في بناء قدرات احتياطية لمواجهة الكوارث وجود ميل للاستخفاف بالاحتمالات والعواقب المترتبة على هذه الأحداث ويزيد من خطورة هذا النمط من التفكير غياب محفزات قوية

استخفاف بالعواقب
ويقودنا هذا إلى تفسير ثان أكثر منطقية والذي ينطوي على جوانب نفسية وسلوكية، فنحن نميل إلى الاستخفاف بالاحتمالات والعواقب المترتبة على ما يُطلَق عليه في عالم الاستثمار "أحداث الذيل الأيسر".

وتزيد من خطورة هذا النمط من التفكير عند غياب محفزات قوية، حيث إن أصحاب المصلحة، سواء كانوا مستثمرين أو ناخبين هم من يحدد الحوافز للوكلاء، سواء كانوا مديري أصول أو مسؤولين منتخبين وصناع القرار السياسي. وإذا أساء أصحاب المصلحة فهم المخاطر الشاملة فإن وكلاءهم، حتى ولو كانوا يدركون هذه المخاطر، فقد لا يكون بوسعهم تقديم أي استجابة من دون خسارة الدعم، سواء تعلق الأمر بهيئة أصوات ناخبين أو أصول تحت إدارتهم.

وهناك منطق آخر مفاده أن الشركات التي تعتمد بشكل كبير على الاستمرارية كالمستشفيات وشركات التصنيع بالخارج المستقرة في الهند وأسواق الأوراق المالية ستستثمر في بناء أنظمة دعم خاصة بها، والواقع أنها تقوم بهذا بالفعل، ولكن هذا المنطق يتجاهل مجموعة من القضايا المتعلقة بالقدرة على الانتقال والسلامة وإسكان الموظفين.

ومن المؤكد أن هذا النمط واسع الانتشار من التأمين الذاتي الناتج عن التقصير بالاستثمار في البنى الأساسية المرنة يشكل خياراً رديئاً بوضوح ويفتقر إلى الكفاءة.

تقصير بالاستثمار
ويتفشى التقصير في الاستثمار بالبنية الأساسية (بما في ذلك تأجيل عمليات الصيانة) حيثما كانت العواقب غير مؤكدة أو غير مباشرة أو كليهما، والحقيقة أن التقصير في الاستثمار والاستثمار بالاستدانة يتساويان في جانب واحد ذي أهمية كبيرة: فكلا الأمرين يؤدي إلى تحويل التكاليف إلى أجيال المستقبل، ولكن حتى التمويل بالاستدانة قد يكون أفضل من عدم الاستثمار على الإطلاق نظراً للخسائر غير القابلة للتعويض التي قد تقع.

إن المدن والدول التي تطمح للتحول إلى مراكز أو جزء أساسي من الأنظمة المالية والاقتصادية سواء داخل البلاد أو بالعالم لابد أن تتوفر فيها القدرة على الاستشراف وكسب الثقة والمرونة، وهذا يعني ضمنيا شفافية سيادة القانون وإدارة قديرة ومحافظة ودورية للاقتصاد الكلي. ولكن الأمر يشتمل أيضاً على المرونة المادية والقدرة على تحمل الصدمات.

والواقع أن المراكز التي تفتقر للمرونة تتسبب في خلق قدر هائل من الأضرار الجانبية عندما تفشل، ومع مرور الوقت تصبح هذه المراكز موضع تجاهل وتحل محلها مراكز بدائل أكثر مرونة.

_________________
حائز على جائزة نوبل بالاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد بكلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، وكبير زملاء معهد هووفر.

المصدر : بروجيكت سينديكيت
كلمات مفتاحية:

التعليقات