الصين قد تصبح في العام القادم أكبر منتج للسيارات بالعالم (رويترز)

بعد أن استطاعت الصين إزاحة ألمانيا عن مرتبة ثالث أكبر اقتصاد في العالم، يبدو أنها تسعى بجدارة حاليا لتطيح أيضا باليابان من المركز الثاني الذي طالما تشبثت به على مدى عدة عقود.

 

ومع الركود الاقتصادي العالمي والصعوبة التي تواجهها اليابان في إدارة اقتصادها الضخم، يبدو سعي الصين لتبوؤ المركز الثاني بعد الولايات المتحدة جليا أكثر من أي وقت مضى.

 

فقد قالت صحيفة نيويورك تايمز في تقرير إن انتزاع الصين لهذا المركز قد يحدث في وقت قريب جدا, ربما في العام القادم، أي قبل خمس سنوات مما كان يتوقع سابقا.

 

وأوضحت أن عدة حقائق إقليمية فرضت نفسها على الساحة. فسوف تؤدي التغييرات الإقليمية إلى إنهاء النظام الاقتصادي العالمي الذي ساد خلال أربعة عقود وما يستتبعه ذلك على التجارة والدبلوماسية والقوة العسكرية في العالم.

 

وقد يؤدي صعود نجم الصين إلى أفول القوة الاقتصادية لليابان، حيث تنتزع الأولى أسواق الصادرات اليابانية ويتعاظم الدين العام للحكومة اليابانية وتضعف وتشيخ القوة العاملة في اليابان.

 

ونقلت الصحيفة قول هايديو كومانو الاقتصادي بمعهد داي إتشي لايف ريسيرتش للأبحاث في طوكيو "إن الموقع المتدني الذي قد تؤول إليه اليابان في الاقتصاد العالمي خلال عقد أو عقدين يفوق مخيلتي".

 

"
قد يتفوق اقتصاد الصين على الاقتصاد الأميركي في 2039 وقد يحدث ذلك عام 2026 إذا أطلقت الصين العنان لارتفاع قيمة الرينمنبي (اليوان الصيني) بنسبة 2% فقط سنويا

"

المعجزة اليابانية
فقد مثلت اليابان قبل سنوات فقط المعجزة الاقتصادية والقوة الهائلة الصاعدة لمنافسة الولايات المتحدة على المركز الاقتصادي الأول في العالم.

ويتساءل كثيرون عن أن مصير اليابان سيحاكي مصير سويسرا، فقد تتمتع بالغنى والرفاهية ولكن ليس بالقوة ذات النفوذ على الصعيد العالمي.

وقالت نيويورك تايمز إنه حتى هذا الموقع ربما لا تستطيع اليابان المحافظة عليه.

 

فقد تجمد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي لليابان –الذي فاق الولايات المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي– إلى 34300 عام 2007 وهو الآن أقل بمقدار الربع من الولايات المتحدة والتاسع عشر على مستوى العالم. كما أن معدل الفقر وعدم المساواة في الدخول آخذ في الزيادة، وتصل نسبة البطالة إلى 5.7% وتنخفض الأسعار والأجور بسرعة كبيرة.

 

وفي الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي انكمش الاقتصاد الياباني بنسبة 11.7% قبل أن يحقق نموا ضعيفا بنسبة سنوية بلغت 2.3% في الربع الثاني.

 

وبالمقارنة فإنه من المتوقع أن ينمو اقتصاد الصين بنسبة 8% في 2009، ويتوقع الاقتصاديون انكماش الاقتصاد الياباني بنسبة 3% هذا العام قبل أن يعود للانتعاش بنسبة ضعيفة تصل إلى 1% العام القادم.

وفي المقابل حققت الصين نسبة نمو تصل إلى نحو 10% سنويا في معظم العقدين الماضيين، في حين تجمد الاقتصاد الياباني حيث اتجهت معظم المشروعات العامة الضخمة في اليابان -التي كان يجب أن تعيد الانتعاش إلى الاقتصاد– إلى حماية الصناعات المحتضرة بدلا من تعزيز صناعات جديدة، وفشلت في انتشال اليابان من الركود بل أضافت أعباء ديون عامة كبيرة على الحكومة.

 

وزادت الأمر سوءا الأزمة الاقتصادية والمالية التي كانت أقسى أزمة من نوعها منذ الحرب العالمية الثانية والتي عصف بالعالم كله. وبينما انخفض الطلب في الأسواق الرئيسية في العالم هبط الإنتاج الياباني والصادرات بنسبة 40% هذا العام.

 

في عالم الأعمال
حتى في عالم الأعمال فقد بدأت الشركات اليابانية في الاختفاء بصورة تدريجية من قوائم المؤسسات الكبرى. ففي 1988 أصدرت مؤسسة نومورا سيكيورتيز للتصنيف قائمة تضم أكبر الشركات في العالم من حيث رأس المال في السوق وكانت ثماني شركات من العشر الأوائل في العالم من اليابان، واعتلت القائمة نيبون تلغراف أند تليفون.

 

وفي 31 يوليو/تموز هذا العام خلت القائمة تماما من أي شركة يابانية حيث أزاحتها شركات صينية وأميركية، وجاءت تويوتا موتورز على سبيل المثال في المرتبة 22 في القائمة برأسمال سوقي يقدر بـ144.5 مليار دولار، وجاءت خمس شركات يابانية أخرى في المائة الأولى في العالم.

 

وفي تصنيف مجلة فوربس جاء المستثمر الياباني تاداشي ياني في المركز السادس والسبعين واحتل الصدارة أثرياء من المكسيك والهند والتشيك. أما في ثمانينيات القرن الماضي فقد اعتلى رجال أعمال يابانيون مثل توشياكي تسوتسومي رأس القائمة.

 

وفي مجال آخر تفوقت الصين أيضا على اليابان بتحقيق فائض تجاري كبير واحتياطي ضخم من العملات الأجنبية كما استطاعت أن تحتفظ بمركز الصدارة في صناعة الفولاذ. ومن المتوقع أن تصبح الصين في العام القادم أكبر منتج للسيارات في العالم لتتفوق على جارتها.

 

وفي الصين يمثل دخل الفرد أقل من عشر ما يمثله في اليابان، لكن إذا قيس الاقتصاد بمقاييس أخرى فإن الاقتصاد الصيني استطاع أن يتفوق على الاقتصاد الياباني في نواح عدة. فبالنسبة للقوة الشرائية استطاعت الصين التفوق على اليابان منذ عام 1992 وسوف تتفوق على الولايات المتحدة في عام 2020.

 

"
سجل الاقتصاد الياباني نموا بلغ معدله 10.4% في ستينيات القرن الماضي وانخفض إلى 5% في السبعينيات، وإلى 4% فقط في الثمانينيات و1.8% في التسعينيات
"

الأسس الاقتصادية

وقد عكس وضع الاقتصاد الياباني الأسس الاقتصادية. فبينما تنمو الدول ينخفض معدل النمو تدريجيا مع مرور الزمن. وقد سجل الاقتصاد الياباني نموا بلغ معدله 10.4% في ستينيات القرن الماضي وانخفض إلى 5% في السبعينيات، وإلى 4% فقط في الثمانينيات و1.8% في التسعينيات، وذلك طبقا لبنك غولدمان ساكس الاستثماري الأميركي. أما في بداية العقد الحالي فقد انخفض نمو الاقتصاد الياباني بصورة أكبر.

 

ويقول سي إت كوان بمؤسسة نومورا سيكيورتيز إن ما يحدث يمثل "صدمة سيكولوجية كبيرة لليابان".

 

ويضيف كوان الذي أصدر كتابا بعنوان "اليابان رقم 1" في 1997 ويعمل حاليا لإصدار كتاب "الصين رقم 1" إن اقتصاد الصين قد يتفوق على الاقتصاد الأميركي في 2039 وقد يحدث ذلك عام 2026 إذا أطلقت الصين العنان لارتفاع قيمة الرينمنبي (اليوان الصيني) بنسبة 2% فقط سنويا.
 
ويضيف "لم نعد نتحدث عن الصين التي تنتج الكثير من الأحذية.. بل الصين التي ستترك الجميع خلفها".

المصدر : نيويورك تايمز