السياسيون البريطانيون منشغلون بمسائل لا يعترفون بأنها هامشية (الفرنسية – أرشيف)

بينما تشتد المنافسة بين حزبي العمال والمحافظين قبيل الانتخابات العامة البريطانية التي ستجرى أوائل مايو/أيار يتعهد السياسيون في الطرفين بتصحيح الوضع الاقتصادي في وقت تعاني بريطانيا من أزمة مالية أعمق مما يظهر على السطح.

 

ويقول جون مولتون رئيس مؤسسة بتر كابيتال الاستثمارية التي استطاعت انتشال مؤسسة ريدرز دايجست مؤخرا من أزمتها المالية، إن بريطانيا تعاني من أزمة مالية أسوأ بكثير مما يعتقد البعض.

 

ويضيف في مقال نشرته صحيفة إندبندت الاثنين أن هناك حاجة ماسة للقيام بعمل جوهري لتصحيح الوضع.

 

مسائل هامشية

ويشير مولتون إلى انشغال السياسيين البريطانيين في جدل بشأن مسائل لا يريدون أن يعترفوا بأنها هامشية.

 

وطبقا لمولتون فإن مسألة الدين العام البريطاني قضية خطيرة لدرجة أن سياسيي العمال أو المحافظين لا يريدون الاعتراف بها ويفضلون التحدث عن التغييرات الاقتصادية البسيطة التي يريدون القيام بها ويتجنبون في واقع الأمر الاعتراف بأنهم يشتركون في "مؤامرة ضد الشعب البريطاني".

 

والأسوأ أن وسائل الإعلام تسمح لهؤلاء السياسيين بالقيام بذلك لأنها تعتقد، كما يعتقد الساسة أنفسهم أن الشعب لا يريد سماع الأخبار السيئة.

 

ويقول مولتون "باختصار إننا شركاء في مؤامرة".

 

ويعود إلى منتصف سبعينيات القرن الماضي والتي وصفها بأنها أيام عصيبة لجأت فيها بريطانيا إلى صندوق النقد الدولي الذي فرض شروطه على المملكة المتحدة وعانى الشعب ما عانى بسبب ذلك من صراع صناعي إلى خسارة كبيرة في الوظائف.

 

"
تشير أرقام الخزانة إلى أن الديون البريطانية  ستزداد في خمس السنوات القادمة مع زيادة خدمة الديون وسيؤدي ذلك إلى إضعاف الاقتصاد ومنعه من النمو

"

في 1975 وصلت مديونية الحكومة البريطانية إلى ما يعادل 45% من الناتج المحلي الإجمالي وكانت المديونية تزداد بواقع 8% سنويا وهو ما دفع بريطانيا إلى أن تستجدي مساعدة صندوق النقد الدولي في 1976.

 

واليوم تعادل المديونية 65% من الناتج المحلي الإجمالي وتزداد بنسبة 13% سنويا. وليس هناك حاجة إلى اقتصاديين للتأكد أن الوضع حاليا أسوأ بكثير من 1975.

 

فقد كان الوضع في 1975 أفضل، عندما كان معدل البطالة نصف المعدل الحالي وعندما هبط الاقتصاد بنسبة لا تزيد عن سبع الهبوط الذي شهده الاقتصاد البريطاني في 2009. إضافة إلى ذلك كان حجم الديون غير المرئية أقل بكثير من الديون الحالية وتأتي في معظمها من صناديق المعاشات والتي ستتحملها الأجيال القادمة وتمثل حاليا نحو 125% من الناتج المحلي الإجمالي بالمقارنة بـ20% فقط في 1976.

 

وكان السبب في أزمة السبعينيات أن الدائنين شعروا بالقلق إزاء قدرة بريطانيا على تسديد ديونها. ولذلك ارتفعت الفائدة على الديون البريطانية إلى أكثر من 10%.

 

وكان التضخم يمثل مشكلة أكبر مما يمثل حاليا حيث خشي البريطانيون والأجانب آنذاك من أن تنخفض قيمة العملة بصورة كبيرة، وأن تقوم بريطانيا بتسديد ديونها بعملة ضعفت قيمتها بصورة كبيرة.

 

ولذلك توقف المستثمرون عن شراء الدين البريطاني وكان على صندوق النقد الدولي إنقاذ المملكة المتحدة.

 

وبصورة منطقية انهارت قيمة العملة وارتفعت قيمة الواردات كما ارتفع معدل التضخم.

 

وقد لاحظ البعض أن ذلك بدأ يحدث قبل بضعة أسابيع. فهل هناك سبب لقلق الدائنين حاليا؟

 

يجيب مولتون بالنفي لأن الحكومة لجأت إلى ما يسمى بالتخفيف الكمي، وهو مصطلح جديد ليحل محل طباعة العملة.

 

ولجأت الحكومة البريطانية إلى إصدار مائتي مليار جنيه (20% من الناتج المحلي الإجمالي) للحصول على ما يعادلها من الديون. ولذلك فإن هناك دائما إمكانية سداد الديون بشيء ما، بقيمة أقل.

 

وهذا بالطبع يعنى انخفاض قيمة الجنيه بينما تحاول الحكومة خفض أسعار الفائدة. أي أنها تسعى إلى خفض الديون عن طريق رفع معدل التضخم.

 

مركز الأزمة التالية

ويقول مولتون إنه يخشى أن تغير الأسواق تركيزها الحالي على ديون اليونان إلى اتجاه آخر في وقت توجد هناك أرقام اقتصادية بريطانية أسوأ من اليونان.

 

ويخشى أن تكون بريطانيا مركز الأزمة التالية بالضبط كما حدث للبنوك الكبرى المثقلة بالديون في العامين الماضيين, وقد تلجأ الأسواق واحدة بعد الأخرى إلى الهجوم على الدول المدينة مع فقدان الثقة.

 

"
في 1975  وصلت مديونية الحكومة البريطانية إلى ما يعادل 45% من الناتج المحلي الإجمالي وكانت المديونية تزداد بواقع 8% سنويا واليوم تعادل المديونية 65% من الناتج المحلي الإجمالي وتزداد بنسبة 13% سنويا
"

ويتزايد الإنفاق الحكومي البريطاني سنويا. وأنفقت الحكومة 1.36 جنيه مقابل كل جنيه حصلت عليه وقامت بسد العجز باستدانة 180 مليار دولار. وتشير أرقام الخزانة إلى أن الديون ستزداد في خمس السنوات القادمة مع زيادة خدمة الديون وسيؤدي ذلك إلى إضعاف الاقتصاد ومنعه من النمو. حتى إن تقديرات الموازنة توقعت انخفاض استثمارات الحكومة بما يعادل الثلث في خمس السنوات القادمة بالمقارنة مع أرقام العام الماضي وهو ما يعني ضعفا في النمو الاقتصادي.

 

ويتساءل مولتون "كيف نستطيع الخروج من الأزمة المالية قبل مطاردة الدائنين لنا؟".

 

ويقول إن هناك أربعة حلول: منها زيادة معدل التضخم لخفض المديونية، وزيادة الضرائب، وتحقيق النمو الاقتصادي، وخفض الإنفاق الحكومي.

 

لكنه يشير إلى أن زيادة معدل التضخم -كما حدث في السبعينيات والثمانينيات- أكدت أنها تتسبب في اضطراب اقتصادي، وأنها تضعف الاقتصاد بصفة دائمة. أما زيادة الضرائب فلن توصل إلى النتيجة المرجوة لأن بريطانيا تحتاج إلى خمسين مليار جنيه أو أكثر سنويا لمنع زيادة مديونيتها وهي مسألة مثيرة للجدل السياسي وقد تضطر الشركات والأفراد إلى الهروب للخارج.

 

أما الخيار الثالث وهو النمو الاقتصادي فإن الواقع يقول إنه في عشر السنوات السابقة انخفضت مقدرة الاقتصاد البريطاني على النمو بسبب زيادة نسبة القطاع العام في الاقتصاد إلى 50% من 40%.

 

وأخيرا فإن الخيار الأخير وهو خفض الإنفاق يعنى أيضا خسارة مئات الآلاف من الوظائف وهو حل باهظ الثمن بحساباته السياسية والإنسانية. لكن بريطانيا قد تضطر إلى هذا الحل في وقت ما وإلا فإن الأسواق ستوقف شراء الدين البريطاني مما يرفع سعر الفائدة في بريطانيا بسرعة وبقوة وسيضطر صندوق النقد الدولي إلى فرض تلك الشروط على بريطانيا, وستملي الأسواق شروطها.

 

ويقول مولتون إن زيادة المديونية تعني إلقاء أعبائها على الأجيال القادمة.

 

ويضيف أن الساسة البريطانيين يعرفون هذه الحقائق لكنهم يخشون من أن يكونوا أول من يعترف بها خوفا من قتل آمالهم الانتخابية. ويؤكد أن هناك حاجة إلى ظهور قيادة سياسية جادة فبريطانيا بحاجة حاليا إلى علاج أساسي وليس إلى عملية تجميلية.

المصدر : إندبندنت