يمثل إنتاج وتصدير النفط العماد الرئيسي للاقتصاد الليبي منذ بدء الإنتاج عام 1961، ومثلت قيمة الصادرات النفطية نسبة 96% من مجمل قيمة الصادرات السلعية الليبية في العام الماضي. كما حققت الإيرادات النفطية نسبة 88.6% من إجمالي إيرادات الموازنة.
 
واستحوذ قطاع النفط على نسبة 55% من الناتج المحلي الإجمالي، وساهم في استيعاب جانب من العمالة سواء في عملية الإنتاج والتصدير أو في صناعات المشتقات البتروكيماوية المرتبطة به، وإن كانت نسبتها قليلة.
 
"
تتزايد أهمية مكانة ليبيا على خريطة النفط الدولية بوجود 46.4 مليار برميل بها كاحتياطيات مؤكدة، مما أهلها لاحتلال المركز الثامن دوليا في حجم احتياطيات الخام وبنسبة 4.4% من الاحتياطيات الدولية
"
إنتاج ليبيا النفطي
وحسب بيانات منظمة الدول المصدرة للنفط (أوبك)، بلغ حجم إنتاج ليبيا من الخام في العام الماضي 1.474 مليون برميل يوميا لتحتل المركز الخامس عشر دوليا.
 
ويصل نصيبها من إنتاج النفط الخام على مستوى العالم إلى 2.1%، إضافة إلى إنتاج 350 ألف برميل يوميا من المشتقات البترولية.
 
وتم استهلاك 271 ألف برميل من النفط الخام محليا رغم بلوغ طاقات التكرير المحلية 380 ألف برميل يوميا, مما يشير إلى بلوغ نسبة الاستفادة من الطاقات المتاحة للتكرير 71% فقط.
 
وأتاح استهلاك نحو 18% من إنتاج الخام محليا وجود كميات كبيرة متاحة للتصدير بلغت 1.170 مليون برميل يوميا من الخام، مما أتاح لليبيا احتلال المركز الثالث عشر دوليا في تصدير الخام بنسبة 2.2% من الصادرات الدولية، إضافة إلى تصدير 136 ألف برميل يوميا من  المشتقات البترولية.
 
ورغم تصدير عدد من أنواع المشتقات البترولية مثل الكيروسين فإن هناك نقصا في إنتاج بعض الأنواع الأخرى.
 
وتتزايد أهمية مكانة ليبيا على خريطة النفط الدولية بوجود 46.4 مليار برميل بها كاحتياطيات مؤكدة، مما أهلها لاحتلال المركز الثامن دوليا في حجم احتياطيات الخام وبنسبة 4.4% من الاحتياطيات الدولية.
 
وتتيح تلك الاحتياطيات استمرار نفس معدلات الإنتاج لمدة 73 عاما، مع الأخذ في الاعتبار وجود اكتشافات جديدة تزيد من ذلك الاحتياطي حتى العام الماضي، وفي نفس الوقت وجود خطة لزيادة حجم الإنتاج من خلال اتفاقات عديدة مع الشركات الأجنبية، سواء من روسيا وإنجلترا أو من ألمانيا والنرويج وإسبانيا وغيرها.
 
وتشير خريطة محطات وصول النفط الليبي خلال العام الماضي إلى استحواذ القارة الأوروبية على نسبة 79% من الصادرات بسبب القرب الجغرافي والعلاقات التاريخية التجارية والاستعمارية وجودة أنواع الخام الليبي قليل المحتوى الكربوني مما يسهل عمليات تكريره، في حين كان نصيب القارة الآسيوية 14%، والباقي بين أميركا اللاتينية والقارة الأفريقية.
 
ويتضمن التوزيع النسبي للصادرات النفطية حسب الدول استحواذ إيطاليا على 32%، تليها ألمانيا بنسبة 14%، والصين وفرنسا بنسبة 10% لكلتيهما، وإسبانيا (9%) والولايات المتحدة (5%) والبرازيل (3%) وباقي الدول الأوروبية (13%) وباقي المنطقة الآسيوية (4%).
 
وتحتفظ المؤسسة الوطنية للنفط بنسب ملكية في رؤوس أموال الشركات البترولية العاملة في ليبيا تتراوح بين 50% إلى الملكية الكاملة كما هو الحال في شركتي الخليج العربي وسرت.
 
وتوزع الإنتاج البترولي الليبي خلال العام الماضي على نحو عشر شركات كانت أكبرها شركة الواحة بنسبة 25% من الكميات المنتجة. ومنها شركتا ريبسول الإسبانية (17%) وإيني الإيطالية (16%).
 
كما توجد شركات أخرى ما زالت في دور التنقيب والاستكشاف، منها بريتش بتروليوم البريطانية وشل البريطانية الهولندية وغاز بروم الروسية وإكسون موبيل الأميركية وأوكسدنتال بتروليوم الأميركية وكونوكو فيليبس وهيس كورب وماراثون أويل.
 
"
تشير كميات التصدير الليبية إلى إمكانية تعويض الدول المستوردة لها لتلك الكميات
"
تعويض صادرات ليبيا
وتشير كميات التصدير الليبية إلى إمكانية تعويض الدول المستوردة لها لتلك الكميات، خاصة أنها لا تمثل نسبا ضخمة من وارداتها ما عدا إيطاليا، حيث توجد فوائض إنتاج في السعودية تتراوح بين 3.5 و4 ملايين برميل يوميا، وبدول الإمارات وقطر والكويت معا نحو مليون برميل، وهي الفوائض المرتبطة بالخفض الطوعي لدول أوبك لإنتاجها بنحو 4.2 ملايين برميل يوميا منذ بداية عام 2009 وحتى الآن.
 
ورغم عدم الالتزام الدقيق من قبل دول أوبك بتلك التخفيضات فإن إنتاجها هبط من 32.032 مليون برميل يوميا عام 2008 إلى 28.927 مليونا عام 2009، مسجلا نقصا يصل إلى 3.148 ملايين منها 248 ألف برميل تخص نقص الإنتاج الليبي.
 
وهذا يعني نقصا طوعيا في إنتاج دول أوبك -ما عدا ليبيا- بمقدار 2.9 مليون برميل يوميا أي ما يمثل ضعفي الإنتاج الليبي، مما يعني سهولة تعويض دول أوبك نقص البترول الليبي حتى في حال توقفه التام.
 
وقد استوردت ايطاليا 1.911 مليون برميل يوميا خلال العام الماضي منها 374 ألفا من الخام الليبي، بما يمثل نسبة أقل من 20% من إجمالي الواردات النفطية الإيطالية. ولهذا بدأت شركات إيطالية في التفاهم مع دول أخرى لتعويض النفط الليبي مثل السعودية ودول خليجية منها إيران.
 
أما ألمانيا التي تحتل المركز الثاني في قائمة صادرات البترول الليبي فلا تمثل وارداتها من النفط الليبي البالغة 164 ألف برميل من الخام سوى أقل من 6% من مجمل وارداتها البالغة 2.862 مليون برميل يوميا.
 
ونفس النسبة للبترول الليبي من واردات إسبانيا البترولية. كما كان نصيب النفط الليبي نحو 5% من واردات فرنسا النفطية، وأقل من 3% من واردات الصين النفطية، ونحو 0.5% فقط من الواردات النفطية الأميركية.
 
إنتاج ليبيا من الغاز
أما إنتاج وصادرات ليبيا من الغاز الطبيعي فليس لها التأثير والانتشار الدولي، حيث لا تصدر الغاز إلا لدولتين فقط هما إيطاليا وإسبانيا، كما يتراجع موقعها الدولي في إنتاج الغاز إلى المركز الـ33، وفي كميات تصديره إلى المركز العشرين دوليا، وفي احتياطياته إلى المركز الـ23 وبنسبة 8% من الاحتياطيات الدولية.
 
وفي العام الماضي بلغ الإنتاج الليبي 15.9 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، تم استهلاك نحو الثلث محليا وتصدير نحو 9.890 مليارات متر مكعب منها.
 
وحصلت إيطاليا منها على نحو 93% من الإجمالي عبر خط أنابيب غرين ستريم الذي يرتبط بإيطاليا، وباقي الكمية تم تصديرها إلى إسبانيا من خلال الناقلات.
 
ورغم حصول إيطاليا على النصيب الأكبر من صادرات الغاز الليبي فإن تلك الكمية لم تمثل بالنسبة لواردات إيطاليا من الغاز سوى نسبة 13% من إجمالي وارداتها من الغاز الطبيعي من بين تسع دول تستورد منها الغاز تتصدرها الجزائر وروسيا. ولهذا فقد شرعت إيطاليا في الاتفاق مع شركة روسية لتعويض النقص من الغاز الليبي.
 
أما إسبانيا فلم تمثل وارداتها من الغاز الليبي سوى نسبة 2% من وارداتها من الغاز الطبيعي الذي تستورده من 11 دولة تتصدرها الجزائر ونيجيريا، الأمر الذي يشير إلى محدودية التأثير الليبي في سوق الغاز الطبيعي الدولية الذي تتجه أسعاره أصلا إلى التراجع بسبب زيادة المعروض.
 
"
احتلت ليبيا المركز الثالث في نسبة الفائض بالموازنة عربيا بعد قطر والكويت خلال العام الماضي
"
النفط بميزان المدفوعات
وبالنظر إلى تأثير النفط على ميزان المدفوعات الليبي فإن الحجم الكبير لقيمة الصادرات النفطية يعد السبب الرئيسي في وجود فائض دائم في كل من ميزان المعاملات التجارية الليبي والميزان الكلي للمدفوعات، مما أمكن معه تكوين احتياطيات ضخمة من العملات الأجنبية بلغت خلال العام الماضي 107 مليارات دولار لتحتل البلاد المركز الثالث عشر دوليا من حيث الاحتياطيات، إلى جانب وجود استثمارات ليبية خارجية من خلال الصندوق السيادي الليبي وغيره والودائع بالمصارف الدولية.
 
وهكذا تسببت قيمة الصادرات النفطية في استيعاب قيمة الواردات السلعية ليحقق الميزان التجاري فائضا مستمرا.
 
واستوعب الفائض التجاري العجز المزمن في ميزان التجارة الخدمية  نظرا لضعف أداء السياحة وكذلك خدمات النقل والخدمات المالية.
 
كما استطاع الفائض التجاري استيعاب العجز المستمر في ميزان التحويلات نتيجة وجود 1.5 مليون عامل أجنبي يقومون بتحويلات مالية إلى بلدانهم الأصلية، إضافة إلى المساعدات الحكومية للدول الأفريقية وغيرها.
 
وساهم تحقيق فوائض في معظم السنوات في ميزان الاستثمار الأجنبي المباشر في استيعاب العجز المستمر في ميزان الاستثمارات نتيجة خروج ودائع وقروض ضخمة، ليسفر الميزان الكلي للمدفوعات عن فوائض دائمة.
 
ويؤكد ارتباط فائض ميزان المدفوعات بالنفط أنه بين عامي 1995 و2010 لم يحقق الحساب الجاري والميزان الكلي للمدفوعات عجزا إلا في عام واحد هو عام 1998 حينما انخفض سعر النفط إلى نحو 12 دولارا للبرميل.
 
وحدث نفس التأثير الإيجابي لإيرادات النفط على وجود فائض مستمر بالموازنة الليبية، بل إن قيمة هذا الفائض تتواكب مع تغيرات أسعار النفط.
 
ففي عام 2008 حين ارتفعت أسعار النفط زاد الفائض بالموازنة إلى 23 مليار دولار، ومع انخفاض أسعار النفط في العام الماضي انخفض الفائض إلى 5.5 مليارات دولار، الأمر الذي انعكس على نسبة الفائض بالموازنة إلى الناتج المحلي الليبي من أكثر من 26% بين عامي 2005 و2008 إلى أقل من 9% في العام الماضي.
 
ورغم ذلك احتلت ليبيا المركز الثالث في نسبة الفائض بالموازنة عربيا بعد قطر والكويت خلال العام الماضي.
 
وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أنه بدون الإيرادات النفطية فإن نسب العجز بالموازنة الليبية كانت ستكون -138% في العام الماضي.
 
ورغم قلة عدد السكان البالغ نحو 6.5 ملايين نسمة مما يضع البلاد في المركز 101 بين دول العالم من حيث عدد السكان، فقد تسبب النشاط النفطي مع قطاعات أخرى في بلوغ الناتج المحلي الإجمالي إلى 62 مليار دولار، لتحتل المركز الـ62 بين دول العالم في العام الماضي والمركز السادس أفريقيا والتاسع عربيا.
 
وحقق الاقتصاد الليبي معدلات نمو جيدة للناتج المحلي بلغت 7.5% عام 2007، لكنها انخفضت 2.3% في العام التالي لتتحول إلى الانكماش بنسبة 2.3%، مع انخفاض أسعار البترول وتداعيات الأزمة المالية العالمية، ليعود الناتج إلى النمو بنسبة 10.6% في العام الماضي مع تحسن أسعار النفط.
 
وكان صندوق النقد الدولي قد توقع نموا بنسبة 6.2% للناتج الليبي خلال العام الحالي، إلا أن أحداث الانتفاضة وما خلفته من آثار سلبية على انتظام إنتاج وتصدير النفط وغيره من الأنشطة الاقتصادية سينعكس سلبا على تحقق تلك التوقعات للنمو.
 
كما تسببت قلة عدد السكان في بلوغ متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي 12 ألف دولار سنويا، لتحتل ليبيا المركز الـ71 دوليا والثاني أفريقيا بعد غينيا الاستوائية، والسابع عربيا بعد قطر والكويت والإمارات والبحرين وسلطنة عمان والسعودية.
 
ورغم الثروة الليبية الضخمة مع قلة عدد السكان فقد شابها عدم العدالة في توزيعها، حيث تم إنفاق ماليات كثيرة على مغامرات النظام الحاكم في بلدان أفريقية ولاتينية وشراء السلاح إلى جانب دفع التعويضات الضخمة، مع اتهام النظام الحاكم بتدبير حوادث إرهابية منها تحطم طائرة لوكربي والمعونات والقروض التي لا يتم ردها.
 
والنتيجة بلوغ نسبة البطالة نحو 15% ووقوع نحو ثلث السكان تحت خط الفقر حسب بيانات غربية، والشكوى من ضعف مستوى الخدمات في الأقاليم مع تركز الاهتمام على العاصمة طرابلس، مما كان له أثره في ثورة غالبية المدن الليبية ضد النظام الحاكم نتيجة ما تعانيه من حرمان طويل من الخدمات الأساسية رغم ما تشاهده من بذخ الأسرة الحاكمة وإغداقها على دول أخرى.
_______________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة