الصين ستكون عاملا أساسيا في توجيه أسواق النفط في السنوات القادمة (رويترز)

يتوقع عودة الطلب العالمي على النفط إلى الارتفاع مرة أخرى مع زيادة الطلب في الصين واستمرار الاضطرابات في حوض نهر النيجر في نيجيريا وزيادة القلق في منطقة الخليج.
 
وقد انخفض الطلب على النفط في العامين السابقين بسبب الركود, ولم يحدث ذلك منذ ثمانينيات القرن الماضي.
 
وقالت صحيفة نيويورك تايمز في تحليل إنه مع بدء خروج الاقتصاد العالمي من الركود ومع استمرار التوترات السياسية سيعود الاستهلاك للارتفاع خاصة في آسيا والشرق الأوسط.
 
لكن السوق هذه المرة ستكون مهيأة أكثر من السابق لتحمل الأزمات.
فبعد انخفاض الطلب وصلت الطاقة الفائضة لدى أوبك حاليا إلى نحو ستة ملايين برميل يوميا، مما يمثل نحو 7% من الطلب الحالي، معظمه في السعودية وحدها.
 
وأوضحت الصحيفة أن هذه الطاقة الزائدة سوف تساعد السوق في تجنب الأزمة الناتجة عن زيادة الطلب مثلما حدث في الفترة بين عامي 2003 و2008 عندما ارتفعت الأسعار بسبب ارتفاع الطلب وانخفاض الإمدادات وهبوط الطاقة الفائضة إلى أقل من مليوني برميل يوميا.
 
"
الطلب في الدول الصناعية وصل إلى ذروته والصين هي اللاعب الرئيسي حاليا في سوق استهلاك الطاقة
"
الصين والعراق
وقالت نيويورك تايمز إن مستقبل أسعار النفط يرتبط بما سيحدث في الصين والعراق اللذين يمثلان التحديات الأكبر لشركات النفط فيما يتعلق بمواجهة الطلب في العالم على المدى البعيد.
 
ويقول محلل شؤون النفط ببنك باريبا في باريس تاري تشيلنغريان إن السؤال الأهم يتعلق بمدى سرعة الانتعاش الاقتصادي في العالم.
 
وتتوقع وكالة الطاقة الدولية ارتفاع الطلب على النفط هذا العام بمعدل 1.4 مليون برميل يوميا إلى 86.3 مليون برميل أي بزيادة 1.7% بالمقارنة مع العام الماضي. لكن الزيادة في الطلب هذه المرة لن تأتي من الدول الصناعية الكبرى مثل الولايات المتحدة وأوروبا واليابان التي تمثل 60% من مجمل الطلب على النفط في العالم.
 
ويقول رئيس معهد كامبردج لأبحاث الطاقة دانييل يرغين إن الطلب في الدول الصناعية وصل إلى ذروته وإن الصين هي اللاعب الرئيسي حاليا في سوق استهلاك الطاقة.
 
وما سيحدث في الصين في السنوات القادمة سيكون أساسيا فيما يتعلق باتجاه أسواق النفط.
 
فقد جاء أكثر من نصف نمو الطلب على النفط في الفترة بين 2003 و2008 من الصين. وعندما انخفض الطلب في معظم أنحاء العالم في العام الماضي كانت الصين الوحيدة التي شهدت نموا قويا في الطلب على النفط مع زيادة استهلاكها المحلي بنسبة 5.7% سنويا.
 
ويتوقع محللون ارتفاع الطلب على النفط في الصين بصورة أسرع. ففي العام 2009 فاقت مبيعات السيارات بالصين المبيعات في الولايات المتحدة، وهو تطور لم يتوقع المحللون أن يحدث قبل العام 2018 أو 2020.
 
ويقول دانييل يرغين إنه في حال استمرار الاتجاه الحالي في الصين فإنها ستتفوق على الولايات المتحدة في استهلاك النفط بنهاية العقد الحالي إلا إذا غيرت توجهها إلى الغاز وإلى السيارات الكهربائية.
 
مواجهة زيادة الطلب
وفي منتدى دافوس الاقتصادي في الشهر الماضي قال رئيس شركة "برتش بتروليوم" توني هيوارد إن التحدي  الذي يواجه شركات النفط حاليا هو كيف يمكن مواجهة الزيادة في الطلب على النفط والمحافظة في الوقت ذاته على عدم ارتفاع الأسعار.
 
ورغم هبوط الطلب في العامين الماضيين بسبب الركود الاقتصادي العالمي، لم تخفض شركات النفط إنفاقها على عمليات الاستكشاف والتطوير.
 
وقالت شركة إكسون موبيل إنها تعتزم إنفاق ما بين 25 و30 مليار دولار سنويات في الخمس سنوات القادمة لاستكشاف وتطوير مشروعات للغاز والنفط في العالم. لكن الشركات تجد حاليا من الصعب استخراج المزيد من النفط من الحقول المتقادمة.
 
ويتم حاليا تطوير حقول جديدة في البرازيل وكزاخستان لكنها لن تبدأ الإنتاج قبل 2015 على أقرب تقدير. وفي بقية العالم سيشهد عدد قليل من الدول زيادة كبيرة في الإنتاج.
 
وقد يمثل فتح حقول النفط العراقية للمستثمرين الأجانب نقطة حاسمة للصناعة. فقد هرعت معظم شركات النفط العالمية إلى العراق رغم تحفظها في بادئ الأمر على بعض شروط العقود.
 
وبالنسبة لشركة شل أو إكسون فإنه لا توجد دولة أخرى في العالم توفر فرصة اكتشافات جديدة لزيادة الاحتياطيات.
 
"
إذا استطاع العراق وشركاؤه الأجانب زيادة الإنتاج بمقدار 1.5 مليون برميل يوميا فقط في الخمس سنوات القادمة، فإن هذه الكمية سوف تسهم إسهاما كبيرا في تخفيف الضغوط على أسعار النفط
"
ويقول المحلل بمؤسسة بي أف سي إنرجي الاستشارية في واشنطن دفيد كيرش إن "عودة العراق تغير  ديناميكية السوق".
 
ويسعى العراق إلى زيادة إنتاجه بسرعة لمنافسة السعودية في نهاية العقد الحالي. وقد يرتفع إنتاجه إلى 12 مليون برميل يوميا من 2.4 مليون حاليا.
 
لكن مسؤولي صناعة النفط لا يثقون كثيرا بهذا السيناريو. ويقول هؤلاء إن العراق يفتقر إلى البنية الأساسية التي تحتاجها شبكات خطوط النفط إضافة إلى عدم قدرة منافذ التصدير على استيعاب هذا النمو السريع المزمع، ناهيك عن افتقاره إلى العمالة المؤهلة لاستمرار هذه الزيادة في الإنتاج. ورغم تحسن البيئة الأمنية فإن هناك شكوكا كبيرة بشأن استقرار البلاد السياسي.
 
لكن إذا استطاع العراق وشركاؤه الأجانب زيادة الإنتاج بمقدار 1.5 مليون برميل يوميا فقط في الخمس سنوات القادمة, وهو هدف متواضع وممكن تحقيقه، فإن هذه الكمية سوف تسهم إسهاما كبيرا في تخفيف الضغوط على أسعار النفط.
 
عودة العراق
ويقول دفيد كيرش إن عودة العراق إلى الساحة النفطية والتي قد تصطدم بمعوقات، قد تمثل فترة تحول جديدة لأوبك التي ستواجه ضرورة استيعاب زيادة إنتاج العراق في السنوات القادمة.
 
وهذه مشكلة لا يريد مسؤولو منظمة أوبك معالجتها حاليا. ويقول الأمين العام للمنظمة عبد الله البدري إنه لن تكون هناك حاجة لتحديد حصة إنتاج للعراق في خمس سنوات أخرى.
 
العراق يفتقر إلى البنية الأساسية التي تحتاجها شبكات خطوط النفط (رويترز)
ولذلك فإن مسألة إدارة أسعار النفط ستبقى في أيدي حفنة من الدول تقودها السعودية التي تقع عليها مسؤولية استعادة التوازن للسوق بسبب عودة التوترات السياسية وانخفاض صادرات نيجيريا.
 
ويزداد التوتر السياسي في الخليج بينما تسعى الولايات المتحدة إلى زيادة الضغوط على إيران بسبب برنامجها النووي.
 
ويشير المحلل بمؤسسة يوراسيا الاستشارية غريغ بريدي إلى القلق من احتمال انتهاء خطط الحفز الاقتصادي وجفاف أموالها.
 
ويقول بريدي إن ذلك يمثل قلقا للسعودية، إذ إن السعوديين يريدون أسعارا معتدلة ويخشون ركودا عالميا عميقا. في الوقت نفسه يريد السعوديون "المحافظة على الأسعار في مستوى يسمح لموازنتهم بتحقيق فائض، والتسبب في عجز لموازنة إيران بهدف استمرار الضغوط عليها".

المصدر : نيويورك تايمز