عبد

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

ا

 

 

 

 

 

                                                                                عبد الحافظ الصاوي

 

الملامح العامة لأداء الاقتصاد الإيراني

تطور العقوبات الاقتصادية على إيران

العلاقات الاقتصادية الإيرانية العربية

 

 

الملامح العامة لأداء الاقتصاد الإيراني

يعيش الاقتصاد الإيراني حالة استثنائية منذ نجاح الثورة الإسلامية عام 1979، وزاد من حدة هذه الحالة الاستثنائية تطور المشكلات المعقدة لإيران في محيطها الإقليمي والعالمي، وبخاصة بعد مُضيها في استكمال برنامجها النووي.

 

وتُمثل سلسلة العقوبات الاقتصادية على طهران أبرز صور الحالة الاستثنائية لأدائها الاقتصادي.

 

وبحكم الجوار الجغرافي والعلاقات السياسية لإيران مع دول العالم العربي، فإن العلاقات الاقتصادية بين الطرفين سوف تتأثر بلا شك بالتطورات الأخيرة في العقوبات المفروضة عليها من قبل المجتمع الدولي.

 

وبلغ الناتج المحلي الإجمالي لإيران 331 مليار دولار أميركي في نهاية عام 2009. ويلاحظ أنه قد شهد زيادة ملحوظة مقارنة بما كان عليه عام 2006، حيث كان في حدود 222 مليار دولار، أي أن قيمة الزيادة بلغت 109 مليارات دولار بين عامي المقارنة.

 

ويتوقع البنك الدولي أن يصل الناتج المحلي الإيراني إلى 400 مليار بنهاية 2011.

 

إلا أن معدل نمو الناتج قد شهد تراجعًا ملحوظًا خلال عامي 2008 و2009، حيث كان 2.3% و1.8% على التوالي، مقارنة بمعدل نمو 7.8% في عام 2007.

 

ويأتي قطاع الخدمات على رأس القطاعات الاقتصادية المساهمة في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 48%، تليه الصناعة بنسبة 42%، ثم الزراعة بواقع 10%.

 

ويصل عدد سكان إيران إلى نحو 75.4 مليون نسمة حسب بيانات عام 2006. وبلغت نسبة الأمية بين سكانها البالغين 18%. أما البطالة فقد بلغ معدلها 13.2% في عام 2010. وقد بلغ نصيب الفرد من الدخل القومي 4500 دولار في عام 2009، وبما يزيد على معدل عام 2006 بنحو 1600 دولار. إلا أن معدل التضخم تراجع إلى 10% في عام 2010، بعد أن وصل إلى 25.5% في عام 2008.

 

وعلى صعيد الصادرات السلعية لإيران نجد أن عام 2008 يعد من أفضل المعدلات، حيث وصلت الصادرات السلعية فيه إلى 116.9 مليار دولار، ثم تراجعت الصادرات السلعية إلى 71.3 مليار دولار في عام 2009.

 

"
يتوقع البنك الدولي أن يصل الناتج المحلي الإيراني إلى 400 مليار بنهاية 2011
"

ولم يكن أداء الواردات السلعية ببعيد عن أداء الصادرات. 

فقد وصلت الواردات عام 2008 إلى نحو 70.1 مليار دولار، ثم تراجعت إلى 60.4 مليار دولار في عام 2009. ويمثل البترول النسبة الكبرى في الصادرات الإيرانية حيث وصل إلى 80% من حجم الصادرات في عام 2009/2010، كما تعد إيران الدولة الثانية في منظمة أوبك بعد السعودية من حيث حجم إنتاج البترول. أما الواردات فتأتي العدد والآلات ووسائل الانتقال على رأس قائمة الواردات الإيرانية بنحو 16.4 مليار دولار، ثم الحديد والفولاذ بنحو 8.8 مليارات دولار، ثم مشتقات البترول بنحو 4 مليارات دولار.

 

ومن الملاحظات الإيجابية تراجع الدين العام الخارجي لإيران، حيث وصل إلى 13.4 مليار دولار في عام 2009، بعد أن كان 19.3 مليار دولار في عام 2006. وكذلك يتميز الوضع الاقتصادي في إيران بوجود معدلات جيدة على صعيد المدخرات المحلية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، حيث تصل إلى نحو 38%.

 

ويمكن رصد بعض المؤشرات الدالة على أثر انغلاق الاقتصاد الإيراني وتأثير العقوبات عليه خلال السنوات الماضية من خلال انخفاض معدلات تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتي حققت أحسن أداء لها في عام 2010 بنحو 3.6 مليارات دولار، بعد أن كانت في حدود 1.6 مليار دولار على مدار السنوات السابقة لعام 2010. كذلك تسيطر الدولة على النصيب الأكبر من النشاط الإنتاجي وكذلك مؤسسات التمويل.

 

تطور العقوبات الاقتصادية على إيران

كانت أميركا هي أولى الدول التي خاضت غمار فرض عقوبات اقتصادية على إيران في عام 1980 على خلفية أحداث السفارة الأميركية في طهران واحتجاز بعض الرهان الأميركيين.

 

وتضمنت هذه العقوبات تجميد بعض الأرصدة، ثم منع المعاملات التجارية بين البلدين، وكذلك منع الشركات الأميركية من الاستثمار في إيران، بل فرض غرامات على الشركات الأميركية التي تخالف قانون حظر التعامل مع إيران.

 

إلا أن الواقع شهد تضرر الشركات الأميركية من هذه العقوبات، حيث حلت مكانها شركات أوروبية وصينية وماليزية واستفادت من الاستثمار في قطاع النفط الإيراني.

 

ثم أتى برنامج إيران النووي ليضعها تحت مجموعة من قرارات مجلس الأمن الداعية لفرض عقوبات اقتصادية على إيران في أعوام 2006 و2007 و2008 و2010. وكانت معظم هذه العقوبات تتمثل في فرض حظر على توريد تكنولوجيا نووية أو مواد نووية لإيران، وكذلك منع بعض مسؤولي الملف النووي الإيراني من السفر وأيضًا تجميد بعض الأرصدة المالية.

 

وفي ديسمبر/كانون الأول 2011 صدرت مجموعة من العقوبات الاقتصادية الجديدة على إيران من قبل كل من الاتحاد الأوروبي وأميركا، تمثل العقوبات المفروضة من قبل دول الاتحاد الأوروبي في تجميد أرصدة 180 شركة وشخصية إيرانية.

 

وأُعلن أن الاتحاد الأوروبي قد يتخذ خطوات أكبر في يناير/كانون الثاني المقبل تُدرج قطاعات النفط والمال والمواصلات في إيران، وهو ما يعني في حالة حدوثه إرباك الاقتصاد الإيراني والعمل على خنقه.

"
الواقع شهد تضرر الشركات الأميركية من العقوبات، حيث حلت مكانها شركات أوروبية وصينية وماليزية واستفادت من الاستثمار في قطاع النفط الإيراني
"

 

أما في أميركا فكان قرار مجلس الشيوخ الذي يقضي بالعمل على إخراج البنك المركزي الإيراني من النظام المالي العالمي، وكذلك تجميد الأرصدة الموجودة بأميركا والخاصة بمؤسسات مالية تتعامل مع البنك المركزي الإيراني، حتى لو كانت هذه الأرصدة مملوكة لبنوك مركزية لدول أخرى.

 

إلا أن قرار مجلس الشيوخ الأميركي مرهون بموافقة أوباما لدخوله حيز التنفيذ، وهناك مخاوف من أن تشهد أسعار النفط ارتفاعًا كبيرًا يربك أداء الاقتصاد العالمي الذي يعاني من هشاشة في تعافيه ومعدلات نموه منذ وقوع الأزمة المالية العالمية في عام 2008.

 

كما أن الدول المتضررة من تنفيذ هذا القرار مثل الصين وروسيا لن تسمح بدخوله لهذه المنطقة الخطرة على مصالحها، ولذلك قد تكون هذه القرارات في نطاق الاتحاد الأوروبي وأميركا ومن الصعب اعتمادها من قبل مجلس الأمن، إلا إذا حصلت كل من روسيا والصين على تعويضات عن خسائرها الاقتصادية في إيران، أو مصالح سياسية في نطاقات أخرى.

 

العلاقات الاقتصادية الإيرانية العربية

لم ينجح كل من العرب وإيران في خلق مصالح اقتصادية قوية -منذ نجاح الثورة الإسلامية في إيران عام 1979- تجعل الطرفين كيانا واحدا في مواجهة التحديات الخارجية، ومنها فرض العقوبات الاقتصادية على طهران.

 

ويلاحظ أن اقتصاديات الجانبين تعتبر من الاقتصاديات المتنافسة التي تكون نتيجة التعاون الاقتصادي بينهما ضعيفة. فالجانبان يصدران سلعا أولية مثل النفط وبعض السلع الزراعية وغيرها، ويستوردان العدد والآلات ووسائل النقل، بالإضافة إلى تكنولوجيا الصناعة والاتصالات.

 

وتشير بيانات التجارة الخارجية لإيران إلى أن هناك ثلاث دول عربية من بين أكبر عشر دول تستقبل منتجاتها غير البترولية، وهي الإمارات بنحو 2.3 مليار دولار، والعراق 2.1 مليار دولار، والمملكة العربية السعودية بنحو 454 مليون دولار.

 

أما بالنسبة لأكبر عشر دول تستورد منها احتياجاتها السلعية فليس بينها سوى دولة عربية واحدة، وهي الإمارات العربية بنحو 12.9 مليار دولار.

 

وبذلك تعتبر الإمارات أكبر شريك تجاري عربي لطهران، وثاني شريك تجاري على مستوى العالم.

 

ويعتبر الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأول لها بحجم تعاملات يصل لنحو 28 مليار دولار.

 

فقد بلغت الصادرات السلعية للاتحاد الأوروبي إلى إيران 18.4 مليار دولار، بينما يستورد الاتحاد الأوروبي منها بترولا بنحو 10.3 مليارات دولار.

 

ولا بد من أن نأخذ في الاعتبار أن ارتفاع حجم التعاملات التجارية بين إيران والإمارات يأتي كنتيجة لفرض العقوبات الاقتصادية على طهران، وتعد الإمارات بمثابة دولة عبور "ترانزيت"، فليس كل ما تستورده الإمارات من إيران لاستهلاكها المحلي، فجزء كبير منه يعاد تصديره للخارج.

 

ولا يتوقف الأمر على الحركة التجارية بين البلدين فقط بل يمتد ليشمل استثمارات إيرانية في دبي تصل إلى 37 مليار دولار وفق بيانات 2007. وبشكل عام تعتبر الاستثمارات الإيرانية الخارجية في الإمارات -وعلى وجه التحديد بإمارة دبي- ملاذا آمنا مع تصاعد العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران من قبل أميركا والغرب.

 

"
إذا استطاعت إيران أن تخلق علاقات ومصالح اقتصادية وتجارية مع بعض الدول العربية فبإمكانها أن تصنع واقعا جديدا يخفف عنها وطأة العقوبات الاقتصادية.

"

ونجد أن علاقات إيران التجارية مع الدول العربية غير الخليجية هشة وضعيفة. فوفق بيانات صندوق النقد الدولي نجد أنه في أحسن الأحوال يصل حجم علاقاتها التجارية مع سوريا إلى 1.2 مليار دولار، منها 1.1 مليار صادرات إيرانية إلى سوريا، أي أن العلاقة التجارية في صالح إيران. ثم الأردن الذي تبلغ الصادرات الإيرانية إليه 126 مليون دولار.

 

وتستورد طهران منتجات لبنانية بنحو 112 مليون دولار، أما مصر فقد بلغت الصادرات الإيرانية إليها 42 مليون دولار، وتستورد إيران منتجات مصرية بنحو 45 مليون دولار.

 

ويرجع ضعف العلاقات التجارية بين مصر وإيران إلى حالة التوتر السياسي بينهما منذ سنوات طويلة، على الرغم من فرص التعاون الممكنة وبخاصة في مجال السياحة، حيث تمتلك مصر عددا كبيرا من مزارات آل البيت التي يمكن أن تجتذب عددا كبيرا من السائحين الإيرانيين. 

 

وفي حال استمرار العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران في إطار تجميد بعض الأرصدة لشخصيات أو شركات دون المساس بالنفط الإيراني، فستظل الإمارات على ما هي عليه كأكبر دولة مستفيدة تجاريًا من استمرار هذا الوضع. أما إذا امتدت العقوبات لتشمل البترول الإيراني، فسوف تختلف النتيجة تمامًا، حيث ستقفز أسعار النفط العالمية، وبالتالي ستكون دول الخليج وغيرها من الدول العربية المصدرة للنفط هي المستفيدة من فروق الأسعار، في حين ستتأثر كثيرًا العلاقات التجارية بين الإمارات وإيران بسبب أن إيران في هذه الحالة ستتوقف قدرتها المالية على تمويل حركة تجارتها الخارجية مع الإمارات وغيرها، حيث يمثل النفط 80% من الصادرات الإيرانية.

 

كما تفتقد الدول العربية ذات المصالح الاقتصادية مع إيران إلى النفوذ السياسي على الصعيد الدولي الذي يمكنها من وقف هذه العقوبات الاقتصادية عليها، أو وجود استثناءات تمكن الدول العربية من التعامل معها.

 

ولكن إذا استطاعت إيران أن تخلق علاقات ومصالح اقتصادية وتجارية مع بعض الدول العربية، وإنهاء بعض المشكلات السياسية والمذهبية المتعلقة بنشر التشيع في الدول العربية، فبإمكانها أن تصنع واقعا جديدا يخفف عنها وطأة العقوبات الاقتصادية.

 

وقد نجحت إيران في تفعيل هذه العلاقة مع دول أخرى غير عربية مثل الهند والصين وروسيا.
ـــــــــــــــ
كاتب مصري

 

 

المصدر : الجزيرة