ما الذي حدث للمعجزة اليابانية؟
آخر تحديث: 2010/7/26 الساعة 13:53 (مكة المكرمة) الموافق 1431/8/15 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/7/26 الساعة 13:53 (مكة المكرمة) الموافق 1431/8/15 هـ

ما الذي حدث للمعجزة اليابانية؟

ناوتو آخر الزعماء السياسيين الذين قطعوا وعودا بإحراز تقدم في الإصلاح الاقتصادي (الفرنسية–أرشيف)

تبدو عجلة النمو الاقتصادي الآسيوي للناظر إليها مندفعة إلى المستقبل بحركة دائبة من شنغهاي إلى مومباي إلى جاكرتا، يسوقها الأمل في غد أفضل من اليوم.
 
لكن يبدو أن الدولاب الآسيوي قد لفظ اليابان فلم تعد قطبا من الأقطاب الدافعة له. فقد توقفت عن المساهمة في ديناميكية القارة ورسالتها.
 
فاليابان اليوم هي أرض السكون في قارة تندفع بقوة دائبة إلى الأمام بعد أن أثقلها عجز القادة السياسيين وذهول النخبة في شركاتها، وقلق أناسها إزاء المستقبل. فتجد اليابان نفسها مشدودة إلى الخلف، بينما تستمر آسيا مندفعة إلى المستقبل.
 
نقطة التجمد
وفي تحليل مطول حول أسباب تراجع قوة اليابان الاقتصادية بينما يعدو عدد من جيرانها إلى المستقبل، قالت مجلة تايم الأميركية إنه منذ "العقد الضائع" في تسعينيات القرن الماضي -الذي بدأ مع انهيار سوق الأسهم في بداية التسعينيات- ظل الاقتصاد الياباني عند نقطة التجمد.
 
فلم يعد هناك نمو اقتصادي حقيقي، كما عاني اليابانيون من غياب الرفاهية، بينما تراجع نفوذ المؤسسات الصناعية اليابانية في العالم. وقد تفقد اليابان وضعها كثاني أكبر اقتصاد في العالم هذا العام للصين.
 
وكل بضعة أشهر يقذف الباب الدوار للسياسة اليابانية رئيس وزراء جديد ليصل عدد رؤساء الوزراء في الأربع سنوات الماضية إلى ستة. ويتعهد كل قادم جديد بتنفيذ الإصلاحات لكن التعهدات سرعان ما يبتلعها نظام اليابان السياسي المشلول. حتى إن رئيس الوزراء ناوتو كان اعترف بأن الجو العام هو "إحباط خانق".
 
وقال عندما تسلم مقاليد السلطة في الشهر الماضي "إن هناك شعورا متناميا بالقيد، شعورا غامضا بأن البلاد كلها تختنق".
 
ويعتبر كان آخر الزعماء السياسيين الذين قطعوا وعودا بإحراز تقدم في إصلاح وضع البلاد.
 
لكن الوقت للأسف لا ينتظر اليابان. فبعد أزمة الدين اليوناني بدأ المستثمرون في تقليب الأمور بالنسبة للدول التي تعاني مالياتها من أزمات. ولا يغيب عنهم أن اليابان في أعلى القائمة.
 
فقد أثقلت ديون تراكمت بسبب سوء الإدارة المالية للبلاد على مدى عقود كاهل الحكومة، بحيث وصلت المديونية إلى نحو 200% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي الأعلى بين الدول الصناعية.
 
وتتعاظم الضغوط على رئيس الوزراء كان لتطبيق إجراءات تقشف شديدة.
 
ويقول مدير قسم الدراسات الآسيوية في جامعة تمبل في اليابان ديفري كنغستون إن هناك إدراكا بأن الأمر لن يظل على حاله "إن المشكلة هي أن الناس لا يعلمون ما يخبئه المستقبل. ومشكلات اليابان تتفاقم بينما البلاد تفتقر إلى القيادة".
 
ومن عدة أوجه، يشبه حاضر اليابان مستقبل الولايات المتحدة وأوروبا الغربية.
 
فمنذ مدة طويلة تصارع اليابان عدة مشكلات: مجتمع يشيخ، كارثة مالية، وضعف في التنافسية. وقد بدأ الغرب يواجه ذات المشكلات.
 

متوسط أجر العامل الياباني لم يتغير لسنوات  (الفرنسية)

والكفاح الذي تقوم به اليابان من أجل الخروج من هذا الوضع يعكس مخاطر التقاعس عن اتخاذ القرار، والسماح للحسابات السياسية المحلية وغياب المرونة الأيدولوجية بأن تتفوق على البراغماتية الضرورية في عالم متغير.
 
وما يجعل قصة اليابان أكثر إحباطا هو أنها منذ وقت ليس ببعيد كانت في طليعة دولاب الحركة في العالم، حتى إن نظامها الاقتصادي الذي تسيطر عليه البيروقراطية كان ينظر إليه على أنه قوة نمو دافعة، ويعتبر أعظم من النظام الاقتصادي الحر في الغرب.
 
خلق وخنق المعجزة
لكن السياسات والممارسات التي خلقت المعجزة اليابانية هي ذاتها التي خنقتها.
 
فقد بقيت اليابان ملتزمة بذات النموذج للنمو الذي استخدمته لصنع المعجزات على مدى سنوات طويلة. وتمثل هذا النموذج في بيروقراطية صنع القرار السياسي والرغبة العارمة في مضاعفة الصادرات والإنتاج الصناعي، رغم أنها لم تعد تتناسب مع اقتصاد اليابان الحديث والمرتفع التكلفة، ومع ضرورة المحافظة على بقاء البلاد كمنافس قوي في العالم.
 
وبالرغم من أن القطاع المالي في اليابان استطاع أن يتفادى الانهيار المالي الذي سببته قروض الرهن العقاري في الولايات المتحدة، فإنها تأثرت بصورة أكبر بسبب الركود العالمي. فقد هبط اقتصادها في العام الماضي بنسبة 5.2% بالمقارنة بـ2.4% لاقتصاد الولايات المتحدة.

وبالرغم من أن الشعب الياباني لا يزال الأغنى في آسيا على أساس دخل الفرد، فإن هذا الغنى توقف عن الزيادة.
 
ففي سوق العمل المضطرب والمحمي مثل أسواق غرب أوروبا، يضطر واحد من كل ثلاثة عمال إلى العمل بنظام العقود أو العمل المؤقت، مما يمنعهم من الحصول على الأمن الوظيفي وعلى المميزات الضرورية والأجور العالية والتدريب، ويؤدي ذلك بالتالي إلى إضعاف قوة الاستهلاك التي تحتاجها البلاد لاستعادة النمو.
 
فمتوسط أجر العامل حاليا -وهو 3400 دولار شهريا- هو ذاته المبلغ الذي كان سائدا في العام الماضي وفي منتصف التسعينيات، بينما انخفض دخل الأسرة العاملة من 5300 دولار في الشهر بنسبة 4.6% في 2009 بالمقارنة مع العام السابق.
 
ويقول أستاذ العلوم السياسية بجامعة تكوهوكو كازونوري كاوامورا إن اليابان لا تزال تتوق إلى النظام الاقتصادي القديم الذي يمنع ظهور صناعات جديدة. ويضيف أن البيروقراطيين يخلقون النظام الذي ينفعهم ولا يرغبون في الاستثمار في شيء قد يحمل في طياته احتمالات الفشل. ولذا يفضلون الاستثمار في شيء معروف قديم. ويقول كاوامورا "إننا بحاجة إلى فصل البيروقراطيين عن الاقتصاد".
 
وسعت حفنة من السياسيين الجريئين مثل جونيشيرو كويزومي إلى دفع الاقتصاد عن طريق المخاطرة.
 
لكن عدم نجاح إصلاحاتهم في دفع الاقتصاد جعلت فكرة الإصلاح ذاتها مشوشة لدرجة أن الحزب الديمقراطي الحاكم قام بحملات ضدها خلال الانتخابات العامة في العام الماضي.
 
انتزاع القوة من البيروقراطيين
ويحاول الحزب الإصلاح بطريقة أخرى. ويسعى كان إلى انتزاع قوة صنع القرار من البيروقراطيين ووضعها في يد الحكومة.

وتزداد الشكوك حول خطط كان بعد سنوات من الإنفاق المالي الضائع الذي سعت الحكومات السابقة من خلاله إلى حفز الاقتصاد، لكن دون جدوى.

ويرى الاقتصادي في مؤسسة هاي فريكوينسي إيكونومكس كارل وانبيرغ أن على الحكومة اليابانية اتخاذ إجراءات تقشف شديدة لخفض الدين العام. ويضيف في دراسة حديثة أنه لا يوجد حاليا أي سيناريو يستطيع خفض معدل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.
 
ويضاف إلى المشكلات التي تواجهها الحكومات أن المؤسسات الصناعية اليابانية تخسر بصورة مستمرة في الصناعات الرئيسية والأسواق في العالم جراء منافسة الصناعات الآسيوية خاصة الصينية والهندية والكورية الجنوبية.
 

سعت حفنة من السياسيين الجريئين مثل كويزومي لدفع الاقتصاد عن طريق المخاطرة  (رويترز) 

ويقول خبراء إن الشركات اليابانية لا تستوعب المواهب من الخارج، كما أنها لا تستهدف الاستثمار في شركات نامية جديدة في العالم.
 
وقالت تايم إنه بالرغم من التكنولوجيا المنافسة التي تستخدمها الشركات اليابانية، فإن البيروقراطية القديمة لا تزال تلف الاقتصاد مما يجعل إنشاء شركات جديدة أمرا صعبا.
 
فالنموذج الاقتصادي الياباني يحتاج إلى إعادة إصلاح شاملة لخلق فرص جديدة لجيل الشباب. كما أن اليابان بحاجة إلى إنهاء التوجه القوي نحو الإنتاج الصناعي وتطوير قطاع الخدمات عن طريق إنهاء البيروقراطية التي تخنق المنافسة. كما أنها بحاجة إلى إصلاح سوق العمل لدعم الأجور والإنتاجية والرعاية العمالية من أجل تعزيز إنفاق المستهلكين.
 
وبصورة أشمل فإن اليابان تحتاج إلى القفز إلى عربة العولمة عن طريق الانفتاح بصورة أكبر على الاستثمار الخارجي وعلى المواهب والخبرة الأجنبية. 
المصدر : تايم