حلمي في مصنعه لإنتاج الدفيئات الزراعية ببلدة باقة الغربية


محمد محسن وتد-أم الفحم

 

تعتبر حرب 1967 نقطة تحول في حياة حلمي أبو مخ من بلدة باقة الغربية بالداخل الفلسطيني، فقد عاد إلى مسقط رأسه من تل أبيب حيث عمل خبازا، رافضا نكسة وهزيمة العرب ليفلح آخر ما تبقى لعائلته من أرض والتي ترمز لتجذره بالمكان.

 

نهض أبو مخ من عمق المعاناة، باحثا عن نماذج وبدائل للزراعة الفلسطينية التقليدية، خصوصا وأن إسرائيل استولت على الأغلبية الساحقة من الأرض، وما تبقى للفلاح الفلسطيني سوى مساحات صغيرة.

 

ويحكي هذا الفلسطيني، البالغ من العمر سبعين عاما، لـ "الجزيرة نت" كيف بدأ مشواره فلاحا بسيطا تمسك بآخر ما تبقى له من أرض، ليكون رائدا بصناعة وتطوير الدفيئات وتدعيم الزراعة الفلسطينية ومحاصيلها، متنقلا بين القارات بمشاريعه وابتكاراته.

 

رفض الهزيمة

وقال "لقد رفضت هزيمة 1967 حيث سكنت بتل أبيب، فقد لمست لدى اليهود الحقد والكراهية، قررت العودة إلى بلدي لزراعة آخر ما تبقى لنا من الأرض لأكون سيد نفسي".

 

وتابع "كان قد مر على زواجي عدة أشهر، والحكم العسكري ما زال جاثما، نكسة العرب كانت ضربة قاضية لبعضنا، ونعاني شح الموارد والفقر المدقع، وعليه أيقنت أن الأرض هي جوهر البقاء والوجود هنا".

 

وأضاف أبو مخ أنه عندما باشر الفلاحة وأنتجت الأرض غلتها كانت المحاصيل قليلة ودون الجودة المطلوبة، فبدأ يتساءل عن كيفية استغلال واستثمار المساحة الصغيرة المتوفرة بحيث تتضاعف المحاصيل، وهي تساؤلات لم تتأخر الإجابات عنها.

 

"
حلمي أبو مخ ابتكر على مساحة ثلاثة آلاف متر مربع بيوتا بلاستكية لزراعة الخضراوات، وكان أول مزارع بفلسطين التاريخية يطور هذا النموذج الذي ضاعف المحصول
"
ابتكار وصمود

ابتكر على مساحة ثلاثة دونمات (3000 متر مربع) بيوتا بلاستكية لزراعة الخضراوات، وكان أول مزارع بفلسطين التاريخية يطور هذا النموذج الذي ضاعف المحصول، ومكن فلاحة الأرض لأكثر من مرة بالموسم، والأهم مضاعفة دخل عائلته.

 

جند أبو مخ أشقاءه إلى جانبه ليكون مقاولا لبيوت البلاستيك، وساهم بانتشار زراعة الدفيئات بأراضي الـ48، بحيث كانت وسيلة للتشبث بالأرض وزراعتها.

 

ورأى بالدفيئة الزراعية وسيلة لتعزيز صمود الفلاح، والأهم رعاية وتدعيم العائلة الفلسطينية، فالزراعة كانت مصدر رزقها الوحيد، فذاع صيته ليصل إلى الضفة الغربية وقطاع غزة.

 

وقام ببناء عشرات آلاف الدونمات بأراضي الـ48 والضفة والقطاع، وكان له الفضل بزيادة المحاصيل الزراعية الفلسطينية ذات الجودة التي لا تضاهى، حيث أغرق الفائض منها السوق الإسرائيلي.

 

وشعر بنشوة المنتصر عندما أخذت القرى التعاونية اليهودية والكيبوتسات (تجمعات تعاونية تضم مزارعين أو عمالا يهودا) بتقليد مشاريعه، رافضا أن يكون عاملا يتم الاستعانة بخدماته مؤقتا ومن ثم يلقى به.

 

أبو مخ يعرض نماذج لدفيئات ومخططات زراعية ابتكرتها وطورتها شركته
معركة قضائية

وأتت سنوات الثمانينيات من القرن الماضي حاملة معها الكثير من التحديات، فانتقل أبو مخ وإخوانه من وضع مقاول وصاحب ورشة إلى أصحاب شركة باسم أرزاق، والتي باتت تسيطر على أكثر من 30% من صناعة الدفيئات بإسرائيل.

 

وأخذت بعض الشركات اليهودية الممولة من الحكومة الإسرائيلية بسرقة ابتكارات ومشاريع الدفيئات التي طورها، فتصدى لعمليات القرصنة وخاض نضالا قضائيا نجح بحسم المعركة لصالح شركته التي واصلت الإبداع.

 

وتخطى أبو مخ مع الشركة الحدود بالعام 1997 لتكون مصر وجهتها بأولى مشاريع الدفيئات والإصلاح الزراعي هناك، وسرعان ما انتقل مع شركته بخبرتها وتجاربها ومشاريعها إلى 25 دولة بأفريقيا وأميركا اللاتينية والشرق الأقصى وأوروبا الشرقية.

 

تطوير وتوسع

واكتسب -كشركته- الخبرات والمهارات العملية والفنية في كل ما يحيط بصناعة الدفيئات الزراعية وإنشائها، مستعينا بالأدمغة الفلسطينية من مهنيين وفنيين ومهندسين ومرشدين زراعيين، وشرع أخيرا بتطوير الدفيئات التكنولوجية لتربية الأسماك.

 

ويتطلع بهذه المرحلة لتعميم تجربته وخبرة شركته بدول الخليج والعالم العربي عموما، حيث افتتح أخيرا مصنعا للدفيئات والمشاريع الزراعية بمدينة إربد الأردنية.

 

ويأتي بناء هذا المصنع طبقا لإستراتيجية وأهداف الشركة بالتوسع والنمو باتجاه الأسواق بالعالم العربي، وتوظيف الخبرة لتطوير مشاريع زراعية مختلفة، وتدريب وتأهيل الفلاحين والعمال لاستمرار تشغيل الدفيئات.

المصدر : الجزيرة