ترجع جذور الأزمة الأوروبية الحالية -والمتعلقة بأزمة الديون والموازنات والمتمثلة في تراجع كبير للعملة الأوروبية الموحدة- إلى أزمة هوية داخل الاتحاد الأوروبي.
 
ففي سنة 2005 رفض الدستور الأوروبي في استفتاء في بلدين هامين هما فرنسا وهولندا.
 
هذه الوضعية شكلت تحديا كبيرا لهذا الدستور من شعوب دولتين مؤسستين للمجموعة الأوروبية.
 
وتفاقمت هذه الأزمة عندما رفض الأيرلنديون أيضا هذا الدستور. هذا الرفض الذي يمكن تفسيره من خلال رغبة الأوروبيين في تصور جديد للاتحاد الأوروبي يقتصر على آليات للتعاون تحترم سيادة الدول.
 
وتعد منطقة المغرب العربي معرضة لانعكاسات الأزمات الاقتصادية والمالية الدولية نظرا لدورها مصدرا للطاقة (الجزائر) وكذلك نظرا لكونها مستوردا كبيرا وسوقا للاستهلاك مقدرة. وحتى إن كانت الانعكاسات غير مؤثرة على السوق المالية الأوروبية  نظرا لعدم ترابطها وتشابكها معها ومع الأسواق المالية الدولية، لكن آثارها الحقيقية بادية للعيان في بعض القطاعات مثل: التجارة الخارجية والسياحة وتحويلات المغاربة المقيمين بالخارج.
 
"
النمو الاقتصادي السنوي لتونس مترابط ومتزامن مع شركاء تونس التجاريين الأساسيين الأوروبيين
"
آثار أزمة اليورو على الاقتصاد التونسي
يرى صندوق النقد الدولي أن النمو الاقتصادي السنوي لتونس مترابط ومتزامن مع شركاء تونس التجاريين الأساسيين الأوروبيين، إذ يؤمن الاتحاد الأوروبي 76% من إيرادات صادرات السلع التونسية (وهو ما يمثل 47% من الناتج المحلي الإجمالي) و90% من التحويلات المالية للتونسيين المقيمين بالخارج (ما يمثل 5% من الناتج المحلي الإجمالي) و83% من إيرادات السياحة (التي تمثل 7% من الناتج المحلي الإجمالي) و73% من الاستثمارات الخارجية المباشرة.
 
إن الوضعية الاقتصادية الأوروبية في تدهور مستمر نتيجة لأزمة اليورو.
 
ونظرا لحجم التبادل الذي يتراوح بين 70% و80% فإن التراجع في قيمة اليورو لا يمكن إلا أن تكون له آثار سلبية على الاقتصاد التونسي، خصوصا على مستوى ميزان المدفوعات، لأن تخفيض عملة بلد ما تؤدي إلى ديناميكية لصادراته، والعكس يؤدي إلى كبح الصادرات.
 
وفي ظل عولمة رأس المال لا ينبغي رصد الأمور فقط من خلال الميزان التجاري، بل ينبغي أن تقيم الأمور بمنطق ميزان المدفوعات.
 
وعلى هذا الأساس فإن مخاوف تونس وآثار أزمة اليورو تأتي من هذه الزاوية، فالإيرادات التونسية من اليورو تزيد على مدفوعاتها من نفس العملة. وبالتالي فإن إيراداتها تراجعت قيمتها. ولهذه الوضعية ملازمة مقلقة هي الأخرى، تتمثل في أن لتونس ذمما ومستحقات بعملة تتراجع قيمتها من جهة وهي من جهة أخرى مدينة بعملة تزداد قيمتها وهي الدولار، فمدفوعات تونس بالدولار أكثر من إيراداتها من نفس العملة.
 
فمن الملاحظ أن سعر صرف اليورو بالدينار لا ينخفض وأن سعر الدولار مقابل الدينار التونسي في تزايد.
 
الاقتصاديون مجمعون على أن مثل هذه الحالة تدفع إلى ارتفاع في معدل التضخم، الذي انتقل من 2.5% الى 5.1%، مثل هذه الوضعية لا تؤدي إلى انتعاش الطلب الخارجي على المنتج التونسي نظرا للأزمة التي تعيشها أوروبا، السوق الأساسية للصادرات التونسية.
 
يضاف إلى ذلك أن مرونة الطلب الأوروبي ليست في مصلحة المصدرين التونسيين. وبفعل أّزمة اليورو تأثر الاقتصاد التونسي سلبيا في الوقت الذي تراجع فيه الاستثمار الخارجي بنسبة 34% وكذلك تراجعت إيرادات السياحة من العملة الصعبة بنسبة -1.9%، كما تراجعت تحويلات التونسيين المقيمين بالخارج بنسبة 7% والصادرات بـ18.3% والواردات بـ18.2% والإنتاج الصناعي الموجهة للتصدير 
بـ10.5%.
"
تراجع قيمة العملة الموحدة قد يؤدي إلى ركود اقتصادي مما يؤدي إلى تباطؤ في الطلب على النفط
"

آثار أزمة اليورو على الاقتصاد الجزائري
يمكن تناول الانعكاسات الإيجابية والسلبية لأزمة اليورو على الاقتصاد الجزائري من زوايا مختلفة، فهذا البلد مرتبط ارتباطا وثيقا بالاتحاد الأوروبي وما ينجم عن ذلك. كما يمكن أيضا تناول تراجع معدل صرف العملة الموحدة أمام الدولار الأميركي وتأثير ذلك على الاقتصاد الجزائري.
 
إن ضعف اليورو تستفيد منه الجزائر، إلا أن المحللين الماليين لبنوك الأعمال يتخوفون من آثار انتقال العدوى الأوروبية إلى الجزائر ويرون أن الأزمة المالية الأوروبية تبقى أمرا معقدا على الأقل في الأشهر القادمة. لذا تجب مراقبة تسيير المالية العمومية للجزائر كشريك للاتحاد الأوروبي بشكل دقيق، فانخفاض اليورو له انعكاسات إيجابية على المدى القصير على الاقتصاد الجزائري وعلى المبادلات التجارية، لكن يجب انتظار عدة أشهر من أجل قياس أثر انخفاض اليورو على الاقتصاد الجزائري.
 
الجزائر بلد مصدر للمحروقات إلى منطقتي اليورو والدولار، ومستورد للسلع والخدمات من أوروبا التي تمتص ثلث الصادرات الجزائرية (المقومة بالدولار). وعلى هذا الأساس يمكن القول إنه على مستوى الميزان التجاري الانعكاسات إيجابية على الاقتصاد وعلى المالية العمومية، إذ إن تراجع اليورو يعد إيجابيا للتجارة الخارجية الجزائرية نظرا لزيادة سعر البرميل (مقوما بالدولار).
 
غير أن المتابعين للشأن الاقتصادي الجزائري يرون أن المنتجات المستوردة من منطقة اليورو ينبغي أن تصبح أرخص، إلا أن الموردين والتجار والفاعلين الاقتصاديين في القطاع غير المصنف لا يعكسون هذا الانخفاض في السوق الداخلية الجزائرية، فالمواطنون الجزائريون لا يشعرون بتغيير ملموس لأسعار السلع القادمة من منطقة اليورو.
 
وبتعبير آخر إن انخفاض اليورو ينعكس إيجابيا على السوق المصنف، إلا أنه ليس كذلك بالنسبة للسوق غير المصنف.
 
فبشأن السوق المصنفة قيمة اليورو سيعلن عنها أما السوق غير المصنفة فإن السيولة المتداولة في السوق ستتراجع نظرا لتراجع العمل في صفوف الجزائريين المهاجرين لأنهم الفئة العاملة الأكثر هشاشة، وبالتالي فإن التحويلات المالية ستتراجع.
 
وإذا استمرت أزمة اليورو مدة طويلة فإن الانعكاسات على الاقتصاد الجزائري قد تكون سلبية، لأن تراجع قيمة العملة الموحدة قد يؤدي إلى ركود اقتصادي، مما يؤدي إلى تباطؤ في الطلب على النفط. ومن زاوية أخرى يعد تراجع اليورو عاملا حاسما قد يضعف البلدان الأوروبية الـ27 ويقوي موقع البلدان الصاعدة مما يمكنها من مراجعة علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي.
 
إن وضعية الجزائر الحالية معاكسة للوضعية أثناء الأزمة المالية العالمية الأخيرة (2008) التي اتسمت بتراجع قيمة الدولار وارتفاع قيمة اليورو، ففي تلك الفترة اتجه المستوردون الجزائريون إلى السلع المقومة بالدولار للاستفادة من هذه الفرصة، إلا أن مثل هذه التقلبات غير مطمئنة على التبادلات التجارية للجزائر، علما بأنها تصدر المحروقات بالدولار وتستورد  احتياجاتها باليورو.
"
تراجع قيمة اليورو يمكن أن يكون له تأثير سلبي على العجز في الميزان التجاري المغربي
"

آثار أزمة اليورو على الاقتصاد المغربي
تعد أوروبا الشريك الأساسي للمغرب، فالإحصائيات الرسمية لشهر مارس/آذار 2010 توضح أن 60% من مبادلات البضائع تتم مع دول أوروبية، في مقدمتها فرنسا وإسبانيا وأن  أكثر من 63 من الإيرادات وما يقارب 59% من النفقات مقومة باليورو، لذا فإن التدخلات التي قامت بها الدول والهيئات الأوروبية من أجل الحد من هذه الأزمة ستؤثر دون شك على اقتصاد المغرب.
 
فالاقتصاد المغربي لا يتأثر فقط بالتضخم الحاصل في منطقة اليورو ولا بمستوى معدل صرف اليورو، ولكن أيضا يتأثر بالسياسات المتعلقة بميزانيات الطلب والطلب الخارجي الموجه للاقتصاد المغربي.
 
فقرار البنك المركزي الأوروبي القاضي بشراء قروض الدول على الأسواق الثانوية للدين العمومي تشكل قطيعة مع الإستراتيجية المتبعة من طرف البنك وتقلق الأسواق المالية، إذ يأتي قرار البنك في سياق خطة أوروبية لتثبيت منطقة اليورو، تجسدت من خلال تدخلات وسياسات مكثفة.
 
إن مثل هذه التدخلات تدعو المحللين إلى توقع موجات تضخم على مستوى منطقة اليورو تنتقل عدواها إلى الشركاء الأساسيين كالمغرب من خلال الواردات، مما ينجم عنها ارتفاع للأسعار وتراجع في الطلب الموجه للاقتصاد المغربي.
 
إن انفجار الأزمة المالية والشكوك المثارة حول وضعية المالية العمومية الإسبانية والبرتغالية والأيرلندية والإيطالية تدفع إلى تراجع قيمة اليورو مقابل الدولار الأميركي.
 
ونظرا لارتباط الدرهم المغربي أكثر باليورو بنسبة 80% مقارنة مع الدولار الأميركي الذي يرتبط به بنسبة 20%، ارتفعت قيمة الدرهم المغربي مقارنة باليورو وتراجع مقارنة مع الدولار الأميركي منذ 2009.
 
كما أن استمرار تراجع قيمة اليورو يمكن أن يكون له تأثير سلبي على العجز في الميزان التجاري المغربي، فالصادرات المغربية نحو أوروبا ستتأثر قيمتها سلبا بينما تزداد قيمة الواردات المقومة بالدولار مما قد يؤدي إلى ارتفاع فاحش في فاتورة المحروقات. كما أن تراجع اليورو أمام الدولار من شأنه أن يعمق موجة التضخم على مستوى منطقة اليورو مما سينعكس على الأسعار في المغرب من خلال قناة التضخم المستورد.
 
في هذا الصدد يجدر بنا أن ننبه إلى أن القطاع الصناعي سجل خسائر صافية على مستوى التشغيل، ثم إن تطورا سلبيا للطلب الخارجي الموجه للمغرب قد يؤدي إلى زيادة البطالة، إذ انتقل معدلها من 9% إلى 13.8% في الوسط الحضري، ومثل هذه الزيادة في معدل البطالة يؤثر سلبا على الطلب الصادر من العائلات وكذلك على النمو الاقتصادي.
 
وفي مجال الاستثمارات الخارجية المباشرة، لم يحصل الاقتصاد المغربي سنة 2009 إلا على مبلغ لا يتجاوز 19 مليار درهم أي تراجعها بنسبة تزيد على 31.5% مقارنة مع 2008.
 
وقد بلغت تحويلات المغاربة المقيمين بالخارج 50.24 مليار درهم، خلال سنة 2009، أي أنها تراجعت بنسبة 5.34% مقارنة بمستواها سنة 2008. كما أن تحليل بنية تحويلات المهاجرين المغاربة بالخارج حسب الدول توضح أن فرنسا وإسبانيا وإيطاليا تشكل مصدر 68.3% من التحويلات، في الفترة بين 2005 و2008، وهي دول متضررة من الأزمة.
 
"
أزمة اليورو ترجع إلى عدم احترام بعض معايير التقارب التي نصت عليها معاهدة ماسترخت
"
يضاف إلى ذلك أن منطقة اليورو تشهد ارتفاعا لنسبة للبطالة وصل إلى 10% في مارس/آذار 2010 وعندما تكون فرنسا وإيطاليا قد تمكنتا من الاحتفاظ بمعدلات البطالة في حدود 10.1% و8.8% على التوالي في مارس/آذار فإن الوضع متفجر في إسبانيا، حيث بلغ معدل البطالة 19.1%. هذا المعدل يصل بالنسبة للأجانب غير الأوروبيين نسبة 38% ويعد المهاجرون المغاربة الفئة الأكثر تضررا.
 
أما بقية البلدان العربية فلا يمكن التعميم، إذ نرى من اللازم دراسة كل بلد على حدة، وهذا لا يتسع له المقام.
 
فموريتانيا وليبيا وبقية البلدان العربية الأخرى من المتوقع أن تتأثر بعدد من الانعكاسات تتعلق بأزمة اليورو الحالية، وذلك تبعا لدرجة الانفتاح الاقتصادي.
 
هذه الانعكاسات يمكن تقييمها من زوايا تتعلق بالنمو الاقتصادي وتطور الأسعار وقطاعات التصدير وعلى المساعدات الحكومية  للتنمية والاستثمارات الخارجية المباشرة وكذلك القطاع البنكي.
 
ونخلص إلى القول إن أسباب أزمة اليورو ترجع إلى عدم احترام بعض معايير التقارب التي نصت عليها معاهدة ماسترخت، إذ ينص معيار العجز المالي الحكومي على حصره في حدود 3% من الناتج المحلي الإجمالي. كما لم يتم احترام المعيار المتعلق بالدين العمومي والذي ينص على تقليص المديونية العمومية المحلية إلى حد أقصاه 60% من الناتج المحلي الخام كشرط للانضمام إلى الاتحاد الاقتصادي والنقدي.
 
ويمكن القول إن الاستنتاج الأولي الذي يتبادر للذهن هو مزدوج، حيث تنقسم منطقة اليورو إلى مجموعتين لا يمكن توحيدهما على أساس معايير اقتصادية واجتماعية ومالية مشتركة.
 
 تضم المجموعة الأولى: اليونان وإسبانيا والبرتغال وإيطاليا وأيرلندا ومن المحتمل في المستقبل أن تلحق بها فرنسا، وتضم المجموعة الثانية بقية دول منطقة اليورو.
 
وستؤثر الأزمة الحالية بقوة على البلدان الأوروبية الأكثر هشاشة، وستؤثر شيئا فشيئا على بقية الدول وعلى الشركاء الاقتصاديين العرب ما لم تحل المشكلات الجوهرية لليونان وإسبانيا والبرتغال وأيرلندا وإيطاليا. 
_______________
كاتب موريتاني

المصدر : الجزيرة