الأزمة الاقتصادية والمالية بدأت تنتقل من دولة أوروبية إلى أخرى (الفرنسية-أرشيف)


قال رئيس وزراء هنغاريا السابق غوردون باجناي إن الأزمة الحالية لمنطقة اليورو هي نتيجة مباشرة لعملية تكامل أوروبي "منقوصة الإرادة منقوصة الرؤية ومنقوصة الهدف"، وحذر من أن الحلول التي يطرحها قادة الاتحاد الأوروبي ستظل منقوصة ومجزوءة ومائعة سياسيا، بسبب آلية صناعة القرار في الاتحاد.
 
وأضاف باجناي في مقالة نشرت في موقع مجلس العلاقات الخارجية الأوروبي أن الاتحاد الأوروبي سيظل يتقلب بين أزمة وأخرى دون ضمانة بأنه سينجو من الأزمة التالية، "مع شيوع ثقافة ترحيل الخلافات والقضايا المعلقة"، وأوضح أن أزمة اليورو آخذة في التحول تدريجيا إلى أزمة سياسية كاملة، نظرا لأن العيوب الخلقية التي يعاني منها اليورو ذات طبيعة سياسية.
 
لكن المسؤول الهنغاري السابق عبر عن اعتقاده بأن لدى أوروبا على ما يبدو حلولا اقتصادية ناجعة لأزمتها الراهنة، "لكنها حلول لا تجد طريقها نحو التطبيق لأسباب سياسية". وأضاف "في ضوء الكلفة السياسية الباهضة المترتبة على الفشل في تسوية هذه الأزمة، فمن المؤكد أننا قد نتكبد أيضا كلفة القيام بالأمر الصحيح".
 
من الاحتجاجات التي شهدتها اليونان بسبب الأزمة الاقتصادية (الفرنسية-أرشيف)
أربع تساؤلات
وقال باجناي -وهو أستاذ للاقتصاد بجامعة كولومبيا الأميركية- إن إيجاد حل عملي سياسيا وناجع اقتصاديا يتطلب من دول الاتحاد الأوروبي الإجابة على أربعة تساؤلات رئيسية ومتداخلة. وقد عددها على النحو التالي:
 
الأول: هل من دولة بريئة من مشكلات اليورو، أو لم تستفد قبل الأزمة من عيوبه الخلقية؟ الجواب: لا. فمن الواضح أن دول الاتحاد الأوروبي الرئيسية لعبت دورا حاسما في الولادة المشوهة لمعاهدة ماستريخت وتقوضيها لاحقا. فالخطايا التي ارتكبتها الدول المترفة والمبذرة واضحة، والفوائد التي جلبها ضعف اليورو والسوق المشتركة لألمانيا (حيث عزز صادراتها) وعلى دول الجنوب (حيث شهدت تحسنا في أوضاعها المعيشية) واضحة أيضا".
 
ثانيا: هل من العدل أن نتوقع من مواطني ألمانيا والدول الأوروربية الرئيسية أن يوقعوا شيكات مفتوحة لإغاثة نظرائهم في الدول المجاورة؟ في كل مرة تلقى فواتير دول الاتحاد الأوروبي الـ27 في حجر ألمانيا. لا ينبغي لأي دولة "تستقل قطار الاتحاد الأوروبي بالمجان" أن تأخذ بقية الدول رهينة.
 
ثالثا: هل من العدل أن نتوقع من مواطني اليونان أن يلجوا نفقا طويلا دون بصيص أمل بوجود ضوء في آخره؟ من الواضح أن اليونان غير قادرة على تسديد ديونها الحالية حتى لو تواصلت هذه الجهود الخيرة لعقود. وبدون هذا الأمل، فإن العملية ستنتهي إلى فوضى اجتماعية واقتصادية. لكن لا مناص من جهد مضن وطويل المدى من أجل استعادة النمو والعودة إلى الأسواق المالية حتى لو استطاعت اليونان تقليص ديونها بدرجة كبيرة.
 
رابعا: هل سيكون من الأفضل لدول الاتحاد الأوروبي أن تتخلى عن اليورو وتعود ثانية إلى عملاتها الوطنية؟ بالتأكيد لا: إلغاء اليورو سيتسبب في ركود فوري وفوضى اقتصادية في أوروبا (وربما في مناطق أخرى من العالم) تستتبعها كلفة اجتماعية واقتصادية لا حصر لها، وقد يضع حدا نهائيا للصورة الراهنة للتكامل الأوروبي.
 
بعض الاحتجاجات على الأزمة الاقتصادية انتهت بالعنف والاشتباكات (رويترز-أرشيف)
حلول تتطلب الشجاعة
وبالتالي، فإن ذلك سيسرع انحطاط القارة الأوروبية، ويحول دون وقف عملية الانهيار. لكن وجود يورو سليم وقوي وقادر على الصمود قد يعطي دفعة قوية للجهود الرامية لاستنقاذ ما يمكن استنقاذه من نموذج دولة الرفاه وترميم قوة أوروبا السياسية والاقتصادية على مستوى العالم.
 
وقال باجناي إنه بالإجابة على هذه الأسئلة الواضحة، "فإننا لا نجدد فقط الخطاب السياسي الموجه لإقناع المتشككين من الأوروبيين بجدوى اليورو، وإنما نحدد أيضا الإطار السياسي الذي يمنح المقترحات والحلول الاقتصادية فرصة اجتياز العقبات السياسية التي توضع في طريقها".
 
ونبه باجناي إلى أن حلول أزمة أوروبا متوفرة "لكن قبولها يتطلب شجاعة سياسية وإقداما لا ترددا. وحتى المتشككون في التكامل الأوروبي لن يكونوا سعداء إذا وجدوا أنفسهم يعانون من تبعات انهيار منطقة اليورو".
 
وختم باجناي بالقول: "وحتى لو وجدت أوروبا طريقها خارج الأزمة، فإنها ستكون طريقا محفوفة بالمعاناة لعدة سنوات مقبلة. ومن هنا فالمسؤولية النهائية لقادة دول الاتحاد تقتضي منهم العمل على تخفيف تلك المعاناة وتجنيب مواطنيهم ما استطاعوا من تضحيات. وفوق ذلك يتعين عليهم التأكد من أن العائد يستحق التضحيات المقدمة".

المصدر : الجزيرة