شملت الانخفاضات الحادة كافة أسواق العالم المالية تقريباً في الشهرين الماضيين لأسباب عديدة، بعضها مفهوم ومبرر يأتي على رأسها تأثر أعمال الشركات سلباً بعد الارتفاعات المتوالية في أسعار النفط، خصوصاً أن البلدان الرئيسية -كالصين والهند- أصبحت مستورداً رئيسياً للنفط في العالم.
 
ومن الأسباب -وهو الأهم- تفاقم أزمات الائتمان في الاقتصادات العالمية والتي انتقلت بسرعة الهشيم من الاقتصاد الأميركي إلى اقتصادات أوروبا والمملكة المتحدة، لترفع خسائر الرهن العقاري إلى مستويات عالية أودت ببعض البنوك الكبرى كبنك ليمان براذرز وميرل لينش ومؤسسات مالية عملاقة.
 
في المقابل فإن الأسواق الخليجية التي تراجعت وفقدت المكاسب التي حققتها منذ بداية هذا العام، تعيش ظروفا ومعطيات اقتصادية مختلفة تماما، كان من المفروض أن تجعلها الملاذ الآمن للاستثمارات الهاربة من جحيم المشكلات الاقتصادية والمالية التي تعيشها أسواق الدول المتقدمة، وتدفع بها بالتالي نحو الارتفاعات الاستثنائية.
 
فالتأثر السلبي للدول الصناعية بأسعار النفط تقابله استفادة كبيرة لدول الخليج من زيادة مواردها المالية. وأزمة الرهن العقاري التي أضرت بالنمو وتطلبت تخفيض الفائدة وتراجع قيمة العملة الأميركية لم يكن لها تأثير على المصارف الخليجية التي واصلت تحقيق معدلات نمو عالية خلال الأرباع الماضية من العام الحالي واتضح أنها بمنأى عن تأثيرات  إفلاس البنوك الأميركية.
 
كما أن أزمة الائتمان الناجمة عن الديون المعدومة بسبب أزمة الرهن العقاري لم تكن حاضرة في دول الخليج إطلاقا، إضافة إلى أن الخفض التلقائي للفوائد في دول الخليج بسبب ارتباط عملاتها بالدولار كان من المفروض أن يرفع من السيولة المتجهة إلى أسواق المال بسبب انخفاض العوائد البنكية.
 
"
لعل تاريخ بدء التراجع في الأسواق الخليجية وتوقيته يحمل أهمية كبيرة في تشخيص الأسباب التي تقف وراء هذه التراجعات التي ضربت المنطقة
"
تراجع الأسواق الخليجية

ورغم كل هذه العوامل المختلفة فإن الأسواق الخليجية بدأت مسلسل التراجع بشكل خاص منذ منتصف يونيو/ حزيران الماضي، ولعل تاريخ بدء التراجع في هذه الأسواق وتوقيته يحمل أهمية كبيرة في تشخيص الأسباب التي تقف وراء هذه التراجعات التي ضربت المنطقة.
 
فمن السهولة الزعم بأن الأحداث السياسية والتشنجات التي تمر بها المنطقة تشكل العامل الرئيسي لتراجع الأسواق. ومن السهولة أيضا البحث في الجعبة القديمة للتفتيش عن أسباب وأعذار تبرر البيع في ظروف تماثل الأداء الجيد بل الممتاز لكل الأسواق الخليجية دون استثناء، حيث لم تتخلف شركة قيادية خليجية واحدة عن تحقيق نمو ملموس في الأرباح الربعية الثلاثة الماضية، بحيث أصبحت المضاعفات الربحية لبعض تلك الشركات أقل من عشرة قبل أن تنخفض إلى أكثر من ذلك بعدما تراجعت الأسواق لتصل إلى أقل من خمسة، معلنة الوصول إلى أكثر المستويات التاريخية جاذبية للاستثمار.
 
ورغم بلوغها هذه المستويات الجذابة فإن الأسواق الخليجية واصلت التراجع. وليس من المتوقع أن تشهد في المستقبل القريب المنظور تحسنا في الأداء قبل أن يزول السبب الذي نعتقد أنه يقف وراء هذا التراجع، وهو عمليات التسييل التي تقوم بها صناديق ومحافظ أجنبية في ظل تراجع هائل في مستويات السيولة المحلية.
 
وللتفصيل في الموضوع  سنبحث فيه من خلال المحورين التاليين:
 
 

المصدر : الجزيرة