عبد الحافظ الصاوي

في ظل تطور الأوضاع في سوريا وعدم استجابة النظام الحاكم فيها للنداءات الدولية والعربية لوقف استخدام القوة الزائدة تجاه المتظاهرين السلميين المطالبين بإسقاط نظام الرئيس بشار الأسد، أصدر مجلس وزراء الخارجية العرب مؤخرا قرارا بفرض عقوبات اقتصادية على الحكومة السورية، لدفع النظام لتطبيق إصلاحات.

ويعد قرار فرض العقوبات الاقتصادية على سوريا من مجلس وزراء الخارجية العرب غير مسبوق على مدار تاريخ الجامعة الدول العربية. ودون شك فإن هذا القرار سوف تكون له تداعياته السلبية على أداء الاقتصاد السوري كما سيؤثر على بعض الدول العربية التي تربطها علاقات اقتصادية وتجارية مع سوريا، خاصة دول الجوار الجغرافي.

المؤشرات الاقتصادية
تبلغ المساحة الجغرافية لسورية 185 ألف كلم مربع، ويصل عدد السكان بها إلى نحو 20 مليون نسمة، وحسب بيانات العام 2010 فإن الناتج المحلي الإجمالي لسوريا بلغ 59.3 مليار دولار بالأسعار الجارية، ويلاحظ وجود تطور إيجابي في الناتج المحلي الإجمالي لسوريا مقارنة بما كان عليه الوضع في العام 2006 الذي قدر فيه حجم الناتج بنحو 33.4 مليار دولار.

وتساهم القطاعات الاقتصادية الرئيسة بنسب مختلفة في تكوين هذا الناتج، من أبرزها قطاع الخدمات، إذ يسهم بنسبة 46% من القيمة المضافة للناتج المحلي، يليه قطاع الصناعة بنسبة 33.3%، ثم قطاع الزراعة 20.5%.

غير أن الدلالة السلبية في هذا المضمار هي انخفاض مساهمة الصناعات التحويلية في القيمة المضافة للناتج، إذ بلغت نسبتها 4.5%، وعامة فإن القطاع الخاص يسهم بنحو 73% من إجمالي الناتج في سوريا، وقد بلغ معدل النمو في الناتج المحلي 3.2% في العام 2010، بعد أن وصل إلى 6% في العام 2009.

وتمتلك سوريا 17.6 مليار دولار كاحتياطيات للنقد الأجنبي، وهو معدل مقبول في ظل قاعدة أن يغطي الاحتياطي نسبة 50% من الواردات السنوية لأي دولة، وتقدر الواردات السلعية لسوريا بنحو 23.5 مليار دولار في العام 2010. كما يقدر العجز في الميزان التجاري لسوريا في العام 2010 بنحو ثلاثة مليارات دولار.

وتصل نسبة البطالة في سوريا وفق بيانات العام 2009 إلى نحو 9.2%، إذ يقدر عدد العاطلين بنحو 594 ألف عاطل.

أما الدين العام الخارجي لسوريا، وفق بيانات العام 2010، فإنه يربو على 8.5 مليارات دولار، وبلغ معدل التضخم 4% في العام نفسه.



جامعة الدول العربية فرضت حزمة عقوبات اقتصادية على سوريا (الجزيرة)

الروابط الاقتصادية العربية 
تدلل العلاقات التجارية والاستثمارية على مدى تطور العلاقة بين أي طرفين. وفي الحالة السورية يلاحظ أن هذه العلاقة آخذة في النمو لكنها لا تتسم بالثبات، ونتناول هذه العلاقات فيما يلي بشيء من التفصيل.

الاستثمارات البينية
في الفقرة من العام 1995 إلى العام 2008 بلغت الاستثمارات العربية المباشرة في سوريا نحو 5.05 مليارات دولار، وكان العام 2005 هو الأعلى، حيث بلغت تدفقات الاستثمار العربي المباشر 955 مليون دولار، وكان أدنى عام هو العام 2000، إذ بلغت هذه التدفقات 8.7 ملايين دولار فقط، ولكن في العامين 2009 و2010 حدثت زيادة ملحوظة في هذه التدفقات ببلوغها 1.5 مليار دولار و1.8 مليار دولار على التوالي.

وأبرمت سوريا 38 اتفاقية ثنائية في مجال الاستثمار مع الدول العربية، ونحو 28 اتفاقية في مجال تجنب الازدواج الضريبي. ووفق بيانات 2010 فإن سوريا دفعت باستثمارات مباشرة في خمس دول عربية بقيمة 212 مليون دولار، استحوذت السودان منها على النصيب الوافر بقيمة 98.3 مليون دولار، ثم المغرب 13.7 مليون دولار، ثم اليمن بقيمة 200 ألف دولار، ثم تونس بمائة ألف دولار.

التجارة البينية
بلغت الصادرات السورية لدول عربية 4.4 مليارات دولار في العام 2009، كما بلغت الواردات السورية من الدول العربية 2.1 مليار دولار في العام نفسه.

غير أن العام 2008 مثل طفرة في أداء الصادرات السورية للدول العربية إذ ببلوغها 7.7 مليارات دولار. وإذا نظرنا إلى الصادرات السورية للدول العربية كنسبة من صادرات سورية الإجمالية نجد أنها تصل إلى 35.9%، بينما الواردات وفق هذا المؤشر تصل إلى 12.7%.

وتعد السعودية الشريك التجاري العربي الأول لسوريا، فوفقا لبيانات العام 2009، بلغت الصادرات السورية للسعودية 1.2 مليار دولار، مقابل واردات من السعودية بنحو 771 مليون دولار، أي أن الميزان التجاري يحقق فائضا لصالح سوريا بنحو 250 مليون دولار.

ويأتي في المرتبة الثاني بعد السعودية العراق بحكم الجوار الجغرافي والأزمة العراقية الممتدة على مدار نحو ثلاثة عقود من الزمن، إذ بلغت الصادرات السورية للعراق في العام 2009 نحو 644 مليون دولار مقابل واردات من العراق بنحو 207 ملايين دولار.

والملاحظ من خلال البيانات المتاحة عن تعاملات سوريا في التجارة البينية العربية أن الميزان التجاري في صالح سوريا مع غالبية الدول العربية باستثناء ثلاث دول على الأكثر، وإن كانت قيمة التبادل في حد ذاتها ضئيلة.

قراءة لقرار العقوبات
أدرج القرار أسماء أشخاص ومسؤولين سوريين لمنعهم من السفر وتجميد حساباتهم، وهي خطوة تتفق مع ما اتخذه الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، والهدف من هذه الخطوة تقليص الموارد المالية للحكومة السورية، من خلال علم مسبق بأن هؤلاء الأشخاص يقومون بالتصرف في شؤون مالية واقتصادية بأسمائهم وهي في حقيقتها تخص الحكومة.

كما نص القرار على وقف التعاملات التجارية والمالية مع الحكومة السورية ومع بنكها المركزي والبنك التجاري السوري، ومن شأن هذا الأمر أن تكون له دلالات سلبية تقلل من قدرة سوريا على الحراك الاقتصادي والتجاري على الصعيد العربي.

كذلك نص القرار على تجميد الأرصدة المالية للحكومة السورية، وهو ما لا يمكن أن نلمس له أثر إلا إذا علمنا حجم هذه الأرصدة بالدول العربية، التي يتوقع ألا تكون موجودة أصلا باستثناء لبنان التي قد يكون لسوريا في بنوكها أرصدة مالية، وقد رفضت لبنان القرار، ومن هنا فالأرصدة المالية السورية في لبنان في مأمن.

وأشار قرار الجامعة العربية إلى تجميد تمويل إقامة مشاريع على الأراضي السورية من قبل الدول العربية، ومن شأن هذا البند أن يزيد من أزمة مشروعات تحت التنفيذ، أما المشروعات الجديدة فلن يكتب لها التنفيذ في ظل الظروف الحالية.

"
قرارات الجامعة منذ نشأتها عادة تصدر وتبقى حبرا على ورق، والقرار الأخير  يحمل من الاستثناءات ما قد يفرغه من مضمونه
"

قرار يفرغ من مضمونه
من خلال قراءة دقيقة لنص البيان مع الأخذ في الاعتبار أن قرارات الجامعة منذ نشأتها تصدر وتبقى حبرا على ورق، والقرار يحمل من الاستثناءات ما قد يفرغه من مضمونه، والشاهد على ذلك ما يلي:

اقتصرت معظم العقوبات على التعاملات الحكومية والبنك المركزي والبنك التجاري السوري، ولم يشر القرار في أي من بنوده إلى وضع القطاع الخاص، وهو ما يعني أن كل معاملات القطاع الخاص لن تندرج تحت سيف العقوبات، ومن السهولة بمكان أن تمرر الحكومة السورية احتياجاتها عبر بوابة القطاع الخاص.

استثنى القرار أيضا بعض السلع الإستراتيجية التي تؤثر على الشعب السوري، من التعاملات التجارية المحظورة مع الحكومة السورية، ومن هنا فباب الاستثناء في ظل استمرار الأزمة السورية سيظل مفتوحا، حيث ستتحول الكثير من السلع غير الإستراتيجية إلى سلع إستراتيجية وستتوقف أنشطة كثيرة داخل دولاب الإنتاج في سوريا.

أدخل القرار السلع الإستراتيجية المتعلقة بدول الجوار ضمن الاستثناءات من العقوبات، وهو ما يعني استمرار التعاملات التجارية مع كل من الأردن ولبنان والعراق، وهي منافذ كافية لإدخال كل احتياجات الحكومة السورية. ومن هنا وجدنا لبنان يرفض القرار، والعراق يتحفظ عليه، والأردن يضع ملاحظات على بعض بنوده.



"
في ظل الاستثناءات التي وردت في قرار الجامعة العربية  بإخراج دول عربية عن العمل به سواء بآلية الرفض أو التحفظ، فستكون وطأة القرار أقل حدة
"

التأثير على سوريا
سوف تؤدي العقوبات المفروضة بقرار الجامعة العربية وغيرها من قرارات فرضتها الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي إلى توقف تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر وغير المباشر إلى سوريا سواء من الحكومات أو القطاع الخاص.

ولكن في ظل الاستثناءات التي وردت وفي ظل خروج بعض الدول العربية عن العمل به سواء بآلية الرفض أو التحفظ، ستكون وطأة القرار أقل حدة.

ويتوقع أن تستغل الدول غير العربية المساندة لسوريا مثل إيران وروسيا والصين هذه الثغرة في تمرير معاملاتها الاقتصادية مع سوريا.

غير أن الاقتصاد السوري لن يستطيع أن يحقق معدلات أدائه السابقة فيما يتعلق بالناتج المحلي الإجمالي أو المحافظة على سعر صرف عملته، أو معدلات تجارته الخارجية، كما سيتهاوى رصيده من احتياطي النقد الأجنبي من خلال تراجع الصادرات وزيادة الواردات، وتوقف نشاط السياحة الذي كان يدر 8.5 مليارات دولار سنويا.

التأثير عربيا
سوف يكون التأثير السلبي ضعيفا في اقتصاديات الدول العربية نتيجة لقرار العقوبات على سوريا، وذلك لعدة أسباب، منها أن التجارة البينية العربية في مجملها ضعيفة، كما أن حجم التجارة البينية العربية مع سوريا لا تتجاوز ثمانية مليارات دولار في أحسن الأحوال، وهي موزعة على 20 دولة، كما أن طبيعة السلع المتبادلة بين سوريا والدول العربية سلع تقليدية.

المصدر : الجزيرة