هل تتحول تجارة النفط عن الدولار؟
آخر تحديث: 2009/10/29 الساعة 22:58 (مكة المكرمة) الموافق 1430/11/11 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2009/10/29 الساعة 22:58 (مكة المكرمة) الموافق 1430/11/11 هـ

هل تتحول تجارة النفط عن الدولار؟

الدول المعنية ترغب في تفادي زعزعة استقرار الأسواق (الفرنسية-أرشيف) 

أثار ضعف الدولار الأميركي وارتفاع أسعار النفط التكهنات بأن العالم قد يتجه في نهاية الأمر إلى الابتعاد عن تسعير النفط بالعملة الأميركية.
 
وكانت صحيفة إندبندنت البريطانية ذكرت في وقت سابق من هذا الشهر أن الصين واليابان وروسيا وفرنسا تعقد مباحثات سرية مع الدول العربية في الخليج للتحول خلال عشر سنوات إلى تسعير النفط مقابل سلة من العملات.
 
لكن مسؤولين من السعودية وروسيا وفرنسا نفوا التقرير في حينه، كما أكد مسؤولون بأوبك وفي شركات نفط عالمية بأن مثل هذه المفاوضات لم تحدث.
 
هل هذا النفي مقنع؟
يعد تسديد العقود الفردية للنفط على أساس عملة أخرى غير الدولار بسيطا نسبيا، لكن تغييرا عالميا في تسعير النفط سيواجه عقبات تقنية ودبلوماسية كبيرة وسيهدد استقرار الدولار، ولذلك يعتقد أن معظم الدول تتجنب بحث هذه الموضوعات في أي مباحثات رسمية حول إصلاحات النظام الدولي.
 
ويقول ديفد كيرش مدير معلومات السوق بمؤسسة بي إف سي إنرجي في واشنطن "إن هناك عدة خطوات وسيطة، وإنني أشعر بأن معظم صانعي السياسة لم يبحثوا بعد، أو أنهم لا يرغبون في البحث بجدية في الآثار الأعمق للتخلي عن الدولار".
 
لكن الأزمة المالية جعلت الدول تفكر بصورة أكثر جدية في إصلاح الاقتصاد العالمي والأسواق، وفي إمكانية فقدان الدولار -في نهاية الأمر- لموقعه عملة رئيسة في احتياطيات البنوك المركزية.
 
وهذا ما دعا المسؤولين في العديد من الدول للتحدث بشكل مسموع، لكن بصورة غير رسمية، عن إصلاح عمليات تجارة النفط على المدى البعيد من أجل الاستعداد لأي تغيير قد يحدث في وضع الدولار.
 
وقد برزت فكرة تسعير النفط مقابل سلة من العملات قبل الأزمة المالية. فقد أثارت كل من إيران وفنزويلا -الأعداء الدبلوماسيين للولايات المتحدة- هذه المسألة أثناء انعقاد قمة دول أوبك في الرياض في نهاية العام 2007، لكن السعودية أحبطت مناقشة المسألة.
 
وتتقاضى إيران ثمن بعض نفطها باليورو بدلا من الدولار، وهو ما يفعله أيضا بعض منتجي النفط والغاز الآخرين.
 
وبعد أن توصلت روسيا إلى اتفاق لتزويد الصين بالغاز هذا الشهر, قال رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين إنه لا يعارض فكرة بيع موارد الطاقة الروسية بالروبل عوضا عن الدولار.
 
أما الإكوادور أصغر منتجي النفط  في أوبك التي تبنت الدولار الأميركي عملة رسمية قبل تسعة أعوام فقد قالت هذا الأسبوع إنها "من حيث المبدأ" تؤيد تسعير النفط باليورو أو مقابل سلة من العملات.
 
كيف يمكن للتحول أن يعمل؟
إن أي تغيير سيحتاج لعدة سنوات لأن تعديل ممارسات تجارية قائمة لمدة طويلة سيكون مسألة معقدة، كما أن الدول المعنية سترغب في تفادي زعزعة استقرار الأسواق.
 
كما يمكن زيادة كميات النفط التي تسعر بعملات غير الدولار بين الدول المنتجة والمستهلكة، وقد يكون ذلك جزءا من جهد تقوم به الدول النامية الكبرى لتقليل اعتمادها على التجارة المقومة بالدولار، فالصين على سبيل المثال تستخدم برامج ريادية بحذر لتعزيز استخدام اليوان وليس الدولار في تسديد حسابات التجارة الخارجية.
 
بوتين (يسار) لا يعارض فكرة بيع موارد الطاقة الروسية بالروبل (رويترز-أرشيف)
وكتب كو هونغبن كبير اقتصاديي بنك إتش إس بي سي بالصين في تحليل له نشر في أغسطس/آب الماضي "لن أشعر بالدهشة إذا أصبح نصف تجارة الصين السنوية العابرة للحدود تسدد باليوان عوضا عن الدولار في الأعوام الثلاثة أو الخمسة القادمة".
 
ويمكن توسيع نطاق تجارة النفط غير القائمة على الدولار بسهولة حتى إذا استخدمت الدولار سعرا أساسيا عند احتساب التسديد بعملات أخرى.
 
لكن تحولا أساسيا أكبر يحتاج إلى التحرك بعيدا عن استخدام العقود الآجلة التي تعتمد على السيولة الدولارية وتحتسب بالدولار، وهي المقبولة أساسا لهذه العملية في العالم.
 
وبالنسبة للعقود الآجلة أو المستقبلية لا يوجد منافس آخر للدولار في القريب يهدد العقود المستقبلية لخام النفط الأميركي الخفيف في سوق نايمكس الأميركي أو نفط برنت الأوروبي الذي يتم التعامل به في نايمكس أيضا.
 
وقد أخفقت المحاولات حتى الآن للعقود الآجلة غير الدولارية في أسواق أخرى في سحب السيولة بعيدا عن الأسواق الأساسية.
 
من الرابح ومن الخاسر؟
كل الدول قد تربح إذا أصبح سعر النفط أقل اضطرابا، ما يسمح للمنتجين والمستهلكين بالتخطيط بصورة أفضل ويخفض نطاق التقلبات الكبيرة على جانبي الصعود والهبوط.
 
وقد تستطيع سلة من العملات أن تخفض الاضطراب  الشديد للأسعار بالحد من تأثير التقلب العنيف في سعر صرف عملة بعينها.
 
وقد ارتبط سعر النفط معظم هذا العام بصورة شديدة بالعلاقة في سعر الصرف بين الدولار واليورو، ولذلك كان التكهن بالاتجاه الذي سيتخذه الدولار مشجعا لاستقراء اتجاه سعر النفط، والعكس صحيح، لذلك قد يؤدي كسر مثل هذه العلاقة إلى الحد من التقلبات الكبيرة في سعر النفط.
 
إن التخلي عن الدولار عملة لتسعير النفط يعني أيضا أن الدول لن تعود بحاجة إلى تحمل المجازفة النقدية بالاحتفاظ بكميات كبيرة من العملة الأميركية من أجل شراء النفط، رغم أنها ستكون بحاجة للاحتفاظ ببعض العملات الأجنبية الأخرى.
 
الخاسر الأكبر
إن الخاسر الأكبر من التحول عن الدولار سيكون الولايات المتحدة، لأن مثل هذا التحول سيقوض الدولار عملة احتياط رئيسة في العالم.
 
إن هذا الدور منح للولايات المتحدة -أكبر مستهلك للنفط في العالم- مميزات اقتصادية كبيرة، ومن هذه المميزات أنها تستطيع الاقتراض على مستوى العالم بعملتها، ما سمح لها بالحصول على قروض ضخمة من الخارج دون أن يحدث ذلك أزمة في ميزان مدفوعاتها.
 
ما الشروط المطلوبة للتحول؟
إن أسواق العملة والنفط في العالم قد تبقى مضطربة لمدة طويلة، لعدة سنوات قادمة، وقد يحفز هذا الاضطراب الدول لتجشم الأعباء الصعبة لمهمة تغيير نظام تجارة النفط. وإلا فالبديل هو التعايش مع النظام الحالي.
 
إن الجغرافيا السياسية يجب أيضا أن تتغير، إذ من المتوقع أن تعارض الولايات المتحدة مثل هذا التحول الذي سيقوض وضع الدولار، فهي ترتبط بعلاقات قوية مع السعودية أكبر مصدر للنفط في العالم من خلال مصالح اقتصادية وسياسية وأمنية.
 
من الصعب تصور نظام تسعير لا يتضمن اليوان (الفرنسية-أرشيف)
وبأخذ القوة الاقتصادية الناشئة للصين في الاعتبار من الصعب تصور نظام تسعير لا يتضمن اليوان، لكن لكي تكون الدول الأخرى راغبة في المحافظة على كميات كبيرة من اليوان الصيني أو إدخال اليوان في سلة عملات لتسعير النفط يجب أن تعوم العملة الصينية في السوق مثل الدولار الأميركي تماما.
 
وقالت الصين إنها تهدف إلى تحرير نظام عملتها، لكنها تتحرك نحو ذلك ببطء شديد لأنها لا تريد أن يسبب ذلك الضرر لاستقرار اقتصادها، ويعتقد العديد من المحللين أن الصين تحتاج إلى خمس أو عشر سنوات لتحرير عملتها.
 
ويقول غريغ بريدي من مؤسسة يوروسيا الاستشارية عن فكرة إصلاح النظام العالمي لتسعير النفط "يمكن أن نتحدث عن ذلك بصورة جادة بعد عشر سنوات من الآن، لكني لا أعتقد أنها ممكنة بصورة جدية حاليا".
المصدر : رويترز

التعليقات