نزار بركة قال إن بلاده عرضت نحو 25 مشروعا لتمولها دول الخليج (الجزيرة نت)
 
حاوره: محمد بنكاسم-الدوحة

قال وزير الاقتصاد والمالية المغربي نزار بركة إن بلاده تسعى لتحقيق التكامل الاقتصادي مع دول مجلس التعاون الخليجي.

وأكد أن الرباط عرضت ما بين عشرين و25 مشروعا خلال الزيارة التي قام بها ملك المغرب لأربع دول خليجية قبل أيام، وذلك لتستفيد من دعم مالي خليجي بقيمة خمسة مليارات دولار خلال خمس سنوات.

وأضاف بركة -في مقابلة مع الجزيرة نت- أن هناك مجالا للتكامل الاقتصادي بين المغرب والدول الخليجية في عدة قطاعات مثل القطاع الزراعي، موضحا أنه بإمكان الدول الخليجية الوصول إلى الأسواق الأوروبية والأفريقية سواء من خلال شركات مختلطة أو استثمارات خليجية في المغرب.

وأشار الوزير إلى أن أزمة أوروبا أفقدت المغرب العام الماضي 0.4% من نمو القطاعات غير الزراعية، غير أنه ذكر بأنه رغم هذه العوامل السلبية ظل معدل نمو الاقتصاد المغربي إيجابيا، حيث ناهز متوسطه خلال السنوات الخمس الماضية 4.7%.

 قام ملك المغرب محمد السادس قبل أيام بزيارة لأربع دول خليجية بغرض تفعيل الشراكة الإستراتيجية مع دول مجلس التعاون الخليجي، ما هو مضمون هذه الشراكة على الصعيد الاقتصادي؟

للمغرب علاقات متميزة واتفاقيات للتجارة الحرة مع العديد من الأطراف والدول على رأسها الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة والدول المتوسطية، في إطار اتفاقية أكادير واتفاقية للتجارة الحرة مع الدول العربية، وقد اعتبرنا أنه حان الوقت اليوم بحكم الأزمة الاقتصادية العالمية وانعكاساتها على الاقتصاد المغربي لفتح أسواق جديدة وجلب استثمارات جديدة لبلادنا.

وفي هذا الإطار تأتي الزيارة الملكية، والتي ترمي لإرساء اتفاقية إستراتيجية مع دول الخليج، تنطلق أولا من القرار الذي اتخذه مجلس التعاون في ديسمبر/كانون الأول 2011 بمنح دعم مالي لبعض الاستثمارات التنموية في المغرب، وأيضا إعطاء المغرب ودول أخرى موقعا خاصا.

وفي هذا الإطار نريد استثمار هذه الرغبة والإرادة للتوصل إلى هذه الاتفاقية الإستراتيجية التي تقضي بتقوية العلاقات التجارية بين المغرب والدول الخليجية، ونشير هنا إلى أن حجم المبادلات مع هذه الدول لا يشكل سوى 4% إلى 5% من إجمالي المبادلات الخارجية للمغرب.

ونريد كذلك تقوية البعد الاستثماري سواء من القطاع العام أو الخاص، سيما وأن المغرب وضع قانونا جديدا للشراكة بين القطاعين، ونرغب في إشراك دول الخليج في هذه الشراكة المتعلقة بمشاريع كبرى، ونسعى لإيجاد تنسيق مع الدول الخليجية في القضايا الاقتصادية الكبرى المطروحة في المحافل الدولية والمؤسسات الدولية.

عرضتم خلال هذه الجولة مشاريع استثمارية كبرى على دول السعودية وقطر والإمارات والكويت لتستفيد من الدعم التنموي الخليجي المقرر للمغرب، ما هي أبرز هذه المشاريع؟

لقد انطلقنا من كوننا لا يمكننا أن نأتي لدول الخليج لنيل دعمها ثم نبحث بعد ذلك عن الوجهة التي ستصب فيها هذا الدعم، ولهذا شدد الملك على أن نأتي لتقديم مشاريع استثمارية جاهزة تدخل ضمن السياسات الهيكلية للمغرب ولديها أثر اقتصادي واجتماعي في الوقت نفسه.

المغرب وضع خطة لتقليص عجز الميزانية من 6% عام2011 إلى 3% بحلول 2016، ونطمح في موزانة 2013 لتقليص النسبة إلى 4.8%

وتنقسم هذه المشاريع إلى خمسة مجالات وهي المشاريع الزراعية وتستهدف تحسين المردودية الزراعية في المغرب والتركيز على إنشاء مناطق للأشجار المثمرة في بعض المناطق البورية ذات الإنتاجية الضعيفة قصد تحسين دخل المزارعين، وهناك مشاريع لترشيد استهلاك الماء وتحسين استغلال السدود من أجل تغطية مناطق الري.

وهناك مجال ثالث وهو البنيات الأساسية حيث قدمنا مشاريع لبناء طرق سريعة في مناطق نائية كالمنطقة الشرقية من أجل فك العزلة وتقليص وقت نقل البضائع من أجل تمكين تقوية الاستثمارات في تلك المناطق.

وهناك أيضا مشاريع لبناء سدود جديدة لتوفير مياه الشرب للمواطنين وتطوير مناطق الري، وكذلك ثمة مشروع بناء ميناء مهم هو الناظور الشرقية ويعد حلقة جديدة لتتكامل مع ميناء طنجة المتوسط لكي يحتل المغرب موقعا متميزا في المنطقة المتوسطية.

مشاريع أخرى تم عرضها في مجال السكن الاجتماعي ومحاربة دور الصفيح وبناء مستشفيات جامعية وكلية للطب، وينطوي تنوع المشاريع المعروضة على رغبة في تسريع وتيرة النمو وإحداث وقع إيجابي في مجال التشغيل وتحسين وتسهيل الخدمات الاجتماعية لفائدة المغاربة.

ما الشكل الذي سيتخذه الدعم التنموي الخليجي؟

في الواقع يتعلق الأمر بقرار لمجلس التعاون الخليجي تتعهد بموجبه أربع دول بتقديم هبة بقيمة خمسة مليارات دولار خلال خمس سنوات، على أساس أن يتم تدبير هذه الهبة بصفة ثنائية بين المغرب ودول الخليج بحيث يتم تحديد المشاريع الاستثمارية التي ستستفيد منها.

كم عدد هذه المشاريع؟

تتراوح بين عشرين إلى 25 مشروعا كبيرا، وهي مشاريع محددة المعالم، وسنضع أموال الدعم ضمن حساب خاص مما يتيح للدول المانحة الشقيقة تتبع مدى إنجاز الاستثمارات المقررة، وفي الوقت نفسه بحثنا خلال المشاورات مع مسؤولي الدول الخليجية الأربع تطوير الشركات الاستثمارية المختلطة مع هذه الدول ليصبح حضورها أكبر في المغرب.

وتحدثنا أيضا عن الصندوق السيادي المسمى وصال، والذي وضعه المغرب لتطوير الاستثمار في القطاع السياحي إلى جانب الوكالة المغربية لتنمية الاستثمارات، والتي تهدف لتطوير الاستثمارات المشتركة، فضلا عن جلب استثمارات جديدة.

وفي هذا الإطار تم وضع تعديلات نهائية لتوسيع الاتفاقية التي تربط المغرب وقطر لتفادي الازدواج الضريبي من أجل فتح المجال لاستثمارات عمومية وخاصة بين البلدين.

تم الحديث قبل زيارة ملك المغرب لدول الخليج عن أن الرباط ستعرض على مستثمرين خليجيين المشاركة في رأس مال شركة الخطوط الملكية المغربية في إطار خصخصة نسبة 44% من رأسمالها، فهل تقدم المغرب فعلا بهذا العرض؟

لقد وقع خلط في الخبر الذي بثته إحدى وكالات الأنباء الدولية، وذلك أنها ركزت على معطى أن حصة الدولة في رأس مال الشركة المذكورة تناهز 55% ونسيت أن 44% المتبقية هي أيضا تابعة للدولة عن طريق صندوق الحسن الثاني للتنمية، ولا وجود لأي مشروع لحد الساعة لخصخصة جزء من رأس مال شركة الخطوط الملكية المغربية، ولم يتضمن مشروع موازنة العام المقبل أي مشروع للخصخصة، والأمر يتم عن طريق البرلمان.

الدينامية التي تشهدها حاليا العلاقات الاقتصادية المغربية الخليجية هل سيتمخض عنها تأسيس شركات مختلطة جديدة بين الطرفين لتتبع المشاريع المستفيدة من الدعم الخليجي؟

المشاريع الاستثمارية المقدمة هي مشاريع الدولة المغربية ستمول من الميزانية العامة ضمن حساب خاص، وبالنسبة للشركات المختلطة فإن الدراسة المنجزة في هذا المجال أظهرت وجود مجال للتكامل الاقتصادي بين المغرب والدول الخليجية، وهناك إمكانية لتحقيق اندماج تجاري واقتصادي واستثماري أكبر، وثانيا وهو أمر مهم تحسين التنافسية للطرفين من خلال اقتحام أسواق جديدة حيث يعد المغرب أرضية للتصدير لعدة مناطق، وتتوفر البلاد على علاقات جيدة مع الاتحاد الأوروبي والدول الأفريقية، وبإمكان الدول الخليجية الوصول إلى هذه الأسواق سواء من خلال شركات مختلطة أو استثمارات خليجية في المغرب.

وما سعينا إليه هو تقديم إمكانية الحصول على مواقع أحسن على صعيد التنافسية الدولية في ظل أزمة عالمية، والتي من نتائجها إعادة توزيع خارطة الاستثمارات الدولية، ونريد أن يكون المغرب والدول الخليجية حاضرين في هذا التوزيع الجديد.

المجال الزراعي يحظى باهتمام الدول الخليجية التي تسعى جاهدة لتحقيق أمنها الغذائي، ونلاحظ أن حضور المنتجات الزراعية المغربية ضعيف في الأسواق الخليجية، فما الذي تم الاتفاق عليه في هذه الزيارة في القطاع الزراعي؟

هناك إشكالية حقيقية في هذا المجال، ولذلك تحدثت عن تكامل مغربي خليجي، فالمغرب يتوفر على إمكانيات تصديرية مهمة للمنتجات الزراعية، غير أن صادراته للدول العربية ضئيلة جدا، ودول الخليج تستورد من دول أميركا اللاتينية ودول أخرى ما يمكن استيراده من المغرب، وفي هذا الصدد جرت اجتماعات بين وزير الزراعة المغربي ونظرائه في السعودية وقطر والإمارات والكويت والأردن وأيضا بين وزراء التجارة في هذه الدول.

عرضنا ما بين عشرين و25 مشروعا كبيرا على الخليجيين لتستفيد من الدعم المالي المقرر للمغرب

وقد تم التوصل إلى ضرورة تقوية العلاقات التجارية لتمكين المزارعين المغاربة من تصدير منتجاتهم لهذه الدول، كما أن المغرب مقبل على فتح مجال للاستثمار الزراعي على مساحة تناهز أربعين ألف هكتار، وهي متاحة للمغاربة وللأجانب على حد سواء، وقد قدمنا فكرة عن الموضوع للمستثمرين الخليجيين من أجل التقدم بعروض لنيل صفقات تأجير طويلة المدى لأراض في ملكية الدولة المغربية، ويمكن للمستثمرين الخليجيين استغلال هذه الأراضي لإنتاج وتصدير منتجات زراعية إلى خارج المغرب.

ويتوقع أن يفتح مجال التقدم بالعروض الاستثمارية في غضون أسابيع، وأذكر أن هناك شركات عربية لديها استثمارات زراعية في المغرب وقد كانت حصيلة عملها إيجابية.

يستعد المغرب للبدء في الترخيص لبنوك إسلامية أو ما تسمونه بنوكا تشاركية، نريد أن نعرف هل المغرب بصدد استدراك التأخر الحاصل في هذا المجال؟ وما هي الخطوات المقررة لبدء الترخيص لهذا النوع من البنوك؟

لا يمكن الحديث عن استدراك تأخر في هذا الميدان حيث انطلق المغرب منذ سنوات في إتاحة منتجات بديلة كالمرابحة، وكانت لنا تجربة أولية لهذه المنتجات بلغت قيمة العقود المبرمة بموجبها مئات الملايين من الدراهم، وهو ما يثبت صحة وعمق هذا النوع من المنتجات، وانطلاقا من هذه التجربة المغربية خلصنا إلى الحاجة لاستثمارها والانتقال إلى مرحلة ثانية وهو ما تضمنه البرنامج الحكومي، وتتعلق بإحداث بنوك تشاركية.

وقد وضعنا مشروع قانون جديد لإحداث بنوك تشاركية وقد عرض خلال اجتماع مجلس الحكومة، وتم نشره على الموقع الإلكتروني للأمانة العامة للحكومة لتلقي ملاحظات على المشروع، وقد انتهى أجل إبداء هذه الملاحظات، وسنقدم المشروع للمناقشة والمصادقة في المجلس الحكومي قبل تقديمه للبرلمان، ونتوقع المصادقة عليه في غضون الربيع المقبل على أن يتم الترخيص لبنوك إسلامية في الخريف المقبل.

وهناك إقبال كبير على المغرب في هذا المجال وتلقينا طلبات من العديد من الدول الشقيقة ومن بنوك مرموقة دوليا، وهناك إمكانية لإقامة شراكات مع بنوك مغربية فكل شيء محتمل، والأساسي هو توفير شروط نجاح هذا الأمر حيث وضعنا قانونا متكاملا له خصوصية مغربية وهي أن لجنة الرقابة الشرعية ستكون واحدة فقط مرتبطة بالمجلس العلمي الأعلى (هيئة رسمية للعلماء).

وبالتالي فلا مجال ليكون لكل بنك إسلامي هيئة للرقابة الشرعية، وذلك أن الملك هو أمير المؤمنين الذي يتولى تدبير الشأن الديني من خلال المجلس العلمي، ما يعطي ضمانة أكبر لضمان شرعية المنتجات ونجاح هذه البنوك.

لكن تقييم تجربة المنتجات البديلة التي أطلقها المغرب قبل سنوات أبانت عن وجود معوقات أمام هذه المنتجات في الجانب التشريعي والضريبي؟

الإشكالية لم تعد قائمة في الجانب الضريبي حيث تم تجاوزها وظلت مشكلة توثيق العقود لدى إدارة التحفيظ العقاري، بحيث يتم فرض رسوم توثيق لعقود المنتجات البديلة في مرتين، وقد باشرنا بإجراء التعديلات الضرورية لتجاوز هذه الإشكالية، كما يتضمن القانون المالي إمكانية إصدار صكوك في إطار القانون، وهو ما سيقوي من الأدوات البديلة المطروحة.

كيف يتعامل المغرب مع تداعيات الأزمة الاقتصادية لأوروبا أكبر شريك تجاري له، وقد تزامن ذلك مع موسم زراعي ضعيف هذا العام وارتفاع النفقات وانخفاض الإيرادات؟

هذه الأزمة كانت لها انعكاسات على الاقتصاد الوطني حيث سجل انكماش في الاقتصادات الأوروبية، والتي يصل حجم التبادل التجاري للمغرب معها إلى نسبة 65%.

حجم المبادلات مع دول الخليج لا يشكل سوى 4% إلى 5% من إجمالي المبادلات الخارجية للمغرب

وتجلت هذه الانعكاسات من خلال ثلاث قنوات هي تراجع الطلب الخارجي الموجه للمغرب، ونتج عنه نقص وتيرة نمو الصادرات، خصوصا في قطاعات كالنسيج والإلكترونيات، وتقلص تحويلات المغاربة المقيمين في الخارج، وثالثا تراجع الإيرادات السياحية نظرا لأزمة أوروبا، كما عرف المغرب السنة الماضية تقلص الاستثمارات الخارجية التي يستقطبها.

وأشير هنا إلى أنه رغم هذه العوامل السلبية ظل معدل نمو الاقتصاد المغربي إيجابيا، حيث ناهز متوسطه خلال السنوات الخمس الماضية 4.7%، وسيصل خلال هذا العام إلى 3% أو 3.4% بحكم تراجع المحصول الزراعي، غير أن ما سجلناه هو أن نمو القطاعات غير الزراعية سجل العام الماضي بنسبة 4% و4.5% في العام الجاري، وبالتالي فقد المغرب نسبة 0.4% من نمو هذه القطاعات بسبب أزمة أوروبا.

وقد تعامل المغرب مع تداعيات هذه الأزمة من خلال تسريع وتيرة الإستراتيجية القطاعية الرامية لتنويع الصادرات، فقد انطلق مشروع رينو في المغرب لإنتاج أربعمائة ألف سيارة سنويا ما سيمكن المغرب من تصدير ما قيمته أربعة مليارات دولار في 2015، وقد حققنا في العام الجاري صادرات بقيمة تسعمائة مليون دولار في قطاع السيارات.

وفي قطاع الطيران تنشط ألف شركة في المغرب حاليا، وقد أعلنت شركة بومبارديه قبل مدة قصيرة عن مشروع استثماري في المغرب وستنطلق الأشغال فيه العام المقبل، وهو ما سيفتح مجالا جديدا للتصدير لفائدة قطاع الطيران، والذي بلغت قيمة صادراتنا فيه مليار دولار، كما أن لدينا قطاع الخدمات المُنقلة (offshoring) حيث يحتل المغرب المرتبة الأولى في مجال مراكز الاتصال
(call center) الناطقة باللغة الفرنسية، سواء من حيث التوظيف أو الإنتاج.

كما أن للمغرب مكانة كبيرة في قطاع الفوسفات ومشتقاته بحكم إنجاز البلاد استثمارات وإبرام شراكات ستمكننا من ولوج أسواق خارجية وتنويع صادراتنا من الأسمدة، ونقوم بتطوير قطاعات الزراعة والصناعة الغذائية والتحويلية وقطاع الصيد البحري.

وسيمكننا تسريع وتيرة إنجاز السياسات القطاعية ذات البعد الإستراتيجي من تحسين تنافسية الاقتصاد من خلال خفض الكلفة والتوغل في أسواق جديدة، وهو ما نقوم به في أفريقيا والدول الخليجية.

لكن ثمة مؤشرات مقلقة متعلقة بالمغرب وهي تراجع الاحتياطي من العملات الأجنبية وتفاقم العجز التجاري وعجز الميزانية لدرجة أن البعض يتوقع أن تضطر البلاد لاستخدام خط الائتمان الذي منحه لها صندوق النقد الدولي لتخفيف الأزمة الحالية؟

هي إشكالية مطروحة، حيث وصلت نسبة عجز الميزانية في 2011 إلى 6% من الناتج المحلي الإجمالي وعجز ميزان المدفوعات بنسبة 8% والاحتياطي من العملات لا يغطي سوى أربعة أشهر من الواردات، وقد وضع المغرب خطة لتقليص عجز الميزانية من 6% إلى 3% بحلول 2016، ونطمح في موزانة 2013 لتقليص النسبة إلى 4.8% مع ضمان استقرار الاحتياطي من العملات عند مستواه الحالي.

وسيتم بلوغ هذه الأهداف من خلال تقليص نفقات التسيير وترشيد النفقات من جهة، ومن جهة أخرى العمل على رفع مردودية الاستثمارات العمومية، والتي تناهز 36% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة عالية ولكن مردوديتها تراجعت بحكم أنها استثمارات في البنية التحتية، وهدفنا اليوم ضمن الخطة الموضوعة هو استكمال الاستثمارات لتقوية مردوديتها من خلال جذب استثمارات أجنبية وتسهيل الاستثمارات المحلية وتقديم الدعم لاستغلال مناطق صناعية منجزة ولكن غير مستغلة.

من المتوقع أن يصادق البرلمان المغربي على قانون للبنوك الإسلامية بحلول الربيع المقبل على أن يتم الترخيص لبنوك إسلامية في الخريف المقبل

مجال آخر هو إحداث أقطاب تنموية جهوية لإحداث فرص شغل على الصعيد الجهوي واستثمار المؤهلات الطبيعية المتوفرة، حيث انطلقنا في مشروع إنتاج الطاقة الشمسية بالاستثمار في منطقة ورزازات، وقد فازت شركة أكوا السعودية بمشروع لإقامة محطة للطاقة الشمسية هناك.

ومن مكونات الخطة أيضا إصلاح نظام الدعم الحكومي للأسعار من خلال استهداف الفئات المعوزة مع مواصلة الدعم في مستوى مقبول لا يرهق الميزانية العامة، وذلك لكي نحسن دخل الأسر المعوزة ولا نضر الطبقة المتوسطة.

وفي هذا الإطار أنشأنا صندوقا للتماسك الاجتماعي ستسهم في تمويله الشركات الأكبر ربحية والموظفون ذوو الأجور الكبيرة، وهدف الصندوق تقديم دعم مباشر للأسر الفقيرة لتمكينها من الاستفادة المجانية من الخدمات الصحية وأيضا تقديم دعم للأسر في المناطق الريفية لمحاربة التسرب المدرسي وأيضا تقديم دعم للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة.

هل تعتقدون أن اعتماد مقاربة تدريجية في إصلاح نظام دعم الأسعار هو إصلاح حقيقي لهذه الإشكالية التي تدعو المؤسسات الدولية لمعالجتها، ونجد مثلا نماذج مختلفة في العالم فمصر مثلا قررت الانطلاق مباشرة في التحول لنظام دعم يستهدف الفئات المعوزة فقط من خلال بطاقات ذكية عوض الاستهداف الشمولي؟

أرى أن المقاربة التي اعتمدها المغرب هي الأنجع، لأن القيام بإصلاح جذري أمر غير ممكن حيث سيؤدي للإضرار بالطبقة المتوسطة وتفقيرها وبالتالي ينعكس سلبا على الاستقرار الاجتماعي وعلى النمو الاقتصادي، حيث سيتقلص الاستهلاك الداخلي في ظل انخفاض الطلب الخارجي على المغرب.

وبالتالي فمن الضروري المحافظة على مستوى معين من الاستهلاك الداخلي والمحافظة على القدرة الشرائية للطبقة المتوسطة ضمن حدود معينة من دعم الأسعار، فمثلا لا يمكننا الاستمرار في دعم أسعار البترول إذا بلغت في الأسواق العالمية مائتي دولار للبرميل.

فأسطوانة الغاز تباع في المغرب حاليا بسعر أربعين درهما (4.6 دولارات) وسعرها الحقيقي دون دعم هو 130 درهما (15 دولارا) ولا يمكن أن يرتفع السعر إلى هذا المستوى دفعة واحدة لأنه سيؤثر سلبا على القدرة الشرائية.

أعلن المغرب تأجيل طرح سندات سيادية من أكتوبر/تشرين الأول الجاري إلى الشهر المقبل، وربط البعض بين التأجيل وبين الزيارة الملكية إلى دول الخليج والحديث عن دعوة مستثمرين خليجيين للمساهمة في شراء السندات، فماذا تم في هذا الصدد؟

أولا لم يقع أي تأجيل لطرح سندات للبيع، حيث كان مقررا من البداية أن يكون في نوفمبر/تشرين الثاني لأنه ينبغي أن أقوم بجولة تحضيرية لهذا الطرح، ولا يمكنني ذلك قبل تقديم مشروع قانون الموازنة، وهو ما يتم في أكتوبر/تشرين الأول، من جهة ثانية لقد تم في سبتمبر/أيلول الماضي تحديد البنوك التي ستساعدنا على بيع هذه السندات، وبالتالي يجب أن يكون هناك وقت كاف لتهيئة شروط هذا الإصدار.

ولم يتم التطرق خلال زيارتنا للدول الخليجية الأربع لموضوع طرح السندات لأن المغرب يحظى بثقة كبيرة، وخير دليل هو الحصول على خط ائتماني احتياطي من لدن صندوق النقد الدولي، حيث كنا الدولة الوحيدة التي حصلت عليه في المنطقة العربية ومنطقة شمال أفريقيا، وهو يدل على الاستقرار السياسي في المغرب ونجاعة السياسات الاقتصادية المعتمدة.

ولكن وكالة ستاندرند أند بورز خفضت تصنيف المغرب الائتماني، وقالت إنه مهدد بفقدان درجته الاستثمارية إذا لم يقلص بدرجة كبيرة عجز حسابه الجاري وعجز الميزانية؟

ليس خفضا، حيث حافظنا على الدرجة الاستثمارية، ولكن المنحنى انتقل من إيجابي إلى سلبي، وهو أمر طبيعي أن يقع هذا التغير لأن زيادة عجز الميزانية بلغت 6% وميزان المدفوعات 8%، وبالتالي قالت الوكالة بضرورة تنفيذ الإصلاحات المطلوبة.

والوكالة أشارت في تقريرها إلى أنها لا تتخوف من عدم قدرة المغرب على تنفيذ إصلاحات لخفض العجز، ولكن التخوف هو أن يحول الضغط الاجتماعي دون قيام الحكومة بتنفيذ السياسات الضرورية لتقليص العجز، بحيث ترى الوكالة أن السياسات التي يريد المغرب تطبيقها ناجعة وأن للحكومة رؤية واضحة في هذا الشأن، ولكن تخشى أن يمنعها من ذلك الضغط الاجتماعي.

ولكن تخفيض التصنيف سيرفع كلفة الاستدانة من الأسواق الدولية؟

لن يحصل ذلك لأننا سنبرهن من خلال قانون الموازنة أننا انطلقنا في تنفيذ الإصلاحات الضرورية لخفض العجز، وقد حققنا في 2012 تقليصه مقارنة بالعام الماضي، ما يدل على قدرة الحكومة على مواجهة التحديات، كما أن الدعم المالي الذي تلقيناه من النقد الدولي والبنك الدولي يبرهن على متانة اقتصاد المغرب والموقع الذي يحتله.

المصدر : الجزيرة