كان أوباما يأمل تغييرا في سياسة الصين النقدية لكن ما حصل عليه كان طفيفا (رويترز- أرشيف)

مِن تمسك الصين بسياستها النقدية إلى قتلها اقتراحا لوزير الخزانة الأميركي تيموثي غيثنر في قمة مجموعة العشرين في سول بشأن وضع قيود لاختلالات الحسابات الجارية في العالم، إلى وصف معلق صيني بارز لسياسة رئيس مجلس الاحتياطي الاتحادي بن برنانكي الخاصة بالتيسير الكمي بغير المسؤولة وبالخارجة عن السيطرة، كلها إشارات تفيد بأن لسان حال الصين يقول الآن "نحن السادة".
 
ويقول أستاذ إدارة الأعمال في كلية الأعمال بجامعة هارفارد وأستاذ التاريخ بالجامعة أيضا نيال فيرغسون في مقال نشرته صحيفة وول ستريت جورنال اليوم السبت "لا أدري إن كان الرئيس باراك أوباما أيضا قد رأى هاتين الكلمتين تطوفان برأس الرئيس الصيني هو جينتاو في قمة العشرين في سول في الأسبوع الماضي".
 
فقد كان أوباما يأمل في تغيير في سياسة الصين النقدية لكن ما حصل عليه كان طفيفا جدا.
 
"
الصين على وشك التفوق على الولايات المتحدة من حيث حصتها من الإنتاج الصناعي في العالم بعد أن تفوقت على ألمانيا واليابان في العشر سنوات الماضية
"
ويقول فيرغسون إن لازمة "نحن الآن السادة" سمعها عدة مرات من مسؤولين صينيين عندما كان يزور بكين قبل أسبوعين.
 
ويضيف أن الثقة المفرطة بالنفس التي أبداها اقتصاديون قابلهم في الصين كانت تعني أن شيئا ما حدث قد غير العلاقة بين الصين والغرب. فقد شرح شينغ سيوي خطة صينية تصبح الصين من خلالها رائدة في تكنولوجيا الطاقة النظيفة.
 
في حين بين مستشار البنك المركزي للصين سيان بين الحاجة إلى برنامج دقيق للخصخصة يشمل حتى قصر الشعب أو مبنى البرلمان. وعبر ديفد لي الأستاذ بجامعة تشينغهوا بلغة إنجليزية تخلو من الخطأ عن عدم رضاه عن كفاءة شهادات الدكتوراه الصينية.
 
من التجمد إلى الغليان
ويقول فيرغسون إن الوضع الاقتصادي في الصين كان متجمدا لعدة مئات من السنيين حتى القرن الماضي عندما كانت الدول الصناعية التي تتحدث الإنجليزية تتبعها دول شمال غرب أوروبا وتقود الاقتصاد العالمي.
 
وفي عام 1820 كان الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة يمثل ضعف مثيله الصيني. وفي عام 1870 زاد الفرق ليصبح خمسة أضعاف، وفي عام 1913 وصل إلى عشرة أضعاف.
 
وفي ثلاثينيات القرن الماضي ضرب الكساد أسس الاقتصاد الأميركي. لكن الصين شهدت أيضا تطورات أكثر قسوة مثل الحرب الأهلية والغزو الياباني والمجاعات.
 
وفي عام 1968 كان المواطن الأميركي العادي أغنى بـ 33 ضعفا من مثيله الصيني. فكيف تغير هذا الوضع؟
 
يقول فيرغسون إنه وجد من خلال أبحاث أجراها من أجل إصدار كتاب له أن ستة أسباب رئيسية كانت وراء ريادة الغرب للعالم، وهي: المنافسة، والثورة العلمية، وحكم القانون والحكومة التي تمثل الشعب، والريادة في قطاع الأدوية الحديثة، والمجتمع الاستهلاكي، والقواعد الأخلاقية للعمل.
 
وحذت الدول الآسيوية حذو اليابان في تقليد الغرب الصناعي منذ خمسينيات القرن الماضي لكن التقليد تغير الآن وأصبح انتقائيا.
 
فلم تهتم آسيا بالمنافسة أو بالحكومة التي تمثل الشعب بل كان التركيز على العلوم والأدوية وعلى المجتمع الاستهلاكي وعلى القواعد الأخلاقية للعمل.
 
وتعتبر سنغافورة مثلا الثالثة، بحسب إحصاءات المنتدى الاقتصادي العالمي، من حيث التنافسية. وتجيء هونغ كونغ في المركز الحادي عشر، تليها تايوان في المركزي الثاني عشر، بينما تجيء كوريا الجنوبية في المركز الثاني والعشرين، والصين في المركز السابع والعشرين.
 
وهذا الترتبيب يعكس تقريبا التأريخ لتحول هذه الدول إلى تغريب اقتصاداتها.
 
واليوم يمثل الناتج المحلي الإجمالي للصين 19% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بالمقارنة مع 4% عندما بدأ الإصلاح الاقتصادي في الصين قبل 30 عاما.
 
وقد بدأت الإصلاحات الاقتصادية في هونغ كونغ واليابان وسنغافورة في خمسينيات القرن الماضي، وبدأت في تايوان في 1970 وفي كوريا الجنوبية في 1975.
 
ويعتبر دخل الفرد في سنغافورة حاليا من الناتج المحلي الإجمالي أعلى منه في الولايات المتحدة بنسبة 21%، ومثل ذلك يقال بالنسبة لهونغ كونغ. وينخفض بنسبة 25% عنه في الولايات المتحدة بالنسبة لليابان وتايوان، وبنسبة 36% في كوريا الجنوبية.
 
اتجاه الصين
ويبدو أن الصين تسير في نفس الاتجاه في العقود القادمة.
 
وقد مثلت الصين أكبر وأسرع ثورة صناعية في العالم.
 

"
يمثل الناتج المحلي الإجمالي للصين حاليا 19% من الناتج المحلي الإجمالي للولايات المتحدة بالمقارنة مع 4% عندما بدأ الإصلاح الاقتصادي في الصين قبل 30 عاما
"

فقد استطاعت أن تزيد الناتج المحلي الإجمالي خلال 26 سنة فقط بعشرة أضعاف. لكن بريطانيا بالمقارنة احتاجت إلى 70 سنة بعد عام 1830 لتضاعف ناتجها المحلي الإجمالي بأربعة أضعاف فقط.
 
وطبقا لصندوق النقد الدولي فإن الناتج المحلي الإجمالي للصين بقياس الأسعار الحالية سيزيد عن 10% من الناتج المحلي الإجمالي للعالم في 2013.
 
ويقول بنك غولدمان ساكس الأميركي إن الناتج المحلي للصين سيتفوق على مثيله بالولايات المتحدة في 2027، مثلما تفوق على اليابان.

وبطريقة أو أخرى نحن أمام العهد الآسيوي.
 
فالصين على وشك التفوق على الولايات المتحدة من حيث حصتها من الإنتاج الصناعي في العالم بعد أن تفوقت على ألمانيا واليابان في العشر سنوات الماضية.

ولا أدل على سرعة تحول مركز القوة الاقتصادية في العالم من الغرب إلى الشرق، من الأزمة المالية للولايات المتحدة.
 
فمقياس الدين إلى العائدات بالنسبة لليونان يصل إلى 312% وهي تعاني من أزمة. أما بالنسبة للولايات المتحدة فتبلغ النسبة 358% طبقا لمورغان ستانلي.
 
وطبقا لمكتب الموازنة التابع للكونغرس الأميركي فإن خدمة الدين للولايات المتحدة سترتفع من 9% من عائدات الضرائب حاليا إلى 20% في 2010 وإلى 36% في 2030 وإلى 58% في 2040.
 
طباعة الدولار تعطي برهة للولايات المتحدة لالتقاط الأنفاس (الفرنسية)
طباعة الدولار
إن ما يعطي الولايات المتحدة برهة لالتقاط أنفاسها هو فقط الميزة التي تتمتع بها في قدرتها على طبع عملة الاحتياطي العالمي. لكن حتى هذه الميزة تستهدفها الحكومة الصينية حاليا.
 
فقد أذكت سياسة الولايات المتحدة الخاصة بالتيسير الكمي أو سياسة الحفز الاقتصادي حرب العملات بين الجانبين اللذين تبادلا الاتهامات والردود.

لكن هناك مصلحة مشتركة بين الجانبين. فالولايات المتحدة تطبع العملة لكن الصين لا تزال تربط عملتها بالدولار. فالخاسرون آخرون مثل إندونيسيا والبرازيل اللتين ارتفعت قيمة صرف عملتيهما منذ يناير/كانون الثاني 2008 بنسبة 18% و17% على التوالي.
 
لكن من المستفيد الأكبر من الشراكة؟ هل هي الولايات المتحدة أم الصين؟

إن الجواب على السؤال واضح حيث إن إنتاج الصين ارتفع بنسبة 20% بالمقارنة مع فترة ما قبل الأزمة المالية، بينما إنتاج الولايات المتحدة لا يزال أقل بنسبة 2%.
 
ويقول المسؤولون الأميركيون إن الصين بحاجة إلى الولايات المتحدة كما تحتاج الأخيرة إليها.
 
لكن الصين تخطط لخفض اعتمادها على الدولار كعملة احتياطي، ولدعم الصادرات.
 
وهدف هذه السياسة حاليا ليس السيطرة على العالم، كما هو مثال الاستعمار الغربي، بقدر ما هو مثال الدولة المهيمنة إقليميا والرافد الرئيسي في منطقة آسيا والهادئ.
 
وإذا جاز لي أن ألخص إستراتيجية الصين فإنني أقول إنها: استهلاك أكبر، واستيراد أكبر واستثمار أكبر في الخارج إضافة إلى إبداع صناعي أكبر.
 
وفي كل من الحالات الأربع تستطيع الصين الحصول  على حصة جيوسياسية معتبرة.
 
فبالاستهلاك الأكبر تستطيع الصين خفض فائضها التجاري فتعزز موقفها مع شركائها التجاريين. كما استطاعت من خلال تبني هذه السياسة أن تتفوق على الولايات المتحدة كأكبر سوق للسيارات في العالم.
 
وطبقا لوكالة الطاقة الدولية فإن الصين سوف تستهلك خمس الطاقة في العالم بحلول 2035, بزيادة بنسبة 75% عن عام 2008.
 
وفي عام 2009 استهلكت الصين 46% من مجمل استهلاك العالم من الفحم ومثل هذه النسبة من الألمنيوم والنحاس والنيكل والزنك.
 
كما استخدمت الصين في العام الماضي ضعف ما استخدمته الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي واليابان مجتمعة من الصلب.

مكاسب الشركاء التجاريين
وقد ترجمت هذه الأرقام إلى مكاسب للمصدرين في العالم.
 
فمثلت الصين 22% من أسواق الصادرات الأسترالية  الخارجية في 2009. وتستورد الصين 12% من صادرات البرازيل و10% من صادرات جنوب أفريقيا، وأصبحت أكبر مشتر للبضائع المصنعة من اليابان وألمانيا.
 
ويمثل النمو التجاري لتجارتها 5% من نمو التجارة في العالم.
 
وفي يناير/كانون الثاني الماضي استثمرت الصين 2.4 مليار دولار في 420 مشروعا في الخارج في 75 دولة ومنطقة معظمها في آسيا وأفريقيا.
 
فالاستثمار أيضا في الموارد الطبيعية لا يعني فقط تنويع إستراتيجية الصين حيث خفض تعرضها لمخاطر هبوط سعر صرف الدولار، لكنه أيضا يعطيها القوة المالية من خلال استخدام صندوقها السيادي.
 
وتشجع الصين حاليا الإبداع الصناعي. فليس ما يقال بأن الصين هي خط لتجميع منتجات كاليفورنيا صحيحا. فلدى الصين الخطط لكي تصبح رائدة في صناعة طواحين الهواء وألواح الطاقة الشمسية.
 
وهي بذلك سبقت ألمانيا في 2007 في إصدار براءات اختراع في المجالين.
 
وزاد عدد البراءات في هذه المجالات في 2008 في الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية عن عدد  البراءات في الغرب لأول مرة.
 
الصين أصبحت رائدة في صناعة طواحين الهواء (الفرنسية)
ألم فقدان العرش
إن الألم الذي يتركه صعود قوة جديدة  للعرش على القوة القديمة كبير. وقد كان من الممكن أن تكلف مقاومة بريطانيا لصعود ألمانيا الشيء الكثير. لذلك اختارت المملكة المتحدة الطريق الأسهل وهو الانضواء بهدوء تحت جناح الولايات المتحدة كشريك صغير.
 
فما هو دور الولايات المتحدة  حاليا؟ هل سيكون محاولة احتواء الصين أم التعامل معها؟

إن استطلاعات الرأي تشير إلى أن الأميركي العادي ليس لديه إجابة محددة على السؤال أكثر مما لدى الرئيس باراك أوباما.
 
وفي استطلاع أجراه مركز بيو ريسيرتش مؤخرا قال 49% من الذين استطلعت آراؤهم إنهم لا يتوقعون أن تتفوق الصين على الولايات المتحدة لتصبح القوة الأعظم في العالم، مقابل 46% رأوا عكس ذلك.
 
وقد كان التعامل مع النظام العالمي الجديد أمرا صعبا بحق بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث أجمع المعلقون حينذاك على أن الولايات المتحدة أصبحت الدولة العظمى دون منازع.
 
لكن خلال فترة الحرب الباردة التي دامت أكثر بقليل من أربعة عقود لم يقترب الاتحاد السوفياتي قيد أنملة من التفوق اقتصاديا على الولايات المتحدة.
 
لكننا اليوم نعيش نهاية خسمة قرون من الهيمنة الغربية.
وهذه المرة يمثل الشرق تهديدا حقيقيا سواء من الناحية الاقتصادية أو الجيوسياسية.
 
فقد لا يكون رجالات بكين أصبحوا السادة بعد، لكن بالتأكيد لم يعودوا الصبيان في الصنعة.

المصدر : وول ستريت جورنال