دلالات تزامن الهبوط في الأسواق الخليجية
آخر تحديث: 2008/9/18 الساعة 22:19 (مكة المكرمة) الموافق 1429/9/19 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/9/18 الساعة 22:19 (مكة المكرمة) الموافق 1429/9/19 هـ

دلالات تزامن الهبوط في الأسواق الخليجية

 
لو استبعدنا السوق السعودية التي بدأ فيها تراجع السوق مبكرا قبل بقية الأسواق الخليجية، فإن أهم ما يمكن ملاحظته أن الأسواق الخليجية الأخرى بدأت جميعها مسيرة الهبوط الحاد في وقت واحد وهو منتصف يونيو/حزيران وبداية يوليو/تموز الماضيين.
 
والملاحظ أن الانخفاضات الجماعية والحادة للأسهم الخليجية ضمن مسلسل الهبوط الذي تمر به منذ بداية الربع الثالث ومطلع شهور الصيف، جعلتها تفقد المكاسب التي تحققت في بداية العام الحالي، حيث بددت سوقا مسقط والدوحة كامل مكاسبهما التي تحققت منذ مطلع العام.
 
واقتربت سوق الكويت تحت وقع الخسائر المتواصلة من اللحاق بالسوقين حيث بقيت بانخفاض يوم 14 سبتمبر/أيلول على مسافة 2.3% من النمو الإيجابي للتحول إلى الهبوط الكامل، في حين فقدت أسواق الإمارات أكثر من 21.5% من أعلى مستوى كانت عليه في بداية العام الحالي.
 
ويمكن تفسير هذا الهبوط الحاد في البورصات الخليجية في الفترة الأخيرة إلى القيام بعمليات بيع واسعة من قبل الصناديق والمحافظ الأجنبية العاملة في دول الخليج في ظل بيئة تداول ضعيفة (انحسار الطلب)، الأمر الذي أدى إلى خلل في ميزان العرض والطلب حيث إن وفرة الأسهم المعروضة من قبل الأجانب قابلها شح في الطلب المحلي، ما أدى إلى قلب الموازين وانخفاض أسعار الأسهم.
 
ولعل معامل الارتباط بين حركة المؤشر العام لسوق الإمارات ومؤشر صافي استثمارات الأجانب -الذي كان سالبا في الشهرين الأخيرين- حيث ظهر أن معامل الارتباط يصل إلى 0.94 وهذا يعني أن هناك علاقة طردية وطيدة جدا بين اتجاه التدفقات النقدية الأجنبية إلى سوق الأسهم وحركة أسعار الأسهم، فإذا خرجت انخفض المؤشر وإذا دخلت ارتفع المؤشر العام للسوق. والرسم البياني أدناه يوضح قوة هذا الارتباط.
 
رسم بياني لحركة المؤشر العام لسوق الإمارات ومؤشر حركة الاستثمارات الأجنبية فيها
منذ أكتوبر/تشرين الأول 2007 إلى الوقت الحالي

لقد بدأت عمليات التسييل من قبل الأجانب في دول الخليج بشكل عام بعدما قامت سفارات دول غربية بتوجيه تحذيرات إلى رعاياها في بعض الدول الخليجية من احتمال حدوث أعمال إرهابية.
 
ولقد كان ذلك بمثابة الذريعة التي استفادت منها المؤسسات المالية الغربية المتضررة من أزمة الرهن العقاري وأزمة الائتمان المترتبة عليها للخروج بالسيولة إلى البلدان المصدرة لها. وقد بلغ حجم السيولة الخارجة من سوق الإمارات وحدها من يوم 12 يونيو/حزيران الماضي وحتى 4 سبتمبر/أيلول الجاري (وقت إعداد هذه الدراسة) 8.756 مليارات درهم (2.383 مليار دولار).
 
وفي كل أسواق الخليج قامت المحافظ المحلية وصغار المستثمرين بالبدء باستيعاب وشراء هذه الأسهم التي يبيعها الأجانب، ولكن نتيجة ارتفاع حجم المبيعات استنفد المستثمرون ما لديهم من سيولة هي في الأصل شحيحة لأسباب سنأتي على ذكرها لاحقا والتي لها صلة أيضا بالأجانب، وبالتالي لم يعودوا قادرين على الشراء واضطروا للابتعاد عن الأسواق (أحد أسباب انخفاض حجم الطلب) بانتظار انتهاء عمليات البيع الكبيرة.
كما أن الاستثمار المؤسساتي كان سلبيا ودخل في بعض الأوقات باستحياء كونه لا يعرف حجم الأسهم التي ينوي الأجانب بيعها، وبالتالي من حقه التخوف من استنفاد السيولة لديه في وقت يستمر فيه هبوط الأسعار.
 
أسباب بيع المحافظ والصناديق الأجنبية
هناك ثلاثة أسباب محتملة لقيام الأجانب بالتسييل الواسع النطاق وهي:

- السبب الأكثر رجحاناً هو  حاجة هذه الصناديق إلى السيولة بعد الخسائر الكبيرة التي تعرضت لها في الأسواق الأم نتيجة أزمة الرهن العقاري وخسائر الاستثمارات في الأسواق المالية. وبالتالي فإن العديد من البنوك الاستثمارية التي تدير هذه الصناديق اتخذ قرارات بتخفيض حجم استثماراتها في الأسواق الناشئة ومن ضمنها دول مجلس التعاون والأسواق الآسيوية.
 
ويبدو أن المحافظ والصناديق الأجنبية التي قامت وتقوم بهذا البيع الاضطراري كانت تستشعر المخاطر الائتمانية المتعاظمة في الاقتصاد العالمي وكانت تستبق الأحداث كي تؤمن نفسها من مخاطر الإفلاس المحتمل الذي أعلن عنه في الولايات المتحدة لبنك ليمان براذرز بدلا من إشهار الإفلاس وطلب الحماية من المودعين.
 
- سبب ثانوي وقليل الاحتمال يتمثل في التأثير السلبي لظاهرة مكافحة الفساد في دبي على عموم أسواق الخليج والتي يعتبرها الإعلام الغربي متماثلة في ظروفها وأساليب عملها من حيث الحوكمة والإدارة الرشيدة، حيث تناولت وسائل الإعلام الأجنبية أحداث الاعتقالات التي طالت العديد من المسؤولين في الشركات المدرجة في الأسواق كرويترز وبلومبرغ وداو جونز، وهذه جميعها وسائل إعلام مهمة.
 
- سبب ثانوي آخر وهو التخوف من قيام الولايات المتحدة وحلفائها بعمليات عسكرية ضد إيران بخصوص الملف النووي، حيث يوجد في الخليج بعض قطع العتاد الحربي من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا.
 
شح الطلب وانخفاض السيولة
هناك عدة أسباب رئيسية لذلك ولعل أهمها:

1- السياسة النقدية المتشددة التي تتبعها المصارف المركزية في دول الخليج كافة لكبح جماح التضخم، وذلك عبر رفع الاحتياطي الإلزامي وشهادات الإيداع للبنوك المحلية.

2- حالة الشح في السيولة هي أيضا ظاهرة خليجية ناجمة عن تماثل شبه تام في الظروف والمعطيات الاقتصادية لهذه البلدان، إذ إن أزمة السيولة تعبير عن حالة استقطاب لهذه السيولة من قبل القطاع العقاري نجمت فعلا عن توسع في الإقراض العقاري استفاد من وفرة سيولة نجمت عن تدفق ودائع وسيولة أجنبية إلى دول الخليج في وقت واحد قبل أكثر من ستة أشهر، عندما كانت تروج فكرة واحتمال قيام دول الخليج بفك ارتباط عملاتها بالدولار أو على الأقل برفع قيمة هذه العملات تجاه العملات الأخرى.
 
التوسع السابق في الإقراض العقاري يجابه الآن مشكلة قيام الأجانب بسحب السيولة التي ادخلوها قبل أشهر في كل دول الخليج التي كانت مرشحة لفك ارتباط عملاتها بالدولار أو لرفع قيمة عملاتها كعُمان والكويت. وطبعا يلاحظ أن الدول التي كانت أكثر استقطابا للأموال المضاربة هي التي كانت تدور فيها إشاعات عن نسب عالية لرفع قيمة عملتها تجاه الدولار.
 
وقد كانت الإشاعات ترشح الإمارات لرفع قيمة عملتها بنسبة 20% في حين كانت الكويت التي فكت الارتباط بالدولار هي الأقل استقطابا للأموال المضاربة، كون رفع قيمة الدينار الكويتي كان محدودا ويتم وفقا لمعادلة سرية تتكون منها سلة العملات التي يعادل بها الدينار الكويتي. وهذا ما يفسر التأثير السلبي الأقوى في دولة الإمارات مقارنة مع الكويت التي لا تزال لحد إعداد هذه الدراسة محافظة على جزء ولو قليل من مكاسب هذا العام، بينما فقدت الإمارات 21.5% من أعلى مستوى سعري خلال العام الحالي.
 
وتباينت خسائر الأسواق الخليجية الأخرى بحسب قوة الرفع الذي كانت ترشحه إشاعات رفع قيمة العملة. وقد أدى ذلك إلى توسع عموم المصارف الخليجية -التي تعيش ظروفا متشابهة إلى حد كبير- في الإقراض نتيجة زيادة السيولة لديها بسبب ودائع الأجانب.
 
ولكن بعدما نفت دول الخليج عدة مرات نيتها فك ارتباط عملاتها بالدولار أو رفع قيمة عملاتها عادت هذه السيولة أدراجها من حيث أتت، ما ولد تناقصا سريعا غير متوقع في السيولة المصرفية أخذ بالتسارع بعدما بدأ الدولار بالعودة إلى الارتفاع.
 
ومن هنا بدأت ملامح أزمة السيولة في الأسواق المالية تزداد حدة بعدما اضطرت المصارف الآن للتشدد في الإقراض، نتيجة بلوغ فقرة القروض مستويات تزيد قليلا عن فقرة الودائع. ولعل هذه ما ذهبت إليه وأكدته صحيفة "وول ستريت جورنال" في تقرير أشارت فيه إلى أن البنوك في منطقة الخليج بشقيها الإسلامي والتقليدي لا تملك ما يكفي من السيولة للوفاء بكل طلبات الشركات لتوسيع عملياتها، مضيفة أنه ما لم تكن البنوك قادرة على تعزيز ودائعها أو تطوير أدوات مالية جديدة فإن الافتقار إلى المال يمكن أن يعمل مثل كابح مهم للسرعة التي يمكن أن تنمو بها المنطقة.
 
3- وكنتيجة لشح السيولة اضطرت المصارف لرفع أسعار الفائدة على الودائع الثابتة بأعلى من سعر الفائدة شبه المرجعي الذي يدفعه البنك المركزي على شهادات الإيداع، أي أنها تتزاحم في سبيل الحصول على الأموال النقدية لأنها غير قادرة على العثور على مودعين وذلك لغرض استقطاب المزيد من الودائع والسيولة لدى المصارف، الأمر الذي أدى أيضا إلى ارتفاع أسعار الفائدة ما بين المصارف، لذا فقد كان انعكاس الإجراءات النقدية مضاعفا في ثقله على أسواق المال، مرة من خلال قلة السيولة المقرضة لأغراض تمويل شراء الأسهم، ومرة أخرى من خلال تحسن الفرصة البديلة للاستثمار في الأسهم والمتمثلة في الودائع البنكية.
 
"
بدلا من أن ترفع أسعار النفط من مستوى السيولة، ساهمت الطفرة العقارية الكبيرة في سحب سيولة هائلة من الأسواق المالية
"
القطاع العقاري يستقطب السيولة
4- استقطاب السيولة من قبل القطاع العقاري، إذ في العادة يحجز المستثمرون العقاريون عدة وحدات سكنية عبر دفع عربون أولي لشرائها هذه الوحدات إلى المطور الذي يستوفي المبالغ حتى قبل أن يستلم الأرض ويحتفظ بالسيولة لديه، الأمر الذي يعني تجميد واحتجاز سيولة كبيرة جدا تفاقمت مع الطفرات العقارية التي أعقبت الفورة السعرية النفطية الحالية، كما أدى إلى تأثير عكسي على الاقتصادات الخليجية.
 
فبدلا من أن ترفع أسعار النفط من مستوى السيولة ساهمت الطفرة العقارية الكبيرة في سحب سيولة هائلة من الأسواق المالية، ومن ثم يتم تسديد المبلغ الباقي على دفعات متفق عليها من حيث الحجم أو التوقيت مسبقا.
 
وفي العادة أيضا يعتمد المستثمرون على تمويل البنوك لشراء الوحدات ويستخدم التمويل لسداد الأقساط الأولى من عمر الاستثمار، على أمل أن يقوم المستثمر خلال فترة بناء العقار ببيع هذه الوحدات إلى أفراد آخرين بهدف تحقيق الربح السريع.
 
5- تصاعد المخاوف غير المبررة من انفجار الطفرة العقارية، وهي من العوامل التي أدت إلى شح السيولة وهو خلل بتأثير جوانب نفسية وليست حقيقية، نجمت عن الشعور الذي تولد نتيجة إبداء العديد من المصارف الخليجية بعض التشدد في تقديم قروض للتمويل العقاري، وذلك إثر تصاعد المخاوف في العديد من دول الخليج من أزمة مماثلة لما حدث في العالم، وهو ما فسرته الأسواق نفسياً على أنه جرس إنذار لأزمة عقارية تتبعها -على غرار ما حدث في الولايات المتحدة- أزمة ائتمان حادة وشح في السيولة.

إن هذه المخاوف -غير المبررة إطلاقا- ناجمة عن تأثير القطاع العقاري سلبيا على أسواق المال عبر استقطابه للسيولة، وعن تزايد المضاربة في العقار بما سيوصل المصارف إلى قناعة حول مخاطر التمويل العقاري الانفلاتي، لتبدأ بتصعيب شروط الائتمان والتشدد في منح التمويل مقابل زيادة الدفعة الأولى. غير أن ذلك لا يعني أن دول الخليج ستواجه أزمة رهن عقاري تعقبها أزمة ائتمان.
 
 
المصدر : الجزيرة

التعليقات