تعيش أسواق المال الخليجية أفضل أوقاتها من حيث الأداء، سواء الخاص بالشركات وأرباحها أو المتعلق بالاقتصاد الخليجي بجانبيه الريعي والحقيقي.
 
لكن مشكلة هذه الأسواق تكمن في أداء الاقتصاد العالمي الذي يعكس بسبب العولمة بعضا من أدائه الدوري السيئ على الاقتصادات الخليجية التي تتحمل أعباء بيع تعثري لمؤسسات مالية أجنبية يفترض أنها جاءت إلى الخليج بهدف الاستثمار وليس المضاربة كما يحدث الآن.
 
وللإجابة على السؤال إلى أين؟ سيتوقف الأمر على قرار الحكومات الخليجية في تعويض الاقتصاد بسيولة أولى بها أن تستثمر في الاقتصاد الوطني في هذه المرحلة بدلاً من التوظيف السيادي المقيد في الدول المتقدمة، خصوصا في ظل هذه الظروف التي تضطرب فيها أسواق الدول المتقدمة وتتعرض فيها اقتصاداتها للكساد.
 
"
الجهاز المصرفي في دول الخليج يحتاج إلى سيولة إنقاذ تضخ في المصارف التجارية العاملة لتعوض النقص الذي أصابها بسب رحيل أموال المضاربة
"
سيولة تعويضية
فالجهاز المصرفي في دول الخليج بحاجة ماسة إلى سيولة تعويضية عن السيولة الأجنبية المضاربية (الفخ) التي أدت إلى انتفاخ القروض وانكماش الودائع، لتترك الاقتصاد في أزمة سيولة مفتعلة غير حقيقية، فهي إذن بحاجة إلى سيولة إنقاذ تضخ في المصارف التجارية العاملة لتعوض النقص الذي أصابها بسب رحيل أموال المضاربة.
 
ولكن هذا ليس كل شيء، إذ لا بد من الوقاية أيضا لأن الداء قد يعود وهذا يعني اتخاذ الإجراءات التالية:

أولا- هناك حاجة إلى تنظيم عمل الصناديق الاستثمارية الأجنبية في الدولة، حيث إن الهدف من استقطاب المستثمر الأجنبي هو المشاركة في التنمية والتطوير وهذا لا يتم خلال فترة زمنية بسيطة، وبالتالي فإن دخول محافظ استثمارية في الدولة تحت شعار مستثمر طويل الأجل ومن ثم الخروج المبكر مع إحداث زوبعة في الأسواق المالية لا يخدم الهدف المنشود.
 
ومعلوم لدينا ما يمكن أن يحدث في البلدان الغربية إذا ما قام صندوق سيادي بالإخلال بالضوابط الصارمة حيث تقوم الدنيا ولا تقعد، ولذلك يجب أن تعامل الصناديق الأجنبية بالمثل، وهو أمر لا يخل بقواعد العدالة، لذا فإننا نقترح الضوابط التالية:

1- تسجيل هذه الصناديق لدى الجهات الرقابية قبل العمل في الدولة.

2- الإفصاح الصريح عما إذا كان هذا الصندوق سياديا أو استثماريا.

3- الإفصاح عن طبيعة عمل الصندوق (هل هو تحوط أو استثماري أو مضاربة...إلخ).

4- الإفصاح عن السياسة والفترة الزمنية الاستثمارية مسبقا.

5- الإفصاح الشهري عن محفظة الصندوق لدى الجهات الرقابية.

6- الإفصاح عن أية عوامل خارجية تؤثر على قرارات الصندوق (كإفلاس الشركة الأم, أو تدهور الوضع المالي للشركة الأم وغيرها).
 
التزامات المحافظ الأجنبية
ثانيا- على كافة المحافظ والصناديق الأجنبية أن تتعهد وتلتزم بما يلي:

1- عدم مخالفة قوانين الدولة من حيث تبيض الأموال.

2- عدم استغلال الاستثمار لأهداف أخرى، منها التأثير على القرار السياسي أو النظام المالي.

3- الالتزام بالسياسة الاستثمارية والفترة الزمنية المستهدفة وأخذ موافقة السوق مسبقا في حال تغير أحد هذه الشروط.

4- تزويد الجهات الرقابية بأية معلومات تطلبها من هذه الصناديق.

5- الالتزام بعدم طرح مشتقات مالية أو إقراض هذه الأسهم للتداول في الأسواق المالية المحلية أو الأسواق المالية الأجنبية إلا بعد موافقة الهيئة. وفي حال الحصول على موافقة الهيئة يجب أن يتم التداول في هذه المشتقات في الأسواق المالية المحلية فقط.

6- التعهد بعدم التحالف مع صناديق استثمارية أخرى محلية أو أجنبية للتأثير على أسعار الأسهم وإحداث بلبلة في الأسواق المالية.

7- أية تعهدات أخرى تحفظ الاستقرار في الأسواق المالية وتمنع عنه التلاعب في الأسعار والسيطرة عليها.
 
"
هناك حاجة إلى إعادة الثقة عبر التأكيد على والالتزام بمبادئ الإدارة الرشيدة وحوكمة الشركات، وحاجة إلى طرح بعض الشركات للتدقيق من طرف محايد وإعطاء شهادة بصحة الوضع المالي وعرضها على الجمهور ومنع أعضاء مجالس الإدارة والعاملين بالشركة من شراء أو بيع أسهمها إلى حين ظهور التقرير
"
إعادة الثقة
ثالثا- هناك حاجة إلى إعادة الثقة عبر التأكيد على والالتزام بمبادئ الإدارة الرشيدة وحوكمة الشركات، وحاجة إلى طرح بعض الشركات للتدقيق من طرف محايد وإعطاء شهادة بصحة الوضع المالي وعرضها على الجمهور ومنع أعضاء مجالس الإدارة والعاملين بالشركة من شراء أو بيع أسهمها إلى حين ظهور التقرير.
 
رابعا- قيام البنوك بتأجيل الضغط على العملاء المقترضين برهن الأسهم خلال هذه الفترة لكون هبوط الأسعار حالة استثنائية وستعود الأسواق إلى وضعها الطبيعي مع انتهاء شهر رمضان.
 
وبالتالي فإن بعض المستثمرين لن يستطيعوا تغطية الفوائد على القروض خلال هذه المرحلة، الأمر الذي يجعل صبر البنوك خلال هذين الشهرين على تلكؤ العملاء في التسديد ذا أثر إيجابي جدا على الأسواق كونه سيحول دون تسارع عمليات البيع الاضطراري والتي قد تطيل من فترة تعافي الأسعار وتسبب مشاكل في السوق وأيضا في البنوك تنتشر منها إلى العديد من القطاعات.
 
خامسا- نعتقد أن من المناسب أن توجه الحكومات الخليجية جزءا من الفوائض النفطية للسنة الحالية نحو الاقتصاد الوطني، ربما بشكل ودائع حكومية لدى المصارف التجارية بهدف تعويض السيولة الأجنبية التي خرجت والتي من المؤكد أنها كانت أحد أسباب الشحة الحالية في سيولة الأسواق المالية والتي أيضا أدت إلى أن يكون لتسييلات الأجانب هذا الأثر الكبير على انخفاض المؤشر العام للأسواق.
 
سادسا- قيام الأسواق في الدول الخليجية بتوفير بيانات واضحة عن المحافظ الأجنبية التي تمتلك نسبة تفوق الـ0.5% كي يمكن للأسواق الخليجية معرفة القاع الذي سترسو عنده عمليات البيع المتواصلة التي تقوم بها المحافظ والصناديق الأجنبية منذ نحو شهرين ونصف عبر معرفة ما تبقى لديه من أسهم محل التسييل.
 
سابعا- ضرورة أن تعيد المصارف المركزية الخليجية النظر في سياستها النقدية المتشددة الهادفة إلى الحد من وتيرة التضخم، وذلك في ضوء بدء العد العكسي لمسيرة الدولار أمام العملات الدولية والتي ستنعكس على قيمة العملات الوطنية وقوتها الشرائية من الخارج، ما سيدفع نحو استقرار التضخم ومن ثم تراجع معدلاته إلى المستويات المقبولة.
 
وستؤدي إعادة النظر هذه في النهاية إلى إطلاق سيولة جديدة لدى المصارف توفر على الأقل أجواء نفسية ملائمة لعودة السيولة.
 
 
 
_____________________

المصدر : الجزيرة