هل تنهار وحدة أوروبا النقدية؟
آخر تحديث: 2010/5/23 الساعة 12:20 (مكة المكرمة) الموافق 1431/6/10 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2010/5/23 الساعة 12:20 (مكة المكرمة) الموافق 1431/6/10 هـ

هل تنهار وحدة أوروبا النقدية؟

الوحدة السياسية حلم أوروبي قديم (الفرنسية-أرشيف)
 
 
لا يختلف اثنان على أن أزمة اليونان هزت أركان الاتحاد الأوروبي وأثارت تساؤلات حول مقدرته على منع الاتحاد النقدي من الانهيار.
 
لكن القرار السياسي بالتعهد بتقديم تريليون دولار للاقتصادات التي قد تحتاج إلى إنقاذ في منطقة اليورو، جاء ليؤكد أن ثمة من يقول إنه لا يُسمح بفشل الوحدة النقدية التي توجت أكثر من نصف قرن سعت خلاله أوروبا إلى الوحدة الاقتصادية.
 
فقد بدأت فكرة اتحاد اقتصادي منذ أسس الاقتصادي الفرنسي جان موني الاتحاد الأوروبي لصناعات الفحم والصلب ورأسه منذ عام 1952 حتى عام 1955. وكان موني يعتقد أنه سيكون اللبنة الأولى في صرح اتحاد أوروبي اقتصادي وسياسي ينتهي بوحدة أوروبية شاملة.

ومن فلسفته أيضا أن تحقيق الوحدة بدون حرب يجب أن يكون عبر تخلي الدول عن سيادتها الوطنية شيئا فشيئا إلى أن تتلاشى وتقود إلى الاتحاد.
 
وفي 30 أبريل/نيسان 1952 قال موني "إن توحيد العمليات الاقتصادية سيجبر الدول على توحيد سياداتها في دولة أوروبية واحدة".
 
وفي 1957 أنشئت السوق الأوروبية المشتركة بناء على اتفاق روما، تبعتها بعد فترة طويلة -بسبب الوضع السياسي في أوروبا- اتفاقية ماسترخت عام 1992 التي أنشأت الاتحاد الأوروبي، ثم تلاها إعلان السوق الأوروبية الموحدة عام 1993.
 
الاقتصاد سيقود للوحدة
ويشرح الكاتب البريطاني أدريان هلتون ذات الفكرة بالقول إن الدول الأوروبية ستقاد عبر خطوات -هدفها الظاهر اقتصادي- إلى توحيد أوروبا.
 
فهل وصلت أوروبا حاليا إلى نقطة يلتقي فيها التكامل الاقتصادي مع الاتحاد السياسي؟ ربما.
 
فقد واجهت العملة الأوروبية الموحدة التي تمثل الاتحاد النقدي لـ16 دولة تضم الدول الأقوى اقتصاديا في أوروبا -ما عدا بريطانيا- أول اختبار حقيقي لها.
 
والواضح أن اليورو أنشئ في الأصل ليشجع الدول الأوروبية على الوصول إلى اتحاد أوروبي وليس فقط كممثل نقدي للقارة. ففي واقع الأمر كان الاتحاد الاقتصادي الأوروبي وضعا قائما أسست له السوق الأوروبية المشتركة.
 
ويقول جون براون -وهو عضو سابق بالبرلمان البريطاني وصديق مقرب من رئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت ثاتشر- في وصفه لليورو، إنه استطاع بنجاح كبير "خلق إرادة بين الطبقات السياسية تؤيد اتحادا أوروبيا رغم تصويت المواطنين الأوروبيين عدة مرات للاحتفاظ بسيادة دولهم بصفة فردية".
 
فولكر يعتقد بأن اليورو سيجتاز الأزمة
(الفرنسية-أرشيف)
وقد سارت تجربة اليورو رغم تحذير كبار اقتصاديي المفوضية الأوروبية للسياسيين بأن التجربة قد تنهار أمام أزمة خطيرة. وقد بنوا هذا الافتراض على أساس أنه ليس لدى الاتحاد الأوروبي وزارة خزانة أو مؤسسة مشتركة تعنى بالمديونيات.
 
كما أكد أكاديميون ومستثمرون ضعف اليورو منذ نشأته بسبب غياب الوحدة السياسية الأوروبية.
 
وفي أول أكتوبر/تشرين الأول 2008 قالت صحيفة ديل تلغراف البريطانية "سيأتي اليوم الذي يواجه فيه الاتحاد الأوروبي أزمة اقتصادية تهدده".
 
وذهب رئيس الاحتياطي الاتحادي الأميركي السابق بول فولكر إلى القول في مقابلة صحفية مؤخرا "إن معظم الاقتصاديين الأميركيين كانت تساورهم الشكوك إزاء مقدرة اليورو على البقاء عند إنشائه عام 1999 بسبب نظامه الغريب". وأضاف "إنني أستطيع القول بأن 99% من اقتصاديي أميركا قالوا بأن فكرة اليورو لم تكن جيدة".
 
لكنه أوضح أنه كان مؤيدا للفكرة ولا يزال، بل إنه يعتقد بأن اليورو سيجتاز الأزمة بجهود أوروبية قوية ومنسقة.

وفي فبراير/شباط الماضي قال أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد مارتن فيلدستاين -الذي سبق أن حذر من أن الاتحاد الأوروبي قد يواجه خلافات سياسية بسبب اليورو- إن العملة الأوروبية الموحدة "لم تعد تستطيع الاستمرار". وقال المستثمر جورج سوروس في ذات الشهر "إن العملة الأوروبية قد تنهار".
 
افتراضات ليست غائبة
فهل كانت هذه الافتراضات غائبة عن سياسيي الاتحاد الأوروبي؟ بالطبع لا، لكن الرؤية مختلفة. فقد رأى الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية رومانو برودي أن الأزمة "قد تسرّع الخطوات إلى إنشاء حكومة اقتصادية للاتحاد الأوروبي".
 
وبتتبع تصريحات المسؤولين الأوروبيين حول نفس الموضوع نصل إلى ما قاله في فبراير/شباط الماضي الرئيس الحالي للاتحاد الأوروبي هيرمان فان رومباي رئيس وزراء بلجيكا السابق والاقتصادي المخضرم بأن "الأزمة كشفت ضعفنا.. إن التطورات الأخيرة في منطقة اليورو تسلط الضوء على الضرورة الملحة لتعزيز حكومتنا الاقتصادية".
 
وفي الشهر ذاته قالت مسؤولة العلاقات الخارجية بالاتحاد الأوروبي كاثرين آشتون "إن هناك حاجة إلى اتحاد سياسي أكبر". وأضافت في مؤتمر ميونيخ للأمن "يجب علينا حشد جميع إمكانات نفوذنا السياسية والاقتصادية وأدواتنا المدنية والعسكرية لإدارة الأزمات من أجل إستراتيجية سياسية موحدة". وتابعت "إن الأيام التي كانت تعتبر فيها السياسة الاقتصادية الموحدة للاتحاد الأوروبي مجرد حديث هي أيام معدودة".
 
فهل ستقود السياسة أوروبا في النهاية إلى الوحدة بعدما أسست لها الوحدة النقدية منذ نصف قرن؟
 
يبدو أن أوروبا لن تتخلى عن الهدف السياسي، فقد تبنت خطة الإنقاذ لمساعدة الاقتصادات الضعيفة في حالات الأزمة، وتعهدت بتقديم 110 مليارات يورو خلال ثلاث سنوات لإنقاذ اليونان. فهل كان ذلك من أجل إنقاذ أثينا؟
 
لقد أثار دخول اليونان إلى السوق الأوروبية المشتركة عام 1981 تساؤلات كثيرة بسبب وضع اقتصادها. لكن وضعها الجيوسياسي وعضويتها في حلف الناتو استوجب دعم عضويتها بالاتحاد الأوروبي من قبل الولايات المتحدة. واليوم عندما جاء الدعم لليونان تزامن مع تعهد للدول الضعيفة الأخرى المعرضة للأزمة.
 
أشتون: هناك حاجة إلى اتحاد سياسي أكبر
(الفرنسية-أرشيف)
خيار وحيد
فلا خيار أمام أوروبا لتحقيق الهدف السياسي غير تقديم الدعم لمثل هذه الاقتصادات الضعيفة رغم التكلفة الهائلة التي قد تتحملها الدول الرائدة في الاتحاد -وأولها ألمانيا- رغم صعوبة الأزمة وعمقها وعدم وجود آليات واضحة لحلها. وسبب ذلك أن تأسيس الاتحاد النقدي أبقى الاختلالات في السياسات المالية بسبب عدم وجود اتحاد سياسي.
 
كما أنه لا توجد آليات لخروج مثل هذه الاقتصادات الضعيفة من الاتحاد. بمعنى أن خروج اليونان التي حققت فوائد كبيرة من انضمامها إلى الوحدة النقدية -على سبيل الجدل- قد يقودها إلى وضع أسوأ مما هي عليه الآن بسبب التكلفة الباهظة التي ستتحملها في تجربة غير مضمونة النتائج. كذلك الحال بالنسبة للاقتصادات الأخرى مثل البرتغال وإسبانيا.
 
وحتى بافتراض أن هذه الدول أو بعضها فضل الخروج من الاتحاد الأوروبي، فإن اقتصادات الدول الثلاث لا تمثل إلا 18% من الناتج المحلي الإجمالي للاتحاد.
 
وجاء في تحليل نشرته مجلة نيوزويك في فبراير/شباط الماضي "إن عقد الاتحاد الأوروبي لن ينفرط بسبب خروج بعض الدول الضعيفة منه، لكن فقط إذا شعرت الدول القوية أنها لا تستفيد من الوحدة النقدية".
المصدر : الجزيرة