المساعدات الغربية لعلاج الثورات العربية
آخر تحديث: 2011/6/8 الساعة 15:25 (مكة المكرمة) الموافق 1432/7/8 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2011/6/8 الساعة 15:25 (مكة المكرمة) الموافق 1432/7/8 هـ

المساعدات الغربية لعلاج الثورات العربية

 

 

 

                                                       بشير مصيطفى 


 المساعدات تحمي مصالح الرأسمالية

أوروبا تتدخل عربيا من أجل الطاقة

الاستثمار في الحرب

                                                     

في عالم عربي متحول لا يمكن الحديث عن التجارة والتنمية دون الحديث عن القضايا الجيوسياسية، هذا ما قاله وزير الدولة الفرنسي المكلف بالتجارة بيار لولوش عند اختتام زيارة وفد الأعمال الفرنسي إلى الجزائر في الأسبوع الأول من يونيو/ حزيران الجاري.

 

وقبل ذلك أعلنت مجموعة الثماني في اجتماعها الأخير بفرنسا الشهر الماضي عن مخصصات قيمتها 20 مليار دولار لفائدة الدول العربية التي تشهد حراكا شعبيا لأجل التغيير. 

 

وقبلها، في شهر فبراير/ شباط  طلب البنك الأوروبي للاستثمار وهو مؤسسة مالية دولية تابعة للاتحاد الأوروبي من دول الاتحاد الموافقة على تخصيص مبلغ إضافي قدره 2.2 مليار يورو لتمويل مشاريع محددة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا "مينا".

وبذلك يكون البنك قد برمج محفظة للتمويل تقدر بستة مليارات يورو للفترة من 2011 إلى 2013 ، وتخص دولا تشهد تحولات سياسية لافتة مثل تونس ومصر، ودولا أخرى في طريق الإصلاح الاقتصادي مثل  الجزائر والمغرب والأردن وسوريا ولبنان. ولم تتأكد بعد حصة كل دولة من البرنامج المذكور في انتظار ما ستسفر عنه عملية تقييم حاجات كل دولة.

 

فماذا يعني أن تهتم الهيئات الصناعية والمالية الكبرى في العالم بأوضاع منطقة تشهد حراكا شعبيا وثوريا واسع النطاق؟ وهل يأتي ذلك في سياق مسعى جديد للغرب الرأسمالي ضمن فضاء المتوسط؟ وما مقدار الربح والخسارة والمصلحة لأطراف العملية التي تبدو في ظاهرها عملية تنموية واقتصادية؟

 

 

المساعدات تحمي مصالح الرأسمالية

ليس جديدا أن يستثمر البنك الأوروبي للاستثمار في جنوب المتوسط. فقد نفذ في المنطقة برنامجا بحجم  2.6 مليار يورو العام 2010 ، وفي برنامجه للسنتين المقبلتين والعام الحالي 3.8 مليارات يورو.

 

وأغلب تلك الاعتمادات كانت موجهة لمشاريع الطاقات المتجددة ولأجندة قمة الأرض في كوبنهاغن بخصوص رعاية البيئة وأهداف الاتحاد الأوروبي الخارجية.

 

ولكن مؤخرا جرى تحول لافت في توجهات البنك حيث بات يركز على المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وعلى جهود التحول الديمقراطي ودعم البنى القاعدية ذات العلاقة بالتنمية المستدامة وتوفير الخدمات الأساسية للسكان.

 

وعلى الرغم من تواضع حصة التمويلات الخارجية  في إجمالي تمويلات البنك والتي تصل إلى نسبة 12% في 2010 إلا أن ثلثي تلك التمويلات تصب في المنطقة المذكورة، مما يعني أنها هدفا إستراتيجيا للاتحاد الأوروبي كما هي كذلك في منظور الاتحاد من أجل المتوسط.

 

"
ليس جديدا أن تهتم مجموعة الثماني بالمساعدات السخية نحو الدول الأقل نموا وبعض الدول العربية دون أن يعني ذلك التزاما بالضرورة إلا في حدود المصلحة
"

وليس جديدا أن تهتم مجموعة الثماني بالمساعدات السخية نحو الدول الأقل نموا وبعض الدول العربية دون أن يعني ذلك التزاما بالضرورة إلا في حدود المصلحة، كما حدث مع مصر خلال نظام حكم حسني مبارك، حيث أكد تقرير أعده مكتب الإنفاق الحكومي بالكونغرس الأميركي نشر أواخر 2007 بأن الولايات المتحدة الأميركية قدمت لمصر ومنذ العام 1979 مساعدات بقيمة 34 مليار دولار تتوزع على الهدفين العسكري والاقتصادي، وأن واشنطن قامت بشطب جميع ديون مصر السابقة للعام 1989.  

 

ومع مطلع العام 2000 شرعت واشنطن في دعم النظام في مصر بالمنح غير المشروطة في مقابل وقف إمداد الفلسطينيين بالسلاح وإغلاق المعابر نحو غزة والتمكين للشركات الأميركية.            

 

وفي واقع الأمر, تمثل منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا سوقا مهمة للأقطاب الرأسمالية المتحالفة داخل مجموعة الثماني من جانبين: الأول تزايد الطلب على الاستيراد بسبب ارتفاع العائدات من تسويق النفط، وتحول السياسات الاقتصادية فيها إلى جانب التدخل الحكومي.

والثاني أنها دول مرشحة لأن تلعب دورا محوريا في مشروع ديزرتك للطاقات النظيفة، م
ما يعني طلبا إضافيا على مشروعات الطاقات المتجددة حيث باشرت كل من المغرب والجزائر برنامجا طموحا للطاقات المتجددة من خلال تشريع جديد في الرباط واستثمارات بالشراكة في الجزائر مع كل من ألمانيا وبريطانيا وفرنسا. 

وبالتالي فإن أي اضطراب سياسي أو اجتماعي في المنطقة من النوع الذي تعبر عنه حركة الثورات العربية التي تشهدها المنطقة قد يرهن مشاريع أوروبا الصديقة للبيئة أو يؤخرها.

 

أما في كل من تونس ومصر فإن تراجع النمو تحت ضغط التحولات الجارية وانعكاسات الثورة على الواقعين الصناعي والسياحي سيكلف دول الاتحاد الشريكة معها خسائر إضافية على مستوى الاستثمار الجزئي للشركات الأوروبية وربما يفقدها موقعها التنافسي أمام الولايات المتحدة التي أبدت استعدادها لدعم التحول الديمقراطي في تلك البلدان.

 

وذات الشيء يقال بالنسبة للبنان الذي يشهد حاليا حراكا سياسيا وأمنيا على خلفية ملف اغتيال الحريري والموقف من الثورة السورية والتحركات الشعبية على الحدود مع فلسطين المحتلة وما قد يتأتى عن ذلك من تداعيات على حليف إستراتيجي لأميركا في منطقة الشرق الأوسط، أي إسرائيل.

 

من مصلحة مجموعة الثماني الحفاظ على مستوى للنمو في المنطقة حول نقطة 3% بما يسمح باستقرار الطلب الداخلي واستمرار تدفق الاستثمار الأجنبي المباشر وتوفير فرص العمل للشباب بدل الاستمرار في سياسات مكافحة الهجرة السرية وتمويل برامج الإدماج في الداخل الأوروبي.

 

وفي الدول العربية الأفريقية الغنية بالنفط يتعلق الأمر باستمرار الاستثمار في الاستكشاف وتطوير حقول جديدة للذهب الأسود تماشيا مع الخطة الأميركية التي تعول على النفط الأفريقي في تمويل احتياجاتها من الطاقة بنسبة تصل إلى 20% من إجمالي وارداتها النفطية بحلول عام 2015 بحسب ما أعلنته إدارة شؤون الطاقة في الإدارة الأميركية.

إستراتيجية تثير نقاط تماس مع الهدف الأوروبي المعلن في العملية العسكرية الليبية أي المحافظة على موقع كل من باريس وروما داخل حلف الناتو، من جهة، واستمرار
الهيمنة على السوق المغاربية التي باتت تشهد منافسة جديدة تقودها الشركات الأميركية ضمن مبادرة الفرص الجديد للشراكة مع الشمال الأفريقي -نابيو- والتي أعلن عنها بالجزائر في ديسمبر/ كانون الأول 2010 من جهة ثانية.

 

أوروبا تتدخل عربيا من أجل الطاقة

تشكو منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من بطالة مقنعة سببها سوء التخطيط لسوق العمل مما خفض من معدل الأجر الحقيقي للعاملين، وزاد من عبء التحولات الاجتماعية على حساب الاستثمارات في المؤسسة المنتجة. ونفس المنطقة تشكو من وضع ديمقراطي هش سببه استمرار الحكم المبني على العائلة أو القبيلة أو الشخص.

 

"
من الأنجع أوروبيا تجنب سيناريو الانفجار لصالح التحول السلمي للأنظمة ومرافقة الأنظمة الجديدة التي تكون دائما في حاجة لعوامل الاستقرار
"

وفي كل الحالات فإن انتقال الثورة من حيز اللاوعي إلى منطقة الوعي تحت ضغط العوامل الاجتماعية سيربك مراكز صناعة القرار الاقتصادي في الدول الأوروبية  التي تعتبر الشريك الرئيس لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وربما يؤدي ذلك إلى انسحاب الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتأثير على إمدادات النفط والغاز.

 

وكلنا يذكر ماذا حدث في الداخل الأوروبي جراء الإرباك الذي أحدثه توقف الإمدادات من الغاز من روسيا العام 2008، وأيضا كيف قفزت أسعار النفط إلى عتبة 112 دولارا للبرميل خلال الساعات الأولى من بدء التحول في المشهد الليبي. ارتدادات تعني بشكل مباشر الإنفاق على الطاقة في أوروبا

من الجانبين معا: الإنفاق الاستهلاكي والإنفاق الاستثماري.

 

وهناك ترابط قوي ومباشر بين الأوضاع السياسية في جنوب المتوسط وأداء الاقتصاد على صعيد الأسواق كلها بسبب الترابط الشديد بين القرارين السياسي والاقتصادي، ويكون من الأنجع أوروبيا تجنب سيناريو الانفجار لصالح التحول السلمي للأنظمة ومرافقة الأنظمة الجديدة التي تكون دائما في حاجة لعوامل الاستقرار وعلى رأسها التمويلات اللازمة لتلبية مطالب السكان على المديين القصير والمتوسط.

 

تلك هي الرؤية الأوروبية  في اتجاه ضمان مصالحها في المنطقة والحد من موجات الهجرة إليها من دول الجنوب.

 

أما دول الجنوب نفسها فيبدو أنها مازالت حبيسة مواضيع تجاوزتها أوروبا بأشواط أي مواضيع  الحريات، المشاركة السياسية، الديمقراطية الكاملة، حقوق الإنسان، حق الرأي.

 

 فهل تستفيد تلك الدول من الخلفية التي أقامت عليها مجموعة الثماني قرارها بتمويل التنمية في الدول العربية الثائرة على حكامها؟

 

 الاستثمار في الحرب

لا يمكن تفسير الاستباق الفرنسي للميدان الليبي بمهمة الثورة وحدها وإلا تحركت في إطار إجماع دولي لم يتحقق حتى الساعة, ولا تفسير الموقف الأميركي المحتشم في دعم الثورة بموقف الإدارة الأميركية الداعم دوما لنظام القذافي، وإلا ساعدت على حسم الصراع في لحظاته الأولى كما تفعل دائما في عمقها الإستراتيجي.

 

ولا يمكن تفسير المساعدات التي أقرتها مجموعة الثماني لصالح الدول العربية الثائرة وقبلها المساعدات التي أوصى بها البنك الأوروبي للاستثمار لذات الدول بمساعدات اقتصادية حقيقية وإلا حققت الدول الصناعية الكبرى في الأموال المهربة اليها وأفرجت عما يتجاوز التريليون دولار كأصول وأموال مودعة لديها باسم الشخصيات العربية الحاكمة في الوقت الذي كانت فيه تلك الدول بحاجة إلى رؤوس الأموال لأجل التنمية.

 

ولكن صحيفة عريقة في مستوى لو موند ديبلوماتيك كانت نشرت في فبراير/ شباط 1992 مقالا لافتا للكاتب قاي قايرو يقول فيه إن على فرنسا تقوية دورها في الدول المتوسطية وإن مستقبل باريس موجود في تلك الدول.

 

ويفهم من ذلك أن مسار الاتحاد الأوروبي لا يكفي وحده لتأمين مصالح باريس الإستراتيجية في الاقتصاد والأمن والثقافة بل الحاجة شديدة إلى الدول المطلة على المتوسط التي تشكل أسواقا حقيقية للدول الأوروبية المنتجة للسلع والخدمات والتي خرجت من الأزمة المالية العالمية 2008  بشركات كبرى مفلسة وجيوش من العاطلين عن العمل في كل من اليونان وإسبانيا وإيرلندا والبرتغال.

 

في نفس السياق نشر كلود ليوزو عام 1994 كتابا عنوانه أوروبا وأفريقيا المتوسطيتان، يجسد الرؤية الأوروبية للدول المطلة على المتوسط.

 

وفي الرؤية خلاصة الهيمنة الأوروبية على تلك الدول في إطار ما يعرف باليورومتوسطية. وهو ما يفسر سلوك الحلف الأطلسي من الجانب الأوروبي وتقاعس الموقف الأميركي في دعم الثورة في ليبيا.

 

"
ستحصد الدول الصناعية الكبرى من خلال مشهد الثورات العربية فرصا ثمينة لصالح شركاتها
"

وفي العام 1915 وردت على لسان المرجع البارز إيميل دوركايم مقولة شهيرة وهي: إذا كان نهر السين يفصل بين باريس الشمالية وباريس الجنوبية فإن البحر المتوسط يفصل بين فرنسا الشمالية وفرنسا الجنوبية.

 

 ولكن مع تدشين مسار الشراكة اليورومتوسطية في مؤتمر برشلونة العام  1995 أصبحت الدول الرأسمالية تفكر بمنطق أوروبا

 شمال المتوسط وأوروبا جنوب المتوسط.

 

ستحصد الدول الصناعية الكبرى من خلال مشهد الثورات العربية  فرصا ثمينة لصالح شركاتها التي عليها مهمة إعمار ما خربته الحرب  بتسهيل عمليات تمويل الإعمار عن طريق القرض والمساعدات.

 

وكلما طالت الحرب وعمليات نسف المنشآت والبنى التحتية في الدول العربية الثائرة زادت أرباح الإعمار، وهو ما يفسر إعلان حلف الناتو تمديد عملياته في ليبيا إلى سبتمبر/ أيلول القادم وعدم الحسم الفرنسي في ملف النزاع الليبي عكس ما فعلته في حالة كوت ديفوار.

 

وستقايض أميركا موقفها الوسط بين أطراف الصراع العربي بتأمين شحنات إضافية من النفط لدعم خطة الإدارة الأميركية في التزود بالطاقة كما فعلت في العراق وتحاول أن تفعل في منطقة أبيي بالسودان.

 

أما العرب والمسلمون فسيحصدون تفكيرا مشتتا ومتفككا بين خطط الغرب في الهيمنة على مواردهم الطبيعية وطبيعة أنظمتهم الحاكمة التي ترفض أي تنازل عن الحكم إلا على وقع التدخل الأجنبي أو الضغط الأممي أو الثورة الشعبية ولو على أنقاض آلاف الضحايا ومئات المليارات من الدولارات كاستثمارات للإعمار تصب في خزائن الدول الصناعية الكبرى وحدها. 
_______________
أكاديمي جزائري 

المصدر : الجزيرة

التعليقات