الاحتجاجات في تونس كان لها دائما أبعادها الاجتماعية والاقتصادية (الفرنسية)

الجزيرة نت
 
جاءت الاحتجاجات في مدينة سيدي بوزيد لتلقي ظلالا كثيفة على ما تسميه الحكومة التونسية "المعجزة الاقتصادية"، حيث يرى محللون أن الأرقام التي تعلنها الدولة -وأثنت على بعضها المؤسسات المالية الدولية- لم تنجح في معالجة الوضع الاقتصادي والاجتماعي للشريحة الكبرى من المواطنين، وهو الهدف الأساسي لأي نمو اقتصادي.
 
ورغم أن العوامل التي أشعلت الاحتجاجات في محافظة سيدي بوزيد ومدنها وقبلها مدينة بنقردان في محافظة مدنين والرديف في محافظة قفصة يمتزج فيها القهر الاجتماعي بالإحباط السياسي، فإن التفاوت الجهوي والفقر والبطالة وانسداد الآفاق أمام الشباب كانت أسبابا جوهرية لانفجار الوضع، وفقا للمتابعين.
 
صورة براقة
وغالبا تعطي الأرقام الرسمية صورة براقة للوضع الاقتصادي في تونس على مدى حكم الرئيس زين العابدين بن علي، وتصف ما أنجز في العقدين الماضيين بأنه "معجزة اقتصادية".
 
وأكد وزير التنمية والتعاون الدولي التونسي محمد النوري الجويني للجزيرة أثناء أحداث سيدي بوزيد، أن الاقتصاد التونسي بخير ويحقق معدلات نمو جيدة، وأن الاحتجاجات الأخيرة لا تعني فشل الخيارات الاقتصادية والتنموية، رغم وجود بعض الثغرات.
 
وأشار الوزير إلى أن الدولة وضعت برنامجا تنمويا بقيمة خمسة مليارات دولار للتنمية في الجهات الأقل حظا في الوسط الغربي، خاصة محافظة سيدي بوزيد والكاف.
 
وتفيد أرقام رسمية أن نسبة البطالة ارتفعت في العام 2009 إلى 14.7% مقابل 14.2% سنة 2008، في حين تتجاوز النسبة في مناطق الوسط الغربي -حيث تقع محافظة سيدي بوزيد- والجنوب الغربي والجنوب النسبة الوطنية بكثير وفقا لخبراء الاقتصاد.
 
معضلة البطالة والفقر
وتشير المعارضة التونسية إلى أن الأرقام الحقيقية للبطالة والفقر في البلاد أكبر مما هو معلن، في ضوء غياب مؤسسات مستقلة يمكن أن تجري إحصاءات محايدة، وفي ظل حضور مطلق لبيانات السلطة.
 
كما تفيد دراسة للاتحاد العام التونسي للشغل (منظمة نقابية) أن 34.7% من سكان مدينة سيدي بوزيد ليس لهم أي مستوى تعليمي، ويمثل من لهم تعليم ابتدائي نسبة 34.4% من مجموع السكان.
 
ويعني ذلك أن 69.5% من سكان هذه الولاية هم بالفعل أميون وفقا لمفهوم منظمة الأمم المتحدة للتربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) للأمية.
 
وأشارت دراسة مولها البنك الدولي عن بطالة حاملي الشهادات العليا التونسيين إلى أنها ارتفعت إلى أكثر من 70% في صفوف الفنيين المهرة وأكثر من 31% بين المهندسين الزراعيين، وتتركز غالبية العاطلين في محافظات الوسط والجنوب والشمال الغربي.
 
كما تؤكد وثائق رسمية حول الإنفاق والاستهلاك ومستوى عيش الأسر لسنة 2005 أن نسبة الفقر مرتفعة جدا بمنطقة الوسط الغربي، حيث بلغت 12.8%، وهو ما يفوق ثلاثة أضعاف النسبة الوطنية التي تبلغ 3.8%.
 
"
أشارت دراسة مولها البنك الدولي عن بطالة حاملي الشهادات العليا التونسيين إلى أنها ارتفعت إلى أكثر من 70% في صفوف الفنيين المهرة وأكثر من 31% بين المهندسين الزراعيين
"
مشاكل بالجملة
ويقول محللون اقتصاديون إن هشاشة النمو وتقلباته وضعف كفاءته إزاء المعضلات المتفاقمة مثل البطالة والمديونية، والفجوة المالية والانكشاف الغذائي وتراجع الاستثمار وهجرة الأدمغة والكفاءات والفساد وغياب الشفافية واستفحال الحيف الاجتماعي من أبرز مشاكل الاقتصاد التونسي.
 
وعلى صعيد المديونية وصف تقرير البنك الدولي لسنة 2007 المديونية التونسية بأنها "ثقيلة نوعا ما"، إذ تقدر بنحو 18 مليار دولار أميركي.
 
كما يشير صندوق النقد الدولي إلى أن نسبة المديونية التونسية بلغت 68% من الناتج القومي الخام سنة 2005، وأنها ستصل إلى 47.5% في العام 2011.
 
وكانت الوثائق السرية الأميركية التي نشرها مؤخرا ويكيليكس عن تونس قد أشارت إلى تفش كبير لمظاهر الفساد والمحسوبية والرشوة في الأوساط المقربة من النظام ودوائره، وشبهت برقيات السفارة الأميركية المسربة محيط الرئيس بأنه أقرب إلى المافيا.
 
وقد كانت أوساط المعارضة التونسية تشير منذ سنوات إلى أن ثمار التنمية أفادت منها فئات مقربة من النظام، ولم تنعكس على المستوى المعيشي لغالبية أفراد الشعب، لكن صدى "المعجزة الاقتصادية" الذي تروج له الحكومة كان أكبر من كل الإشارات.

المصدر : الجزيرة