أدى تنحي الرئيس السابق حسني مبارك إلى تخفيف حدة حالة الاحتقان السياسي الموجودة في مصر منذ فترة، وإلى إعطاء إحساس عام بدخول المجتمع مرحلة جديدة تختلف في ملامحها عما سبقها طيلة العقود الثلاثة الماضية، مرحلة يتم خلالها إجراء تغيير جذري في كل قطاعات المجتمع.

 

التفاؤل والأمل يسهمان في تحسين الأحوال

توجيه حوافز الاستثمار للإنتاج

إعادة ترتيب أولويات الإنفاق بالموازنة

تفاعل المصريين بالخارج مع أحداث الثورة

 

التفاؤل والأمل يسهمان في تحسين الأحوال

تزداد حالة التفاؤل والأمل في تحسن الأحوال، رغم صعوبات الواقع والسعي إلى تعديل الأولويات المجتمعية لصالح عدالة التوزيع مع عدم إغفال النمو والتحول من قيم الربح السريع والمضاربة السائدة إلى قيم الإنتاج والقيمة المضافة، ليكون المنتجون في صدارة المشهد الاقتصادي وليس السماسرة, والخروج من حالة اختيار القيادات الإدارية بسبب عوامل الولاء إلى عوامل الكفاءة، ومن شيوع مؤشرات اقتصاديه تجميلية لا يشعر بها أغلب الناس إلى مؤشرات اقتصادية حقيقية تستند إليها دراسات الجدوى للمشروعات وتمكنها من التوقع المستقبلي لنشاطها بشكل أكثر دقة.

 

كما تسهم الخطوات الجديدة في إعلاء روح القانون والمساءلة والرقابة ومقاومة الفساد في تحسين البيئة الاستثمارية. بل لقد قدر بعض الخبراء تكلفة الفساد التي يمكن توفيرها للموازنة سنويا بنحو عشرة مليارات جنيه. كذلك يساعد تقليل سفه الإنفاق على المظاهر والاحتفالات والسفريات والسيارات الحكومية الفخمة والمستشارين وغيرها في تقليل المصروفات الحكومية بما ينعكس على انخفاض العجز.

 



ويرى اقتصاديون أنه إذا كان الاستثمار في بعض القطاعات سيحتاج إلى بعض الوقت فإن هناك مجالات ستجد رواجا أسرع، ومنها القطاع الغذائي والاستهلاكي والدوائي لمقابلة احتياجات سوق استهلاكية قوامها 80 مليون شخص. كذلك يعني الإقلال من الاحتكار استفادة عدد أكبر من رجال الأعمال في المجالات التي يتفشى فيها الاحتكار سواء في إنتاج السلع أو استيرادها أو توزيعها.

 

كما يرى هؤلاء أن ضخامة حجم الاقتصاد غير الرسمي يشير إلى إمكانية تحول جزء منه إلى اقتصاد رسمي، بما يزيد حجم الناتج المحلى الإجمالي.

 

"
تساهم الخطوات الجديدة في إعلاء روح القانون والمساءلة والرقابة ومقاومة الفساد في تحسين البيئة الاستثمارية  بل لقد قدر بعض الخبراء تكلفة الفساد التي يمكن توفيرها للموازنة سنويا بنحو عشرة مليارات جنيه
"

وفي السياق فإن ضعف العادة المصرفية بالمجتمع المصري من خلال قلة عدد من لديهم حسابات بالبنوك يعنى اتساع المجال أمام المصارف لزيادة عدد عملائها ونشاطها.

 

ويساهم تنحي مبارك في سيادة مناخ جديد يهتم بالمواطن أولا، بداية من تحقيق الأمن له والحد الأدنى المناسب للأجر والبدل المناسب عند تعرضه للبطالة ورفع سقف المستوى الضريبي الحالي على الأجور، بما يقلل من المدفوعات الضريبية وتحسين الخدمات الطبية والتعليمية.

 

كذلك يؤدي إلى التوجه الإنتاجي من خلال تشجيع الاستثمار في الزراعة والصناعة على حساب الاستثمار المالي والمضاربة في البورصة، وهو الاستثمار الذي لا يضيف للناتج المحلى الإجمالي شيئا. وقد بلغت قيمة تعاملات البورصة المصرية في السنوات الأخيرة 1.299 تريليون جنيه لم تضف آلة في مصنع.

 

توجيه حوافز الاستثمار للإنتاج

كما يوصى بتوجيه حوافز الاستثمار للإنتاج وليس للاستثمار المالي، كما هو الحال الآن بإعفاء الأرباح الناتجة من التعامل بالبورصة أو أرباح صناديق الاستثمار من الضرائب، بينما تخضع المشروعات الإنتاجية للضرائب المتنوعة، مما دفع الكثير من التجار والمحاسبين والمحامين والأطباء إلى ترك أنشطتهم الخدمية والتفرغ للتعامل بالبورصة.

 

ومن شأن توجهات جديدة رفع أيدي جهات الجباية المتعددة عن رقاب المنتجين، وهو ما أدى لفرار مستثمرين من مجال الإنتاج السلعي والخدمي بسبب ذلك التعسف، واتجه بعضهم لأعمال السمسرة والمضاربة.

 

ومن المؤمل أيضا الحد من السطوة الأمنية التي سيطرت على حياة المصريين إلى حد التدخل في تعيين الموظفين والمدرسين والمعيدين بالجامعات بل وعمداء الكليات  والتعامل الفظ داخل أقسام الشرطة لدرجة حاجة البعض إلى واسطة لتحرير بلاغ عن سرقه أو غياب شخص، الأمر الذي يؤدي مع تحجيم دور الشرطة لينحصر في حفظ الأمن العام لإشاعة جو من الحفاظ على الكرامة يتيح لملكات الإبداع لدى الجميع أن تؤتي ثمارها.

 

وعندما يشعر المستثمر المحلي بوجود تغيير حقيقي وليس شكليا في مناخ الاستثمار سواء من النواحي السياسية أو الاقتصادية أو التمويلية أو التشريعية فسوف يبدأ بالاستثمار، سواء في شكل مشروعات جديدة ولو محدودة القيمة على سبيل تحسن الأمور أو بالتوسع التدريجي في المشروعات القائمة.

 

وعندما تزداد استثمارات المصريين بالداخل ستأتي استثمارات من المصريين بالخارج، وسيعقبها استثمارات من الأجانب عندما يدركون أن القانون الطبيعي هو سندهم وليس أبناء المسؤولين لدخول السوق أو الاستمرار فيه  وأن المؤشرات الاقتصادية المعلنة حقيقية وليست مزيفة، سواء عن معدلات التضخم أو عجز الموازنة والتضخم وغيرها لتكون استثماراتهم مبنية على بيانات صحيحة، سواء كانت بيانات حكوميه أو بيانات تخص سوق العمل أو عن المنافسين لهم بالسوق.

 

"
قانون حماية المنافس ومنع الاحتكار يجب أن  يطبق على الجميع وليس على البعض ممن لا حماية لهم
"

إن المستثمر ليس مضطرا للقيام بمدفوعات تحت الطاولة كي تسير أعماله والتمويل المصرفي يستند إلى عوامل فنيه تخص المشروع وليس إلى عوامل سياسية تخص المساندة من أحد أصحاب النفوذ.

 

إن قانون حماية المنافس ومنع الاحتكار يطبق على الجميع وليس على البعض ممن لا حماية لهم وإن هناك قضاء مستقلا سريع الفصل في القضايا الجميع أمامه سواء ويمكنهم الاعتماد عليه وإن هناك احتراما لأحكام القانون.

 

كما سيقل الإغداق على بعض الجهات التي تعاني نزيف الخسائر المتلاحقة، مثل اتحاد الإذاعة والتلفزيون بدعوى الأمن الإعلامي، وترشيد الإنفاق الشرطي البالغ أكثر من 14 مليارا بالموازنة الحالية والعديد من الجهات التي ارتبطت أنشطتها بأعضاء الأسرة الرئاسية السابقة.

 

إعادة ترتيب أولويات الإنفاق بالموازنة

وسيعاد ترتيب أولويات الإنفاق بالموازنة، التي يصل بها نصيب جهاز تطوير القرية بالموازنة الحالية والمسؤول عن القرى المصرية 11 مليون جنيه مقابل 90 مليون جنيه لنصيب الأوبرا.

 

وسيزيد الإنفاق الاستثماري للمناطق العشوائية البالغ 150 مليون جنيه، حيث يصل نصيب المنطقة الواحدة 117 ألف جنيه سنويا لا تكفي للتطوير الجاد من حيث تطوير المرافق، من مياه شرب وكهرباء وصرف صحي وطرق وخدمات صحية وتعليمية، بل إنها مخصصات لا تكفي لشراء وحدتين سكنيتين سنويا لسكان كل منطقة.

 

وعندما يشعر الناس بأن الإنفاق الحكومي يتم لصالح تحسين المرافق والخدمات الأساسية من المياه والصرف والإنارة والطرق والكباري والصحة والتعليم سيقل التهرب الضريبي، مما يعني تقليل العجز المزمن بالموازنة.

 

وكلما زادت حالة الثقة بالمجتمع أقبل الناس على إيداع ما لديهم من فوائض بالبنوك بما يتيح لها السيوله للتمويل، أو اشتروا بها أسهما في شركات جديدة أو تتوسع بما يساهم في زيادة الإنتاج وزيادة التشغيل. كما تساهم إشاعة الثقة والتفاؤل في إقبال البنوك على الإقراض للأفراد والشركات لتدور عجلة الإنتاج أسرع.

 

"
كلما زادت حالة الثقة بالمجتمع أقبل الناس على إيداع ما لديهم من فوائض بالبنوك بما يتيح لها السيوله للتمويل
"

ولقد ساهم تفاعل المصريين بالخارج مع أحداث الثورة في قيامهم بتحويل كل منهم نحو ألف دولار إلى البنك المصري الذي يتعامل معه، وهو أمر يزيد من الرصيد الدولاري لدى البنوك، بما يمكنها من الاستجابة لاحتياجات المستوردين دون الاضطرار للسحب من احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي.

 

وفى ظل نقص الدولار محليا بسبب خروج الأموال الساخنة الأجنبية، سواء من البورصة المصرية أو من أذون الخزانة المصرية أو من الودائع بالبنوك، وإلى جانب نقص العملات الواردة بسبب تضرر السياحة والاستثمار الأجنبي المباشر، وهي دعوة يمكن أن تتكرر في إطار قضاء هؤلاء إجازاتهم في مصر لتعويض جانب من تراجع السياحة، وفي نفس المسلك في مجال الاستثمار.

 

وهو أمر يزيد من الرصيد الدولاري لدى البنوك، بما يمكنها من الاستجابة لاحتياجات المستوردين دون الاضطرار للسحب من احتياطيات النقد الأجنبي لدى البنك المركزي.

 

وفى ذلك السياق سرت دعوة بين الشباب المصري للشراء بالبورصة المصرية بحد أدنى مائة جنيه لمساندتها في ظل خروج الأجانب منها بسبب ارتفاع المخاطر السياسية الناجمة عن الاحتجاجات الجماعية.

 

كما يساعد إفساح المجال للمجتمع المدني للمشاركة في تحسين مستوى المعيشة من خلال الخدمات المتنوعة التي تقدمها نحو 26 ألف جمعية، سواء من خلال المساعدات الاجتماعية أو التشغيل أو التدريب أو التوعية أو الإقراض.

 

"
كانت مساهمة كثير من الشباب في رفع مخلفات ميدان التحرير وفى نظافة وتجميل شوارع عدد من المدن تعبيرا واضحا عن الروح الجديدة
"

ولقد كانت مساهمة كثير من الشباب في رفع مخلفات ميدان التحرير وفي نظافة وتجميل شوارع عدد من المدن تعبيرا واضحا عن الروح الجديدة.

 

وإذا كانت الأوضاع الاقتصادية ستواجه عددا من الصعوبات لبعض الوقت نتيجة ما قررته الحكومة من رفع للأجور وإنشاء صندوق للتعويضات يزيد من العجز المزمن بالموازنة، كما سيؤدي تراجع سعر الصرف للجنيه إلى زيادة تكلفة الواردات وزيادة العجز التجاري  وارتفاع معدلات التضخم إلى جانب التلفيات التي تعرضت لها محال تجارية، فإن كل تلك الآثار السلبية لن يطول أثرها كلما تسارعت خطوات الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي في ظل مرحلة ما بعد مبارك خاصة مع تكوين الشباب لجنة لمتابعة تنفيذ مطالبهم المجتمعية من المجلس الرئاسي الحاكم، وهو ما يزيد من عوامل الطمأنينة لدى السوق ليسترد تدريجيا عوامل انتعاشه.

 

وهكذا فإن هناك سعيا نحو تغيير حقيقي شامل وشعورا بالأمل يزيد الثقة ويفعل الأعاجيب في مزاج الناس، مما ينعكس على إنتاجيتهم وسلوكياتهم الاجتماعية والاقتصادية بل وتضحياتهم من أجل البلد التي يحبونها، وهو ما عبر عنه شعار ردده المتظاهرون يوم تنحية مبارك "ارفع رأسك أنت مصري".




________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة