بمساعدة وول ستريت ساهمت أميركا في عمليات تخطت فيها الديون الأوروبية الحد المسموح به (الفرنسية)

أسهمت سياسات المؤسسات المالية في وول ستريت التي ساعدت الحكومات الأوروبية في إخفاء حجم مديونياتها المتعاظمة، في تفاقم الأزمة المالية التي هزت اليونان والعملة الأوروبية الموحدة،  بالضبط كما كانت السبب في أزمة قروض الرهن العقاري المتعثرة بالولايات المتحدة.
 
وبينما يسود القلق أسواق العالم تظهر السجلات والمقابلات أنه بمساعدة وول ستريت أسهمت الولايات المتحدة في عمليات استمرت عقدا كاملا تخطت فيه الديون الأوروبية الحد المسموح به.
 
وتسري المخاوف في البنوك إزاء الوضع المالي في الدول الضعيفة الأخرى في منطقة اليورو مثل إسبانيا وإيطاليا والبرتغال.
 
غولدمان ساكس
وقالت صحيفة نيويورك تايمز إن صفقة واحدة أدارها بنك غولدمان ساكس ساعدت في إخفاء مليارات الدولارات من الديون من مراقبي الموازنات في بروكسل.
 
وحتى بعد أن وصلت أزمة اليونان إلى أوجها كانت البنوك تسعى إلى طريقة تساعد بها اليونان على تأخير يوم الحساب بالنسبة لأثينا. فقد وصل إلى أثينا في بداية نوفمبر/تشرين الثاني الماضي أي قبل ثلاثة أشهر من بلوغ الأزمة ذروتها وفد من غولدمان ساكس يحمل في جعبته اقتراحا للحكومة اليونانية التي تتعطش لطريقة تسدد بها الديون.
 
"
ساعدت الأدوات التي استخدمها غولدمان ساكس وجي بي مورغان ومجموعة كبيرة من البنوك الأخرى السياسيين في إخفاء المديونية المتزايدة لليونان وإيطاليا وربما دول أخرى

"
وطبقا لمطلعين على ما دار في اجتماعات أثينا تقدم الوفد الذي رأسه رئيس البنك غاري دي كون باقتراح يستطيع تأخير ديون نظام الرعاية الصحية اليونانية إلى مستقبل بعيد بطريقة تماثل لجوء أصحاب القروض العقارية بالولايات المتحدة إلى قروض ثانية لتسديد فواتير بطاقات الائتمان.
 
وقد نجحت الطريقة في الماضي. ففي 2001 بعد السماح لليونان بالدخول إلى عضوية منطقة اليورو ساعد غولدمان ساكس أثينا على اقتراض مليارات الدولارات، طبقا لمطلعين على الصفقة.
 
وقال هؤلاء إن الصفقة التي أخفيت وتم التعامل معها على أساس أنها صفقة تجارة عملة وليست قرضا ساعدت اليونان في الوفاء بالالتزامات الأوروبية الخاصة بالعجز بينما استمرت في الإنفاق بصورة تفوق العائدات.
 
دور وول ستريت
ويبدو أن أثينا لم تتابع الاقتراح الأخير لتنفيذه لكن مع زيادة ثقل ديون اليونان واستعداد الدول الغنية الأوروبية لمساعدتها فإن مثل هذه الصفقات التي استمرت لعقد كامل تثير التساؤلات حول دور وول ستريت في آخر أزمة مالية عالمية.
 
وكما كان الحال بالنسبة لانفجار أزمة القروض المتعثرة وانفجار مؤسسة أميركان إنترناشيونال غروب للتأمين فإن المشتقات المالية لعبت دورا في مسيرة المديونية اليونانية.
 
فقد ساعدت الأدوات التي استخدمها غولدمان ساكس وجي بي مورغان ومجموعة كبيرة من البنوك الأخرى السياسيين في إخفاء المديونية المتزايدة لليونان وإيطاليا وربما دول أخرى.
 
وفي عدة صفقات في أوروبا وفرت المصارف النقد مقدما مقابل تسديد الحكومات في المستقبل، ليتم فيما بعد  شطب تلك الديون من حسابات البنوك.
 
وعلى سبيل المثال تخلت في مثل تلك الصفقات اليونان عن حقوقها في رسوم المطارات واليانصيب على مدى سنوات قادمة.
 
ويقول المنتقدون إن تلك الصفقات، بسبب أنها لا تسجل على أنها قروض، تستطيع تضليل المستثمرين وسلطات الرقابة الحكومية إزاء عمق مديونية الدول.
 
وتمثل أزمة اليونان أكبر تحد حتى الآن للعملة الأوروبية الموحدة وهدف القارة الأوروبية في الوحدة الاقتصادية.
 
إن اليونان، بلغة المصارف, أكبر من أن تترك لتغرق فهي مدينة للعالم بـ300 مليار دولار في حين أن البنوك في حاجة شديدة لهذه الأموال وسيكون لتخلف اليونان عن السداد وقع يشعر به العالم كله.
 
وبينما لم يوجه الاهتمام بالولايات المتحدة إلى تصرفات وول ستريت، وجه اللوم إليها بشدة في اليونان وفي مجلات مثل دير شبيغل الألمانية.
 
وقال غيكاس هاردوفيليس الاقتصادي والمسؤول الحكومي السابق الذي ساهم في إعداد سياسات اليونان المحاسبية إن السياسيين يريدون أن يلقوا بالكرة إلى الأمام، وإنهم سيسعون جاهدين في سبيل ذلك في حال قدم المصرفيون لهم حلولا تقذف بالمشكلات إلى عمق المستقبل.
 
"
تمثل أزمة اليونان أكبر تحد حتى الآن للعملة الأوروبية الموحدة وهدف القارة الأوروبية في الوحدة الاقتصادية.

"
وتقول نيويورك تايمز صحيح أن وول ستريت لم تخلق مشكلة المديونية الأوروبية لكن مصرفييها ساعدوا اليونان وآخرين على الاستدانة بأكثر من طاقتهم في صفقات قانونية. فهناك من القواعد القليل الذي يحكم كيفية استدانة الدول للأموال لتسديد نفقات الجيوش أو نظم الرعاية الصحية. فسوق ديون الحكومات حرة على مدى اتساعها.
 
مديونية الحكومات
ويقول غاري سكيناسي من قسم مراقبة أسواق رأس المال في صندوق النقد الدولي تستطيع الحكومات الخداع إن هي أرادت ذلك. وقد استغلت المصارف اقتراب الحكومات المسرفة منها.
 
ومع المنافع التي ترافقت مع إصدار العملة الأوروبية الموحدة جاءت أضرار أخرى. فقد دخلت دول أخرى مثل إيطاليا واليونان إلى الاتحاد النقدي بعجوزات تفوق الحد المسموح به في اتفاقية إنشاء اليورو.
 
وبدلا من زيادة الضرائب أو تخفيض الإنفاق لجأت هذه الدول إلى خفض عجوزاتها بطرق صورية عن طريق استخدام المشتقات بشكل خاطئ.
ويقول غوستافو بيغا أستاذ الاقتصاد الأوروبي إن المشتقات تصبح سيئة عندما تستخدم لإخفاء الحسابات.
 
وفي حالة اليونان فقد ذهبت المسألة إلى أبعد من ذلك بحيث رهن المسؤولون مطارات وطرق البلاد لجمع الأموال التي تحتاجها الدولة.
 
وقالت نيويورك تايمز إن الحكومة اليونانية استطاعت إخفاء القروض تحت مسميات عدة بدت مفيدة على المدى القريب لكنها كارثية بالتأكيد على المدى البعيد.

المصدر : نيويورك تايمز