ستصبح الصين قوة عظمى بطريقتها (الفرنسية–أرشيف)

في يوم ما سيتسابق المؤرخون إلى تقدير مدى الضرر الذي خلفته الأزمة المالية على الولايات المتحدة، وكيف أن آثار تلك الأزمة كانت ضعيفة بالنسبة للصين.
 
فقد استطاعت الصين تجنب الأسوأ من الأزمة بسبب التدخل الحكومي القوي، والشعور بالتفاؤل رغم أزمة الثقة التي تعاني منها الدول الأخرى بمنطقة الهادي.
 
"
لن تكتفي الصين فقط بإزاحة الولايات المتحدة كقوة عظمى بالعالم لكنها سوف تقزم حجم الغرب بالتاريخ
"
ويقول جوزيف كان الرئيس السابق لمكتب صحيفة نيويورك تايمز في بكين ونائب رئيس تحرير الشؤون الخارجية بصحيفة تايمز اللندنية حاليا إن الصين تردم حاليا الفجوة بينها وبين الدول الصناعية الأخرى بسرعة تفوق التوقعات.
 
ويضيف في مقال نشرته نيويورك تايمز بعنوان "صحوة التنين" أن الصين قد تستطيع إزاحة اليابان عن موقعها كثاني أكبر اقتصاد بالعالم عندما يستكمل جمع البيانات الاقتصادية للعام الماضي.
 
وعرض كان بمقاله كتابا بعنوان "عندما تحكم الصين العالم" لمارتن جاك الكاتب بصحيفة غارديان اللندنية.
 
إزاحة أميركا
ويقول جاك "الصين لن تكتفي فقط بإزاحة الولايات المتحدة كقوة عظمى بالعالم لكنها سوف تقزم حجم الغرب بالتاريخ وتنهي مفهومنا لمعنى كيف يمكن أن تكون متحضرا".
 
ويقول أيضا إن افتراضه هذا مبني على حقيقة أن لا شيء سيستطيع تغيير حالة الاستقرار السياسي والديناميكية الاقتصادية التي تتمتع بها الصين اليوم.

لكنه يضيف أن التأكيد على قصة الصين الاقتصادية فقط هدأ مخاوف الغرب فأعطاه شعورا غير حقيقي بالأمان.
 
وقد ترك الاتجاه الغربي العام الانطباع بأنه سيطرأ تغيير طفيف على العالم مع بزوغ نجم الصين، لكن جاك يؤكد أن صعود الصين سيغير العالم بكل ما في الكلمة من معنى.
 
وخلافا لما حدث بالنسبة لبريطانيا أو الولايات المتحدة أو ألمانيا القرنين الماضيين، فإن ظهور الصين على مسرح العالم سيمثل عودة دولة قوية.

واقتباسا من أحد الكتاب الصينيين فإنه سيكون "استعادة لوضع عالمي ضائع" فهي ستمثل عودة أول حضارة قديمة إلى الظهور واستعادة وضعها كقوة مسيطرة.
 
ويقول جاك إن الصين كانت أغنى حضارة وأكثرها توحدا وتقدما تكنولوجيا حتى القرن الثامن عشر، لكنها خسرت هذا قبل قرنين بعد الثورة الصناعية بأوروبا.
 
وطالما اعتقد الأكاديميون بأن الصين كانت تعاني من مشكلات اجتماعية وثقافية وسياسية أعطت الفرصة لتفوق الغرب. لكن مع قوة وسرعة نمو "التنين" السنوات الأخيرة فإن تلك العقبات ستبدو حاليا خروجا عن القياس فقط. إن افتقاد الغرب إلى النفوذ سيمثل حسن الطالع للصين.
 
قوة عظمى بطريقتها
ويتوقع جاك أن تصبح الصين قوة عظمى بطريقتها وليس بقبول الوضع الحالي كما هو، أو بقبول التقاليد والمؤسسات الغربية كما يتمنى السياسيون بواشنطن. فناطحات السحاب والبورصة بالصين تشبه تلك التي بالغرب من حيث المظهر فقط، لكن قلبها الثقافي ينبض بالحضارة الصينية القديمة وليس بالحضارة الغربية المعاصرة.
 
وتتجه الصين إلى تكديس الثروة أكثر من توجهها إلى قبول الأفكار الخارجية.
 
صحيح أن وجود عدد كبير من المغتربين الصينيين إضافة إلى شعبية الأكلات الصينية عند غير الصينيين تشهد على تقبل الثقافة الصينية بالخارج. لكن قوة نفوذ الثقافة يعتمد جزئيا فقط على مدى قبوله. فهو  يعتمد بالمقام الأول على قوة تكتسبها الصين حاليا وعلى الحجم الذي تتمتع به كدولة.
 
ويقول جاك إن عددا كبيرا من الصينيين تعلموا الإنجليزية ليستطيعوا المنافسة الاقتصادية بالعالم. لكن المستقبل سيكون للمندرين وهي اللغة التي يتحدث بها خمس العالم حاليا وتحل محل الإنجليزية بسرعة كثاني لغة مفضلة في آسيا. وإن انفجار استخدام الإنترنت بالصين سيجعل المندرين تطغى في وقت ليس ببعيد.
"
في وقت استطاعت فيه الصين شق طريقها إلى اقتصاد ناجح فمن باب أولى ألا تتجه إلى الغرب لتطرق الباب من أجل نصيحة سياسية
"

وتقدمت الصين اقتصاديا بأسلوبها من ناحية الإنتاج. وإن كانت اليابان قد عرفت بالانضباط الشديد بالنسبة للجودة والتقيد بالمواعيد فإن الصين عرفت بالسرعة والمرونة، وبسرقة أو مضاهاة الأفكار وبإنتاج بضائع بما يكفي من الجودة ورخص الأسعار بحيث يمكن بيعها وحيث يجد الآخرون مشكلة في منافستها حتى في حال استخدامهم لعمالة صينية.
 
كما أن الصين تدير اقتصادها على طريقتها، فقد استطاعت مزاوجة القطاعين العام والخاص بحيث أذهلت الأميركيين الذين اعتادوا التفريق بصورة قاسية بين الحكومة وشركات القطاع الخاص.
 
وتنشط المنافسة المحمومة بين الشركات التي تزدهر بظل دولة لا تتخلى أبدا عن حقها في التدخل. وفي وقت استطاعت فيه الصين شق طريقها إلى اقتصاد ناجح فمن باب أولى ألا تتجه إلى الغرب لتطرق الباب من أجل نصيحة سياسية.

المصدر : نيويورك تايمز