موازنة أوباما ترسم صورة لدولة تشبه مالكي المساكن الأميركيين الذين لا يستطيعون الإفلات من الأزمة (رويترز)

وسط كومة من الإحصاءات المذهلة للموازنة الاتحادية الأميركية يبرز رقمان هما الأكثر إثارة للدهشة بسبب مقدرتهما على إحداث تحول كبير في السياسة الأميركية ونفوذ الولايات المتحدة في العالم.

الرقم الأول يتعلق بالعجز المتوقع في السنة المالية القادمة التي تبدأ في أول أكتوبر/تشرين الأول والذي يبلغ 11% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة.

 

وتقول صحيفة نيويورك تايمز في تحليل لتقديرات الموازنة إن هذا الرقم غير مسبوق في تاريخ الموازنات الأميركية.

 

فقد عانت المالية الأميركية خلال الحرب الأهلية وخلال الحربين العالميتين الأولى والثانية من ارتفاع العجوزات لكن مع توقعات بانخفاضها بعد توقف الإنفاق الحربي.

 

أما الرقم الثاني المثير للدهشة والذي تم دسه في عمق إحصاءات الموازنة فهو توقعات الرئيس أوباما بعدم عودة العجز إلى مستوى يمكن السيطرة عليه في عشر السنوات القادمة.

 

فبعد انتهاء فترتي رئاسة لأوباما -على أطول تقدير- أي في عامي 2019 و2020 فإن العجز سيبدأ في الارتفاع بقوة مرة أخرى إلى أكثر من 5% من الناتج المحلي الإجمالي.

 

وترسم موازنة أوباما صورة لدولة تشبه صورة مالكي المساكن الأميركيين الذين لا يستطيعون الإفلات من الأزمة.

 

وقالت نيويورك تايمز إنه بالنسبة لأوباما ومن سيأتي بعده من رؤساء فإن هدف هذه التوقعات واضح، وهو أنه إذا لم تحدث معجزة في النمو الاقتصادي أو تنازلات سياسية معجزة تستطيع خلق تحول غير متوقع خلال العقد القادم فإنه لن تكون هناك فرصة للقيام بمبادرات محلية سواء بالنسبة لأوباما أو للرؤساء اللاحقين.

 

وفي ذلك يكمن احتمال تعرض الولايات المتحدة للمرض الذي عانت منه اليابان في العقد الماضي. ففي الوقت الذي تعاظمت فيه المديونية بسرعة أكبر من العائدات انحسر نفوذ الدولة في العالم.

 

المديونية والنفوذ

ويعيد هذا الوضع إلى الأذهان التساؤل الذي طرحه كبير مستشاري الرئيس أوباما الاقتصاديين لورنس سمر قبل دخوله الحكومة قبل عام وهو "إلى متى تستطيع أكبر دولة مدينة في العالم أن تظل الدولة الأقوى؟".

 

إن القيادة الصينية التي تقرض الكثير من المال للحكومة الأميركية لتمويل إنفاقها والتي وجهت أسئلة محددة عن موازنة أوباما عندما زار أعضاء منها واشنطن في الصيف الماضي، تقول إنها تعتقد أن الإجابة على هذا السؤال على المدى البعيد جلي بذاته. إن الأوروبيين أيضا سيجيبون عليه بالقول إن المسألة تمثل قلقا لهم في العقد القادم.

 

وقد أشار أوباما إلى القلق الذي يساوره عندما أعلن في ديسمبر/كانون الأول الماضي أنه يعتزم إرسال ثلاثين ألف جندي إضافي إلى أفغانستان لكنه في ذات الوقت ألح بأن الولايات المتحدة لا تستطيع البقاء هناك لمدة طويلة.

 

وقال مخاطبا مجموعة من الطلاب المتخرجين من قاعدة ويست بوينت "إن رخاءنا يمثل الأساس لقوتنا". وأضاف أن هذا الرخاء "ينفق على جيشنا ويضمن دبلوماسيتنا ويستغل طاقات شعبنا ويسمح بالاستثمار في صناعات جديدة".

 

ثم أوضح كيف أن ما سماه بـ"الحرب الضرورية" التي وصف بها الحرب في أفغانستان في الصيف الماضي لا يمكن أن تطول. وقال "لهذا السبب فإن بقاء قواتنا في أفغانستان لا يمكن أن يكون مفتوحا بلا نهاية".

 

موازنة واضحة

إن موازنة أوباما تستحق التقدير بسبب وضوحها، فهي غير مطلية بصورة مبالغ فيها كما أنها تتماشى وحجم المشكلة.

 

فبالمقارنة ظل الرئيس السابق جورج دبليو بوش يدعي حتى قرب نهاية ولايته الرئاسية أنه سيترك البيت الأبيض بموازنة متوازنة، لكنه لم يستطع حتى الاقتراب من ذلك الهدف، بل إن العجز تفاقم في سنواته الأخيرة.

 

وأعلن أوباما توقعاته للعقد القادم لتوضيح أن العقدة المتمثلة في رفض الجمهوريين التحدث عن زيادة الضرائب بينما يرفض الديمقراطيون التحدث عن البرامج الحكومية الموجهة لمساعدة الأشخاص والشركات، لا يمكن أن تستمر.

 

ووصفة العلاج التي يقترحها أوباما هو أنه يجب أن تتفاقم المشكلة بحيث يزداد الإنفاق والعجز لخفض معدل البطالة قبل أن يمكن احتواء العجز.

 

وأوضح سمرز في مقابلة صحفية يوم أمس الاثنين أن "الموازنة لا تتجاهل ضرورة خلق الوظائف وتعزيز النمو الاقتصادي في المدى القصير كما أنها تتخذ إجراءات مهمة لتحسين الثقة في المدى المتوسط".

 

وكان سمرز يعني بذلك تجميد الإنفاق في قطاعات غير الأمن القومي أي فيما يتعلق بخفض كلفة البرامج الصحية وعدم تجديد الخفض الضريبي الذي قدمه الرئيس السابق بوش للشركات والأسر التي يزيد دخلها عن 250 ألف دولار سنويا.

 

لكن سمرز قال "من خلال الموازنة واللجنة المالية سعى الرئيس إلى إيجاد فرصة لعمل تعديلات ضرورية قبل أن تحدث أية أزمة" (في إشارة إلى المديونية).

 

وبترجمة ذلك إلى عمل سياسي فإن الأمر يصبح أصعب وأصعب على إدارة واشنطن. فقد التزم الجمهوريون الصمت بشكل عام إزاء مسألة المديونية أثناء إدارة بوش. أما الديمقراطيون فقد وصفوه بالشر الضروري خلال الأزمة الاقتصادية التي عصفت بإدارة أوباما في عامها الأول.

 

الإرادة السياسية

إن المصلحة في حلول طويلة الأمد تبدو محدودة. وكما قالت إيزابيل سوهيل من معهد بروكنغز في مقابلة أمس الاثنين "إن المشكلة هنا لا تتعلق بالنزاهة بل بالإرادة السياسية".

 

وما يدعم نظرية غياب الإرادة السياسية ما عبر عنه جيمس كي غالبريث من جامعة تكساس عندما قال "إن توقعات مدتها عشرة أعوام لا تنطوي على مصداقية". ومثال ذلك توقعات لإدارة الرئيس السابق بل كلينتون.

 

ويضيف غالبريث أن تمويل النمو في القطاع الخاص هو الذي استطاع إنقاذ الرئيس كلينتون من تفاقم عجز توقعه بنفسه.

المصدر : نيويورك تايمز