متخصصون يرون أن إعادة توزيع الدخل تأثيرها أعظم في تخفيف حدة الفقر (الجزيرة-أرشيف)

*جاغديش بغواتي

يتشكك مفكرو اليسار في النظرية الاقتصادية الدارجة بأن النمو هو الأداة المثلى لمحاصرة الفقر في الدول النامية، ويعتقدون أن سياسيات تعزيز النمو الاقتصادي تعزز في الواقع الناتج القومي الإجمالي ولا تساعد في التخفيف من حدة الفقر، وبالتالي فهم يرون أن إعادة توزيع الثروة هي المفتاح الحقيقي لاحتواء آفة الفقر.

ومنذ الخمسينيات واقتصاديو التنمية يؤكدون أن زيادة الناتج القومي الإجمالي لا تعني بالضرورة زيادة معدلات الرفاه الاجتماعي، ومن وجهة نظر اقتصادية فإن النمو الاقتصادي وسيلة لا غاية، وسيلة يمكن من خلالها تحقيق الأهداف الحقيقية المرتبطة بالحد من الفقر وتحقيق التقدم الاجتماعي للجماهير.

قبل ربع قرن أشرت إلى طريقتين من خلالهما يمكن للنمو الاقتصادي أن يحقق هذه الغاية. أولا: النمو يوفر للفقراء فرص عمل، وبالتالي انتشالهم من وهدة الفقر. ثم إن تحسن مداخليهم سيمكنهم من الإنفاق بصورة أكبر على التعليم والصحة، وهو ما بدا واضحا في الهند خلال الفترة الأخيرة التي شهدت نموا اقتصاديا كبيرا.

ثانيا: النمو الاقتصادي يعزز مداخيل الدولة وهو ما يعني أنه يصبح بوسعها أن تنفق أكثر على تعليم الفقراء وصحتهم، وإن كانت زيادة مداخيل الدولة لا تقود آليا إلى تحسن هذين القطاعين، ولاسيما إذا كانت البرامج غير فعالة.



"
نموذج إعادة توزيع الدخل، يعتقد البعض أن تأثيره أكبر وأعظم في تخفيف حدة الفقر من التركيز على النمو الاقتصادي، ومن شأنه أن يقلل من إحساس قطاعات شعبية واسعة عبر العالم بزيادة حصة الأغنياء على حساب الفقراء
"
توزيع الدخل
غير أن المتشككين في فاعلية هذا النموذج يدعون إلى "نموذج إعادة توزيع الدخل" الذي يرون أن تأثيره أكبر وأعظم في تخفيف حدة الفقر. ويطالب منتقدو "نموذج النمو الاقتصادي" بالمسارعة إلى تبني النموذج البديل مع تنامي إحساس قطاعات شعبية واسعة عبر العالم بزيادة حصة الأغنياء على حساب الفقراء.

ويسوق المدافعون عن هذا النموذج دولة بنغلاديش وولاية كيرالا الهندية مثالا حيث كان الفضل في تحسين أوضاع الفقراء فيهما بسبب نموذج إعادة توزيع الدخل وليس نموذج النمو الاقتصادي، وهو ما لم يتحقق في بقية ولايات الهند.

لكن في الأقطار الفقيرة حيث تتجاوز أعداد الفقراء أعداد الأغنياء بهوامش كبيرة جدا، فإن إعادة توزيع الدخل تزيد معدلات استهلاك الفقراء بنسب بسيطة. وبعبارة أخرى فإن النمو الاقتصادي بالنسبة للدول النامية هو الإستراتيجية الأساسية لتحقيق أهداف التنمية وتحسين أوضاع الفقراء والمهمشين.

لكن بغض النظر عن هذا الجدل، ولكي ينجح "نموذج النمو الاقتصادي" في تحقيق غايته من تخفيف حدة الفقر فإنه بحاجة من الناحية السياسية إلى جهود رمزية وفعلية. ففي حين أن النمو الاقتصادي لا يفيد الفقراء، يستفيد منه الأغنياء بصورة متفاوتة. ولذلك وحتى يظل الفقراء قابلين بنموذج النمو الاقتصادي، يتعين على الأغنياء أن يتخففوا من المستويات المرتفعة من الاستهلاك المثيرة لحفيظة هؤلاء.

والأهم من ذلك يتعين في ذات الوقت تحسين فرص الفقراء في الوصول إلى الخدمات التعليمية، كي تتحسن فرصهم الاقتصادية وأوضاعهم الاجتماعية. هذه في نظري الوصفة القادرة على انتشال الفقراء من قيعان المجتمع.
ـــــــــــــــــ
 أستاذ الاقتصاد بجامعة كولومبيا الأميركية.

المصدر : بروجيكت سينديكيت