كاتب أميركي يدعو السياسيين للابتعاد عن الاقتصاد
آخر تحديث: 2009/2/10 الساعة 00:35 (مكة المكرمة) الموافق 1430/2/14 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2009/2/10 الساعة 00:35 (مكة المكرمة) الموافق 1430/2/14 هـ

كاتب أميركي يدعو السياسيين للابتعاد عن الاقتصاد

خطط إنقاذ غير دستورية تنفذها الإدارات الأميركية (الفرنسية-أرشيف)

بينما طغت أخبار خطة الإنقاذ المالي الأميركية على ما عداها وانبرى الساسة الأميركيون لتوضيح أهدافها على أمل أن تنتشل أكبر اقتصاد في العالم من أسوأ ركود عرفه منذ ثلاثينيات القرن الماضي، اقترح كاتب أميركي معروف التخلي عن خطة الإنقاذ ووصفها بأنها غير دستورية، كما اقترح أن يترك الاقتصاد ليأخذ مجراه الطبيعي الذي سيؤدي إلى تصحيح مساره، حسب الكاتب.

 

ليبتعد السياسيون

وقال الكاتب روبرت هيغز في مقال نشرته صحيفة كريستيان ساينس مونيتور الاثنين إن الاقتصاد يستطيع استعادة عافيته شرط أن يبتعد السياسيون عن طريقه.

 

ويقول هيغز إنه بينما ينتظر الجميع كيف سينفذ الساسة في واشنطن الخطة، هناك عدة أسئلة تثار حول محتواها ومدى الأثر الذي ستحدثه.

 

من ضمن هذه الأسئلة: هل يتوجب على الخطة أن تتضمن أموالا للهيئة القومية للفنون؟ أو لخط أمتراك للسكة الحديدية؟ أو لرعاية الطفل؟ وهل ستكون هذه الخطة بالضخامة الكافية لضمان دفع الاقتصاد إلى الأمام مرة أخرى؟ وهل سيتم إنفاق أموال الخطة بالسرعة الكافية؟

 

لكن أحدا لم يطرح السؤال الأهم وهو: هل يجب على الحكومة الاتحادية في الأصل فعل أي شيء من هذه الأشياء كلها؟

 

ويقول الكاتب إن طرح مثل هذا السؤال سيستتبع -بلا شك- وصف السائل بأنه لا يعيش في الواقع المعاصر للاقتصاد أو الحكومة.

 

لكن هيغز يؤكد نظريته بالقول إن الولايات المتحدة استطاعت خلال السنوات الـ150 الأولى من عمرها -وهو زمن اتسم بالنمو الهائل- أن تتقدم دون أي تدخل اتحادي كبير لتعديل إخفاق أو نمو كبير للاقتصاد.

 

والواقع أنه عندما تدخلت الحكومة بصورة كبيرة إبان إدارة الرئيسين هيربرت هوفر وفرنكلين روزفلت كانت النتيجة الكساد الكبير.

 

"
التدخل الاتحادي يعتمد على افتراض أن المسؤولين يعرفون كيف يديرون الاقتصاد ويستخدمون هذه المعرفة بطريقة فعالة، لكن هذا الافتراض طالما بني على أسس متداعية، فقد رأينا مؤخرا -بما لا يدع مجالا للشك- أن الحكومة لا تعرف ما الذي تفعله
"
عقبة كبيرة

وحتى ثلاثينيات القرن الماضي كان الدستور الأميركي يمثل عقبة كبيرة أمام تدخل الحكومة الاتحادية في الاقتصاد.

 

وقد فُهمت سلطة الحكومة آنذاك كما أرادها المزارعون بالضبط، وهي أن تكون قليلة ومحددة بشكل واضح في الوثيقة الأساسية للدستور وتعديلاتها.

 

وقال هيغز "إن بحثت في الدستور فإنك لن تجد أي إشارة تمنح الحكومة سلطة محددة لإنفاق الأموال مثلا على أبحاث التغير المناخي وعلى بطاقات الطعام وتأمين البطالة وبرنامج الرعاية الصحية وغيرها الكثير من البرامج الأخرى التي تتضمنها خطة الإنقاذ، أو حتى بعيدا عن الخطة، في الموازنة الاتحادية".

 

وقد استمر تنفيذ القيود الدستورية حتى ثلاثينيات القرن الماضي عندما أصدرت المحاكم الاتحادية نحو 1600 أمر يمنع تنفيذ المسؤولين لقوانين الكونغرس. كما ألغت المحكمة العليا عدة قوانين منها ما يتعلق بالصناعة والزراعة، ما أغضب الرئيس روزفلت الذي رد بخطة خاصة.

 

ورغم أن روزفلت خسر هذه المعركة فإنه كسب الحرب العالمية الثانية، وبعد تقاعد رؤساء القضاء المحافظين استبدل بهم آخرين عملوا بين عامي 1937 و1941 وغيروا قوانين التجارة بين الولايات، ما أعطى الحكومة الاتحادية الصلاحيات المطلقة للإنفاق وفرض الضرائب والسلطات.

 

وبعد الحرب العالمية الثانية أصدرت الحكومة قانون الوظائف لعام 1946 الذي يحدد مسؤولية الحكومة في إدارة الاقتصاد لضمان أكبر عدد من الوظائف وأعلى نسبة من الإنتاج وأقوى قوة شرائية.

 

وقد بدأت الحكومة بالتدخل في الاقتصاد منذ ذلك الحين لتحقيق تلك الأهداف المعلنة.

 

لكن طلقات الحكومة غالبا ما أخطأت الهدف، فقد تحمل الأميركيون سنوات من النجاح والإخفاق وعقدا من الركود وفترات من ارتفاع معدل التضخم وانهيارات لأسواق الأسهم. أما فترة الركود الحالية فقد تكون الأسوأ منذ صدور قانون الوظائف عام 1946.

 

التدخل الحكومي

إن التدخل الاتحادي يعتمد على افتراض أن المسؤولين يعرفون كيف يديرون الاقتصاد ويستخدمون هذه المعرفة بطريقة فعالة، لكن هذا الافتراض طالما بني على أسس متداعية، فقد رأينا مؤخرا بما لا يدع مجالا للشك، أن الحكومة لا تعرف ما الذي تفعله.

 

فقانون خطة الإنقاذ الذي تم إقراره في الكونغرس في أكتوبر/تشرين الأول الماضي والقروض الهائلة التي قدمها مجلس الاحتياطي الاتحادي في عدة اتجاهات والآن خطة الإنقاذ الجديدة.. كلها تبدو كبهرجة تهدف في وقاع الأمر إلى الظهور بمظهر من يريد أن يراه الآخرون أنه يفعل شيئا، وفي نفس الوقت -بالطبع- تعزيز المصالح المرتبطة بروابط سياسية ضمن هذه العملية.

 

ويضيف هيغز أن الحاجة الأكبر حاليا هي أن تعكس الحكومة الأميركية توجهها فتقوم بعمل أقل، وليس أكبر.

 

فحتى في فترة الكساد عام 20/1921 اتخذت الحكومة الاتحادية موقف المتفرج، ورغم أن الاقتصاد تدهور سريعا فإنه استطاع أن يصحح اتجاهه بنفسه ليتعافى بشكل كامل.

 

وبعكس ذلك، ففي عام 1929 تدخل الرئيس هوفر بزيادة الرسوم وزيادة معدلات الأجور ومساعدة المزارعين والبنوك والشركات الأخرى وتقديم المساعدات للولايات، كما تحرك الرئيس روزفلت بهمة أكبر في نفس الاتجاه، وكانت النتيجة فترة طويلة من الكساد لم يتخلص منها الاقتصاد الأميركي حتى عام 1946.

 

بوش بدأ خطة الإنقاذ الأولى بـ700 مليار دولار وأنفقت إدارته نصفها (رويترز-أرشيف)
أهل للثقة

ويقول هيغز إن الحكومة الأميركية أكدت مرارا أنها ليست أهلا للثقة فيما يتعلق بإدارة الاقتصاد.

 

ويستطرد "إن أكثر ما نحتاجه هو سلطات من الحكمة بحيث تتبع الحكمة القائلة: أولا، تجنب إلحاق الضرر".

 

لكن خطة الحفز الاقتصادي ستتسبب في الكثير من الأذى، فإن الأعباء الضخمة للديون التي ستترتب عليها يجب أن تكفي بذاتها لرفض الخطة، فالولايات المتحدة غارقة أصلا في الديون. لكن الخطة ستتسبب أيضا في إلحاق الضرر في كافة الاتجاهات، فهي تخصص الموارد على مستوى كبير على أساس أولويات سياسية لا على أساس أفضلية فردية أو عقلانية اقتصادية.

 

ويختم هيغز مقاله بالقول "وكما يؤكد تاريخنا فإن الاقتصاد يستطيع أن يتعافى بقوة إذا نحى الساسة أنفسهم عن الطريق".

المصدر : كريستيان ساينس مونيتور