كيف يرى طلال أبو غزالة الأزمة المالية؟
آخر تحديث: 2009/5/23 الساعة 19:32 (مكة المكرمة) الموافق 1430/5/29 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2009/5/23 الساعة 19:32 (مكة المكرمة) الموافق 1430/5/29 هـ

كيف يرى طلال أبو غزالة الأزمة المالية؟

أبو غزالة: خصوصية الأزمة المالية في كل بلد في العالم تختلف عنها في الآخر (الجزيرة نت)

 

حاوره محمد طارق-الدوحة

 

تركت الأزمة المالية العالمية آثارها على اقتصادات العالم المختلفة وعلى النظم المصرفية، كما شعر بها الأفراد حيث فقد الاقتصاد العالمي مئات الآلاف من الوظائف.

 

وقد استطلعت الجزيرة نت في لقاء خاص رأي طلال أبو غزالة -المؤسس والرئيس لمجموعة طلال أبو غزالة الدولية- بشأن خطورة هذه الأزمة على الصعيد الدولي وآثارها على العالم العربي.

 

 ما هو مدى تأثير الأزمة المالية على العالم العربي؟

 


إن خصوصية الأزمة في كل بلد في العالم تختلف عنها في البلد الآخر. وينطبق هذا القول أيضا على المنطقة العربية. فكل دولة عربية تتأثر بشكل مستقل ومختلف عن الدول الأخرى. لكن هناك معايير عامة. فالدول ذات الارتباط الأكبر والاعتماد الأكبر على الاقتصاد الأميركي ستكون أكثر تأثرا، كما أن الدول التي تستعين بالمساعدات أو الأسواق الأوروبية ستكون الأكثر تأثرا أيضا. ويستثنى من ذلك النفط لأن له حسابات ومعادلة خاصة.

 

وليس هناك تأثر عام في الدول العربية بالنسبة للأزمة. فالنظام المصرفي اللبناني لم يتأثر سلبا بل تأثر إيجابا بالأزمة حيث أصبح يستقطب ودائع من البنوك السويسرية. كما أن سوريا لم تتأثر لأنها غير مرتبطة بسوق المال الغربي ولأنها مقفلة ومعاقبة فكان ذلك من حسن حظها. أما دبي مثلا التي قررت أن تكون سوقا ماليا عالميا -وأنا هنا أحلل ولا أنتقد- فعندما ضربت أسواق المال العالمية تأثرت هي بصورة كبيرة. لكن السعودية، بسبب حجم فوائضها وملاءتها المالية الكبيرة لم تتأثر بأي شكل من الأشكال.

 

ونحن أمام أزمة اقتصادية قادمة لن تحل إلا بتحول في الاقتصاد الأميركي ثم المنظومة الاقتصادية العالمية والمنظومة المالية العالمية والمؤسسات المالية العالمية بما في ذلك معايير المحاسبة الدولية لأن من أحد أسباب المشكلة وجود معايير محاسبة خاطئة وبالتالي نحن أمام عشر سنوات من التحول الاقتصادي العالمي في كافة القطاعات وكافة المجالات.

 

 ما هو تأثير الأزمة المالية على القطاع المصرفي العربي؟

 

لا خوف على النظام المصرفي العربي لأن الكارثة المصرفية والمالية أساسها هو المشتقات المالية.

 

وقد استثمرت بعض البنوك العربية في المشتقات لكن هذا التعامل كان محدودا كما أن الجهات المركزية سارعت إلى إنقاذها.


فليس هنالك أزمة مالية في المصارف العربية لأنها ليس لها علاقة بأساسيات الأزمة.

 

وإن بإمكان الدول العربية تجنب آثار الأزمة بصورة تامة إذا تم اتخاذ إجراءات حمائية ومناسبة لكل بلد في كل قطاع.

 

وهناك أزمتان: الأزمة المالية والأزمة الاقتصادية. وقد بدأت الأزمة المالية تتحول إلى أزمة اقتصادية. أما الثانية فهي الأصعب والأطول. والأزمة المالية أشبهها دائما بالطوفان أما الأزمة الاقتصادية فهي أشبه ما تكون بالوباء أي أنها تأخذ وقتها على مراحل مختلفة وفترات طويلة وبموجات مختلفة.

 

أما النظام المصرفي فهو وسيلة للتعامل الاقتصادي وهو ليس الناتج القومي أو الاقتصاد. وطالما أن البنوك العربية تخضع لرقابة البنوك المركزية خاصة من حيث  الإقراض فهي في مأمن.

 

 كيف يسير نظام الرقابة المصرفية بالولايات المتحدة؟

 

إن مشكلة البنوك بالولايات المتحدة هي أنها بقرار واحد من إدارة الرئيس بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 سمح لها بزيادة قدرتها الإقراضية ما يساوي ثلاثين ضعف قدرتها الحقيقية.

وقرر بوش في حينها أن يسير في مشروعه في حث المستهلكين على الإنفاق من أجل إنعاش الاقتصاد. وكانت سياسته أنفق ليزدهر بلدك.

لكن
مع انعدام الرقابة على المؤسسات المالية أصبح هناك مصارف تقرض أكثر من مائة ضعف قدرتها على الإقراض. فلا يمكن لمثل هذه المصارف إلا أن تفلس. وطبقا لمعلومات مراكز الإحصاءات الأميركية فإن مجموع رؤوس أمول البنوك هو 1.3 تريليون دولار أما مجموع خسائر البنوك فهي تقدر بـ3.1 تريليونات دولار أي أن ثلاثة أضعاف رأس المال هو ضائع بسبب الإقراض.

 

وقد ركزت قمة العشرين في أبريل/نيسان الماضي في لندن ومؤتمر وزراء المالية الذي سبقها على المعايير المحاسبية المتعلقة بحساب الديون الهالكة وتقييم الموجودات وتقييم الديون. وطالبت القمة المجتمع المحاسبي بإيجاد حلول لها. وبهذه المناسبة اجتمعنا فيما يسمى بمنتدى الشركات المحاسبية الذي يضم أكبر عشرين شركة في العالم وكان من ضمنها مجموعة طلال أبو غزالة. اجتمعنا ووجدت قناعة كاملة بأن المجتمع المحاسبي الدولي لا يريد أن يتحرك بسرعة لتنفيذ قرارات قمة العشرين.

 

وذلك لسبب واضح هو لو أننا قمنا بتنفيذ القرارت في أميركا أو أوروبا ستفلس أغلب الشركات لأنه سيتم الإعلان أنها بموجب المعايير الجديدة فإن هذه الشركات مفلسة. ولذلك وجدت تراخي في تنفيذ القرارات. أما مؤسسة طلال أبو غزالة فقد أخذنا نحن المبادرة لوضع معايير وعمليات احتساب لتظهر الوضع الحقيقي بموجب قرارات قمة العشرين. نحن نحاول تطبيق قرارات قمة العشرين لأنني أعرف من موقعي في رئاسة مجلس إدارة لجنة المعايير الدولية أن صياغة معيار محاسبي جديد يستغرق ثلاث سنوات. فهل ينتظر الوضع الاقتصادي ثلاث سنوات حتى يتم تقويم الشركات طبقا للمعايير الجديدة؟

 

 ما هي إمكانية تطبيق المعايير الجديدة؟

  

هناك مسؤولية كبيرة على مكاتب التدقيق. كل مكاتب التدقيق في الولايات المتحدة تعمل على أساس أن
تقوم الشركات بالتنفيذ وأن يشهد على ذلك المدقق. لكن هناك خللا كبيرا في تطبيق المعايير المحاسبية.

 

 

ما هو الجزء المحجوب من الأزمة والذي لا يعرفه معظم الناس؟

 

الذي لا يعرفه الكثيرون هو حجم الأزمة. لا أدري إذا كان كل عربي يدرك أن حجم المشتقات هو خمسمائة تريليون دولار أي نصف كوادريليون. ما يعني ذلك؟ إن حجم الاقتصاد العالمي كله هو ستون تريليون دولار. إن المشتقات التي كانت تسمى عبقرية سوق المال هي خارجة عن نظام الرقابة ولا يمكن تقويمها وحتى في بعض الأحيان فهمها. فنحن نتحدث حاليا عن مشكلة ضخمة لا يمكن أن تحل لا بضخ سبعمائة مليار دولار ولا ثمانمائة مليار ولا تريليونات. المشكلة ليست مشكلة ضخ أموال فقط فهذا يبقي البنوك الأميركية مستمرة لكننا نحتاج إلى تريليونات لرفع رؤوس أموال البنوك لتغطي الخسائر.

 

وإما أن يكون ذلك بطبع النقد كما في الولايات المتحدة أو بتجميع رؤوس الأموال كما طالبت قمة العشرين بزيادة رأسمال صندوق النقد الدولي. وتعني هذه الخطوة ضخ نصف تريليون دولار في البنوك الأميركية لأن ودائع الصندوق في النهاية ستكون في البنوك الأميركية.

 

إلى متى ستظل مشكلة البنوك الأميركية قائمة؟

 


الرئيس الأميركي سيواجه أهم معركة يواجهها رئيس دولة وهي معركته مع المصارف. ثلاثة رؤساء جمهورية أميركيين سقطوا في معركتهم مع المصارف. بالتالي حل المشكلة الاقتصادية بالنسبة للرئيس باراك أوباما يجب أن تبدأ بوضع المصارف تحت الرقابة الحكومية. ولا يوجد حل آخر. وهذا لن تقبل به المصارف بسهولة. إن معركة أوباما الحقيقية ستكون مع المصارف.

 

 ما هو التوجه الذي سيحدث في الولايات المتحدة في المرحلة القادمة؟

 

سيكون هناك ثلاثة توجهات في نفس الوقت. أول شيء تشريعات جديدة تسمح للإدارة الأميركية بفرض رقابة. وهذا سيأخذ وقتا طويلا. ثم كيف نستطيع أن نطبق هذه التشريعات. لأنه في حال تطبيقها سينتج عنه إفلاس أغلب الشركات وسيكون هناك صراع بين القطاع الخاص والحكومة التي تريد فرض الرقابة. ثالثا هناك حاجة لزيادة رؤوس أموال البنوك.

 

 كيف ترى مرحلة التحول هذه التي ستأخذ وقتا طويلا وتؤثر على العالم؟

 

أعتقد أن مرحلة التحول هذه ستتميز بتعدد العملات وتعدد التكتلات الاقتصادية وتشابكها، وتعدد المراكز

المالية في العالم وتعدد القوى الاقتصادية.

 

نحن أمام عالم متحول بكل معاييره. ونحن كعرب يجب أن ندرك أن العالم اليوم ليس كالعالم غدا. كما أن العالم ليس كما هو موجود حاليا. فالعالم سيتغير جذريا. وموازين قواه ستتغير فيجب علينا أن نكون أفضل من يستغل هذا التحول.


إن استثمارنا الأجدى هو في أسواقنا الوطنية ثم في أسواق الجوار، أي بعدنا العربي. يجب أن نحمي استثماراتنا بأن نوطنها وأن نحمي اقتصاداتنا بأن نتوجه إلى إجراءات حمائية، وليس إلى تحرير التجارة.

 

إن المؤسف أن كل دول العالم تقول إنه لا يجب الرجوع إلى الحمائية ويجب أن نتمسك بتحرير التجارة. لكن في الواقع كل دول الغرب تمارس الحمائية. أنا أقول إنه يجب أن نمارس الحمائية لحماية اقتصادنا. من مارس الحمائية على مدى الثلاثين عاما الماضية كانت الدول المتقدمة ومن حرر التجارة كانت الدول النامية لأننا صدقنا ما قالوه. ومما صدقناه أيضا كذبة أهداف الألفية. إن الفجوة كبرت بين العالم المتقدم والعالم النامي.

 

إن الوضع أسوأ مما كان عليه عام 2000 عندما أعلنت هذه الأهداف. نحن بدلا من أن نحقق أهداف الألفية حققنا أهدافا سلبية. يجب أن ندرك أن هناك عالمين واحد متأخر وآخر متقدم ويجب أن نتحدث عن خطة لإنماء العالم النامي بدلا من التحدث عن إنماء العالم بشكل عام. فالمشكلة هي جزء من العالم وهي مشكلة العالم النامي.

 

إن قصة هذا العالم مثل قصة الأسود والغزلان. يستيقظ الأسد صباحا ويذكر نفسه أن عليه أن يركض أسرع من أبطأ غزال ليقتنص الغزال ويأكله. يستيقظ الغزال ويذكر نفسه بأن عليه أن يركض أسرع من أسرع أسد لكي ينجو بحياته.

 

إن الغني أو الأسد مطلوب منه أن يركض بأبطأ ما يستطيع ليأكل أو ليزدهر بينما على الدول النامية أو الغزال أن يعدو بأقصى قوته لكي ينجو فقط وليس ليزدهر. هذا الوضع هو الذي يجب مواجهته بصدق.

 

 

 من هو الرابح من الأزمة المالية؟

 


الرابح هو الذي لم يكن جزءا منها. كل من كان طرفا في السوق المالي الأميركي تضرر سواء كان بنوكا أم حكومات أو شركات.

 

 

  ما رأيكم في الوحد النقدية الخليجية وانسحاب بعض الدول منها؟

 

لا أرى أن قصة الوحدة النقدية هي قضية جوهرية بالنسبة للتعاون بين دول مجلس التعاون. فبريطانيا ليست جزءا من اليورو لكنها جزء من الاتحاد الأوروبي. العملة هي فقط أداة للقياس وما يهمني في النهاية هو العلاقات الاقتصادية بين الدول الخليجية.لا أريد أن يحرفنا هذا الموضوع عن مسار التكامل الاقتصادي وهو الأهم. التكامل المالي مهم ولكن الأهم منه هو التكامل الاقتصادي. وقد استطاع الاتحاد الأوروبي أن يقيم سوقا اقتصاديا متكاملا بدون أن يكون كل أفراده وأهمهم بريطانيا جزءا من العملة الموحدة. لا أقول إننا يجب أن نقبل مثل هذا الوضع لكن ما يقلقني دائما هو الاقتصاد الحقيقي الذي يمثل الدخل القومي والذي يمثل الإنتاجية ويحمي البلد ويعطيه القوة.

 

أما بالنسبة للعملات فكل العملات تخضع لقرار واحد هو قرار رئيس الاحتياطي الاتحادي. كان بول فولكر الرئيس السابق للاحتياطي الاتحادي قبل أن ينام كل ليلة يضع بجانب سريره ورقة مكتوبة عليها أسعار الإقفال. وسؤالا كيف تحب أن تكون أسعار إققال اليوم التالي للعملات مقابل الدولار؟ ويضع فولكر أمام كل عملة ما يراه مناسبا لمصلحة سوق المال الأميركي. ويحدد للمتداولين ما يراه مناسبا ويعمل المتداولون طبقا له عن طريق ضخ الأمول وتحديد سعر الفائدة.

 

فالعملة ليست هي الأساس هنا. فالصين مثلا ليست جزءا من نظام العملة العالمية ورفضت أن تكون عملتها عالمية. ورغم ذلك ها هو الاقتصاد الصيني من أقوى الاقتصادات في العالم. يجب أن يكون هدفنها هو التكامل الاقتصادي.

المصدر : الجزيرة