الاقتصاد المصري.. اختبار نجاح الثورة
آخر تحديث: 2011/7/6 الساعة 11:51 (مكة المكرمة) الموافق 1432/8/6 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/7/6 الساعة 11:51 (مكة المكرمة) الموافق 1432/8/6 هـ

الاقتصاد المصري.. اختبار نجاح الثورة

المصريون يأملون أن تحقق لهم الثورة شروط الحياة الكريمة (رويترز)


لقاء مكي-القاهرة

 

يرجع المصريون جانبا مهما من أسباب ثورة يناير إلى الخلل الاقتصادي الجسيم الذي زاد من رقعة الفقر في مصر وزاد الأغنياء غنى.

 

ومع نسبة فقر تتوزع على أكثر من 40% من السكان، وحجم فساد تسبب في إهدار نحو 6.4 مليارات دولار كل عام، ومع تعاظم ثروات طبقة محددة من المنتفعين والمرتبطين بالسلطة السابقة، وانحسار الطبقة الوسطى وطرد الكفاءات الوطنية، كان الوضع الاقتصادي العام في مصر قد بات يفرض ضغوطا قاسية على الفئات الغالبة من المصريين، وجدت صداها في المشاركة الواسعة في الثورة وفي تأييدها.

 

لكن هذه الفئة الغالبة من الفقراء باتت بعد الثورة تتساءل عن المكاسب التي ستحققها من الثورة، وعن الوقت الذي يتوجب أن تنتظره كي تحظى بمتغيرات حقيقية توفر لها الحد الأدنى من الحياة الكريمة التي لا تتوفر للكثيرين في مصر.

 

ولا تشير الموازنة العامة الجديدة التي تم إقرارها قبل أيام إلى متغيرات جدية لصالح الفقراء، رغم أنها زادت الحد الأدنى للأجور لتصل إلى 684 جنيها شهريا (114 دولارا)، وهو مبلغ يعادل نحو نصف الحد الأدنى المطلوب وهو 1200 جنيه (200 دولار) الذي قال المسؤولون إن بلوغه قد يستغرق خمس سنوات.

 

لكن من الواضح أن ضغوط الموازنة، وأبرزها الديون والعجز، تمنع المضي فورا إلى أبعد من ذلك كما تشير تصريحات رسمية مختلفة، لا سيما وأن حجم الخراب ومخلفات الفساد في مصر لا يمكن معالجتها خلال بضعة شهور فقط.

 

عبد الخالق فاروق: الفساد في ظل النظام السابق أخضع الاقتصاد المصري
لضغوط العجز والديون (الجزيرة)
آثار الفساد

وموضوع الفساد هذا يفرض نفسه بقوة على أي محاولة للإصلاح والبناء، فكما يؤكد الأكاديمي والباحث الاقتصادي الدكتور عبد الخالق فاروق في كتابه "اقتصادات الفساد في مصر"، فإن الفساد اتخذ خلال عهد حسني مبارك طابعا مؤسسيا، وتحول إلى عملية إفساد مجتمعي واسعة النطاق، وممارسة نمطية تحميها قوانين وقرارات جمهورية.

 

وكل ذلك تسبب بالطبع في تكريس سياسة الإفقار للطبقات المحدودة الدخل، وأخضع اقتصاد البلاد لضغوط العجز والديون.

 

ويقول فاروق للجزيرة نت إن الاقتصاد المصري وصل بالفعل إلى حالة الخطر، فالدين المحلي الذي أصبح لغما ضخما ارتفع من 4.1 مليارات جنيه عام 1980 (وهو ما كان يعادل نحو 5 مليار دولار بسعر الجنيه في ذلك العام ) إلى 888 مليار جنيه (149 مليار دولار) عام 2011، أما الدين الخارجي فارتفع من 25 مليار دولار عام 1980 ليتضاعف إلى 50 مليار دولار عام 2003.

 

وفضلا عن ذلك، يضيف فاروق، فإن القدرات الصناعية والزراعية تآكلت بنسب كبيرة، الأمر الذي أرغم الدولة على استيراد المواد الأساسية من الغذاء، فتشكلت مافيات القمح والذرة واللحوم وسواها من قبل أركان النظام أو مريديه الذين حققوا أرباحا ضخمة جدا، على حساب ميزان المدفوعات والميزان التجاري فتزايد العجز وظلت الدولة تحت رحمة الديون.

 

وحتى الثروات الطبيعية مثل الغاز الذي كان ينبغي أن يسهم في تقليص العجز، فقد جرى منح امتيازه لقوة مرتبطة بمبارك من خلال حسين سالم الذي باعه بثلث سعره العالمي لإسرائيل فخسرت مصر ما يعادل 25 مليار دولار.

 

وشمل الخراب بالطبع القطاع المصرفي الذي منح مجموعة لا تزيد عن خمسين شخصا 45% من التسهيلات الائتمانية البالغة 450 مليار جنيه
(75.5 مليار دولار)، إلى جانب ما تعرضت له السياحة وقطاع التصدير وغير ذلك.

 

"
من المهم الآن ضخ استثمارات في شركات القطاع العام التي لم تشملها الخصخصة بانتظار إعادة الشركات المبيعة مثل شركة الدخيلة، من غير الحاجة إلى تطبيق فكرة التأميم
"
صورة المستقبل

ورغم هذه الصورة القاتمة والخراب المستشري في بنية الاقتصاد ومؤسساته، فإن فاروق لا يبدو متشائما، فهو يقول إن المستقبل واعد، لكنه بحاجة إلى حكومة لها رؤية لإدارة المشروع التنموي بشكل مختلف، من بين عناصره تنشيط السياحة بالاعتماد على جاذبية الثورة المصرية وما حظيت به من احترام دولي، وإبطال عقود بيع مؤسسات القطاع العام من خلال القضاء.

 

وفي هذا الخصوص يقول إن 194 شركة عامة بيعت في إطار الخصخصة من أصل 338، ويشير إلى أن من المهم الآن ضخ استثمارات في الشركات المتبقية بانتظار إعادة الشركات المبيعة مثل شركة الدخيلة، من غير الحاجة إلى تطبيق فكرة التأميم. ويرافق ذلك مراجعة قوانين الضرائب التي كانت تسمح باستشراء الفساد وتحرم الدولة من أموال ضخمة.

 

ولكن يبقى سؤال ملايين المصريين عن الزمن الذي يتوجب عليهم انتظاره حتى يمكن أن يشهدوا أثر الثورة على حياتهم اليومية ونمط معيشتهم، قبل أن تتحول الحماسة إلى إحباط، والتأييد إلى غضب.

 

هنا يتوقع فاروق أن يستغرق الأمر في حال وجود برنامج اقتصادي سليم وإدارة كفء وبالطبع مناخ سياسي وأمني مناسب، نحو ثلاث سنوات فقط لإصلاح الاقتصاد، بل إنه يمضي في تفاؤله إلى أبعد من ذلك بالقول إن الآثار الاقتصادية على حياة الناس يمكن أن تبدأ بالظهور خلال سنة واحدة فقط.

 

وانتظار سنة واحدة ليس بالكثير على شعب مصري صبور بطبعه، لكنك حينما تحاور المصريين العاديين لن تجد فرصا كبيرة للانتظار وقتا أطول من ذلك، فالفقر قاس ومؤلم، والمصريون تعلموا بعد يناير أن الصمت على الظلم الاجتماعي وسوء توزيع الثروة لم يعد ممكنا أو مقبولا.

المصدر : الجزيرة

التعليقات