قادة أوروبا طلبوا من اليونان الاختيار بين البقاء في منطقة اليورو وتركها (الفرنسية-أرشيف)

خالد شمت–برلين

 

رغم تراجع رئيس الوزراء اليوناني جورج باباندريو عن إجراء استفتاء شعبي حول خطة إنقاذ بلاده من أزمة ديونها، فإن فكرة انسحاب أثينا من منطقة اليورو لم تعد داخل دائرة المحرمات الأوروبية بل أصبحت خيارا مطروحا للنقاش أكثر من ذي قبل.


وغيرت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل موقفها المدافع عن استمرار اليونان داخل منطقة اليورو، واتفقت مع رئيس مجموعة اليورو جان كلود يونكر على "عدم تفضيل بقاء اليونان في منطقة اليورو بأي ثمن".

 
وخلصت المناقشات الدائرة منذ شهور داخل الأوساط الاقتصادية والمالية بأوروبا والعالم إلى أن خروج أثينا من منطقة اليورو سيتسبب في شلل وانهيارات متفاوتة الحدة في الدورة المالية لليونان والاتحاد الأوروبي والأسواق المالية العالمية.
 
"
ترك اليونان لمنطقة اليورو سينجم عنه انهيار القطاع البنكي وعجز حكومة أثينا عن نيل قروض من الخارج، وبالتالي لن تدفع الخزينة اليونانية رواتب الموظفين ومعاشات التقاعد
"
تداعيات يونانية
وترى تحليلات لمراكز اقتصادية ومصارف ألمانية أن خروج اليونان من منطقة اليورو سيقود إلى سلسلة تداعيات وخيمة تتوالى بشكل يشبه تساقط أحجار لعبة الدومينو الشهيرة.
 
أولى هذه النتائج إصابة جزء كبير من الدولة بالشلل وانقطاع صلة البلاد لفترة طويلة بالأسواق المالية العالمية، وعجز حكومة أثينا بعد الإفلاس عن نيل قروض من الخارج، ونتيجة لذلك لن تتمكن الخزينة اليونانية من الوفاء بالتزاماتها الداخلية وسداد الرواتب ومعاشات التقاعد.
 
ومن جهة أخرى سيلحق الإفلاس كوارث بالبنوك التي اشترت سندات ديون حكومية بقيمة خمسين مليار يورو (68 مليار دولار)، وبمجرد خروج أثينا من اليورو ستصبح هذه السندات معدومة القيمة، فتعجز البنوك عن تمويل نفسها وتغدو عرضة للانهيار.
 
وسيدفع الخوف على الأرصدة والمدخرات عملاء البنوك اليونانية للهجوم عليها لاسترداد ودائعهم لديها، ومن شأن انهيار البنوك أن يولد "موجات ارتدادية" مدمرة للاقتصاد اليوناني بعجز الدولة عن الحصول على قروض، فلا تستثمر في مجالات ضرورية وملحة، وتضطر لتسريح أعداد ضخمة من العمال.
 
العودة للدراخما
وتمثل عودة اليونان لعملتها القديمة الدراخما نتيجة منطقية ستتلو خروجها من منطقة اليورو، مما يعني العودة إلى عملة منعدمة القيمة عالميا، ويقدر مصرف دويتشه بنك الألماني وصول سعر اليورو الواحد بعد خروج أثينا من منطقة العملة الأوروبية الموحدة إلى 340.75 دراخما.
 
كما تحمل العودة إلى العملة القديمة مصاعب ومشكلات إضافية لاقتصاد اليونان، منها دخولها في انكماش وارتفاع معدل الفائدة في سوق الديون وحدوث زيادة هائلة في مستوى التضخم.
 
في المقابل سيعود استخدام الدراخما بفوائد على المواطن العادي نتيجة لرخص أسعار المنتجات الوطنية وأسعار الصادرات، وتتوقع مؤسسات سياحية ألمانية إسهام عودة اليونان للدراخما بحدوث طفرة سياحية غير مسبوقة بهذا البلد، وتحوله إلى أرخص مقصد للرحلات السياحية العالمية.
 
"
ستدفع بنوك أوروبية ثمنا فادحا لإفلاس اليونان وخروجها من منطقة اليورو، خاصة البنوك الفرنسية والإسبانية، فضلا عن خسارة البنك المركزي الأوروبي لما يحمله من سندات يونانية
"
تداعيات أوروبية
وستتولد عن مغادرة أثينا لمنطقة اليورو أيضا نتائج كارثية على مجمل دول المنطقة، إذ يحتمل أن تدفع إلى خروج دول أخرى مثقلة بديونها من الاتحاد النقدي الأوروبي، مما سيكون نذير شؤم بتفكك الاتحاد بعد 12 عاما من نشأته.
 
وتتوقع دراسات اقتصادية ألمانية أن تواجه إيطاليا وإسبانيا مصاعب ومشكلات إضافية عقب خروج اليونان، نظرا لعجز روما ومدريد المرتقب عن الحصول على قروض جديدة من الأسواق المالية العالمية إلا بفوائد باهظة ومركبة.
 
وتعتبر ألمانيا من أكبر المتضررين في حال ترك أثينا منطقة اليورو، حيث ستفقد خزينتها 13.3 مليار يورو (18 مليار دولار) أقرضتها لأثينا من خلال البنك الحكومي الألماني لإعادة الإعمار (كي أف دبليو).
 
ويقول المحلل ببورصة فرانكفورت للأوراق المالية الطيبي السعداوي إن بنوكا أوروبية ستدفع أيضا ثمنا فادحا لإفلاس اليونان وخروجها من منطقة اليورو، خاصة البنوك الفرنسية والإسبانية المالكة لسندات يونانية بعشرات المليارات من اليورو.
 
بالإضافة إلى خسارة البنك المركزي الأوروبي لما اشتراه من سندات يونانية وتراجع مصداقية منطقة اليورو.
 
الأسواق المالية
ويرى توماس ماير رئيس قسم الاقتصاد بمصرف دويتشه بنك أن تداعيات إفلاس اليونان على الأسواق المالية العالمية لن تكون بحدة تداعيات أزمة إفلاس بنك ليمان براذرز الأميركي عام 2008.
 
وبرر ماير توقعه بأن "تواصل أزمة اليونان منذ شهور أوجد حالة من الاستعداد لدى الأسواق المالية والبنوك، حيث أصبحت مستعدة لانهيارات على دفعات وليس دفعة واحدة مفاجئة مثلما حدث مع ليمان براذرز".
 
واختلف السعداوي مع ما ذهب إليه ماير، حيث قال الأول إن الثاني أسس توقعه على وجهة نظر مالية لم تدرك أن إفلاس دولة يختلف عن إفلاس بنك وتترتب عليه تداعيات اقتصادية وخيمة.

المصدر : الجزيرة