عبد الحافظ الصاوي
 
 
أدى تخلي الحكومة المصرية عن السيطرة على السلع الإستراتيجية لصالح القطاع الخاص في إطار برنامج الخصخصة، وعدم تدخلها لإصلاح وضبط سوقها كحد أدنى، إلى حدوث خلل كبير بها مثلما يحدث في مادتي الحديد والإسمنت اللتين شهدتا ارتفاعات كبيرة وغير مسبوقة، كما شهدت ممارسات خاطئة مثل الاحتكار أو منافسة غير عادلة أو وجود أسعار لا تمثل كفاءة وجودة المنتجات.
 
مع مطلع شهر أغسطس/آب الحالي نشرت الصحف المصرية تصريحات لوزيري الاستثمار والتجارة والصناعة في مصر تتحدث عن عزم الحكومة الدخول في مجال الاستثمار المباشر لإنتاج الحديد والإسمنت، وأن هذه الاستثمارات سوف تتوجه إلى صعيد مصر، وأنه قد تم الحصول على موافقات المجلس الأعلى للطاقة.
 
وتتمثل هذه الاستثمارات في إنشاء مصنع لإنتاج الحديد بتكلفة استثمارية قدرها 5.5 مليارات جنيه لإنتاج نحو 1.5 مليون طن سنويا، والمصنع الآخر حصلت على رخصته إحدى شركات قطاع الأعمال العام لإنتاج 1.5 مليون طن سنويا وبتكلفة قدرها 1.6 مليار جنيه، والمنطقة المزمع إقامته فيها هي محافظة قنا. ولقيت هذه الخطوة ارتياحا لدى الشارع المصري الذي لمس فيها بادرة نحو إصلاح سوق الحديد والإسمنت.
 
لكن لم تمض أيام معدودات بل ساعات حتى خرج وزير التجارة والصناعة لينفي ما نشر عن هذا الاتجاه الحكومي، كما أن وزير الاستثمار ذهب ليبرر تصريحاته بأنها مجرد إعادة توظيف لفوائض شركات عامة وليس ضخ استثمارات جديدة، وأن مصنع الحديد قيد إعداد دراسة الجدوى التي ستنتهي في نوفمبر/تشرين الثاني القادم.

"
البعض شكك في قدرة الحكومة على مواجهة المهندس أحمد عز الذي يلقب بملك الحديد في مصر ويحظى بنفوذ سياسي كبير في الفترة الماضية
"
وقد شهد هذا التضارب في تصريحات المسؤولين الحكوميين انتقادات من قبل الكتاب والصحافيين، كما أن البعض شكك في قدرة هؤلاء الوزراء على مواجهة صاحب أكبر مصانع للحديد في مصر المهندس أحمد عز الذي يحظى بنفوذ سياسي كبير، حيث يشغل أمين تنظيم الحزب الوطني وكذلك رئيس لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب، وهو صاحب مكانة خاصة في لجنة السياسات التي يرأسها جمال مبارك نجل رئيس الجمهورية.
 
والبعض ذهب لاتهام الوزراء بأن تصريحاتهم للاستهلاك الصحفي، ودلل على ذلك بالمهلة التي حددت لدخول مصنع الحديد الحكومي الذي ذهبت التصريحات الأولية باتجاه إنشائه، حيث حددت مهلة 40 شهرا لدخوله مرحلة الإنتاج، وهي مدة طويلة لا تتفق وحالة السوق التي تحتاج فترات أقصر من هذه المدة.
 
هناك نوع من التلبيس على العامة بشأن مفهوم الإصلاح، فالإصلاح في معناه الحقيقي هو تقويم المعوج والخروج من دائرة الخسارة إلى الربح ومن الاحتكار إلى المنافسة.


 
كان المفهوم الذي ترسخ لدى الكثيرين منذ تطبيق برامج وأجندة الصندوق والبنك الدوليين أو التي اصطلح على تسميتها ببرامج الإصلاح الاقتصادي، أنها ليست وسيلة للتخلص من الاستثمارات العامة لصالح القطاع الخاص بغض النظر عن مردودها الاقتصادي والاجتماعي. وقد حظى برنامج الخصخصة المصرية بكثير من اللغط منذ بداية تطبيقه، سواء لما اعتراه من عمليات فساد أو بيع لشركات رابحة، أو زيادة سيطرة القطاع الخاص على الأسواق وفرض شروطه على المستهلكين بما أدى إلى زيادات غير مبررة في الأسعار.
 
ولكن الإصلاح الحقيقي الذي تعرفه الأدبيات الاقتصادية، حتى في ظل تطبيق اقتصادات السوق، هو أن الدولة تتدخل في النشاط الاقتصادي سواء كان إنتاجيا أو خدميا، طالما وجدت عجزا من القطاع الخاص في تلبية احتياجات السوق، أو جدت أن هناك ممارسات خاطئة من قبل القطاع الخاص مثل الاحتكار أو منافسة غير عادلة أو وجود أسعار لا تمثل كفاءة وجودة المنتجات.
 
في الحالة المصرية، نجد أن دخول الحكومة عبر استثمارات عامة في مجال السلع الإستراتيجية مثل الحديد والإسمنت قد تعرض للكثير من التعطيل والمماطلة، وكان ينبغي أن يتم في وقت مبكر، بل يمكننا القول بأن الحكومة تبين لها خطؤها الآن في إقدامها على بيع حصتها في هذه القطاعات، فقد خرجت تماما من مجال إنتاج الحديد والإسمنت وأصبحت تمتلك حصصا غير مؤثرة داخل هذه الشركات بعد أن كانت
هي الطرف المسيطر في السابق.
 
وقد تجلى لها سوء تقديرها في بيع هذه الشركات عندما رفضت شركات القطاع الخاص العاملة في مجال الإسمنت الاستجابة لمطلب وزير التجارة والصناعة بخفض الأسعار أو تلبية احتياجات السوق المحلي أولا، وهو ما دعا الوزير فيما بعد إلى فرض رسوم تصدير على كل طن تصل لنحو 180 جنيها مصريا.
 
كما عمدت الحكومة في الفترة الأخيرة إلى اتخاذ خطوات لإلغاء الدعم المقدم للطاقة لهذه الشركات في ثلاث سنوات، ولكن هذه الشركات استطاعت أن تلتف على هذه القرارات وحملت بها المستهلك المصري، فارتفعت الأسعار في كل من الحديد والإسمنت، وأصبح سعر طن الحديد يقارب نحو 9 آلاف جنيه مصري بعد أن كان من قبل سنتين في حدود 5 آلاف جنيه، وكذلك الإسمنت قفز سعره من نحو 300 جنيه للطن إلى نحو 450 جنيها للطن.


 
هناك الكثير من الدلالات التي يعكسها موقف الحكومة المصرية بتراجعها عن الدخول في إنتاج الحديد والإسمنت، ومنها:

1. أن هناك ضغوطا خارجية تمارس على الحكومة المصرية بعد الولوج إلى مجال الإنتاج لهذه السلع وتركها للقطاع الخاص، وذلك وفق منهج سيطرة الليبرالية الاقتصادية الحديثة والتي تتبناها العولمة، من خلال إزالة العوائق أمام القطاع الخاص أيا كانت والخروج التام للدولة من مجالات الإنتاج، وأن ما سينشأ من مشكلات داخل الأسواق سوف تحله آليات العرض والطلب من تلقاء نفسها. وهذا غير مقبول على أرض الواقع، فلو كان ذلك صحيحا لما تدخلت أميركا من قبل في فرض رسوم إغراق على منتجات الحديد المستوردة من اليابان والاتحاد الأوروبي، أو لسمح الاتحاد الأوروبي وأميركا برفع الدعم عن القطاع الزراعي بهما.
 
2. هناك نفوذ حقيقي يمتلكه لوبي رجال الأعمال في الدولة المصرية، ووجودهم في الهيئة التشريعية وعلى المسرح السياسي هو من قبيل تحقيق مصالحهم بالدرجة الأولى، وهو الأمر الذي تجلى في إصدار العديد من التشريعات الاقتصادية والتي كان آخرها التعديلات التي أدخلت على قانون تنظيم المنافسة ومنع الاحتكار.
 
فزواج رأس المال والسلطة هو التوصيف الذي أطلق على توغل رجال الأعمال في مؤسسات النظام، خاصة في السلطتين التنفيذية والتشريعية. والمشكلة التي يكرسها هذا الوضع أنه لا يضع حدودا فاصلة بين دور رجال الأعمال بحكم أنشطتهم وممارستهم الاقتصادية وهذا النفوذ في ردهات النظام المصري، فأصبح منهم الوزراء ورؤساء مؤسسات اقتصادية عامة مثل جهاز حماية حقوق المستهلك أو جهاز تنظيم المنافسة، والتي من الواجب أن يتولاها ناشطون من المجتمع الأهلي لا تكون لهم مصلحة في التواجد على رأس هذه الأجهزة.
 
"
كل من رجال الأعمال والنظام المصري يستقوي بعضهم ببعض، فرجال الأعمال يحققون مصالحهم الشخصية والذاتية عبر السيطرة على الأسواق وتعظيم الثروة في ظل أضرار كبيرة تقع على الشعب المصري، بينما النظام يستقوي بهم في توطيد بقائه
"
كما شغل رجال الأعمال معظم المراكز الحساسة في مجلس الشعب المصري من خلال رئاسة لجانه الفرعية أو شغل مناصب وكلاء هذه اللجان.
 
وخلاصة القول في هذا الصدد إن كلا من رجال الأعمال والنظام المصري يستقوي بعضهم ببعض، فرجال الأعمال يحققون مصالحهم الشخصية والذاتية عبر السيطرة على الأسواق وتعظيم الثروة في ظل أضرار كبيرة تقع على أفراد الشعب المصري، بينما النظام يستقوي بهم في توطيد بقائه.
 
ورغم أن رجال الأعمال هؤلاء لا يمثلون رصيدا شعبيا حقيقيا يمكنهم من مساندة النظام، ولكن النظام يستعين بهم من أجل تجميل صورته في الخارج خاصة أمام الغرب الذي يدعو لتبني النموذج الليبرالي الرأسمالي.
 
3. سوف يترسخ لدى رجل الشارع أن الإصلاح لم يعد ممكنا، وأن الحكومة سوف يقتصر دورها على مشاهدة هذا الماراثون لارتفاع الأسعار، وأن دورها الحالي يزكي أجواء المضاربة التي يشهدها سوق بيع الحديد والإسمنت، حيث شهدت هاتان السلعتان طوابير طويلة على شبابيك الحجز بمنافذ البيع للشركات المنتجة، وهذه المضاربة من شأنها أن تشيع حالة الفساد التي شهدتها أسواق أخرى مثل العقارات وسوق الأوراق المالية. واستمرار ابتعاد الحكومة عن الدخول في الاستثمارات العامة للسلع الإستراتيجية لا يعني سوى مساعدة القطاع الخاص على ممارسة الاحتكار والمنافسة غير العادلة.
 
4. إن وجود فوائد لدى شركات قطاع الأعمال العام أمر إيجابي واستثماره في نشاط إنتاجي يصنع فرص عمل ويحقق قيمة مضافة هو الاتجاه الصحيح، في ظل تزايد العجز بالموازنة العامة للدولة والتي تستقطب كافة المبالغ المتحصلة من عوائد الشركات العامة وعوائد البترول وقناة السويس وغيرها، ومع ذلك يظل هناك عجز مزمن، خاصة أن الاستثمارات العامة بالموازنة -ومنذ تطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادي- لم تتعد نسبة 10 % من حجم الإنفاق العام، وفي مجملها تنصرف إلى الإحلال والتجديد وأعمال الصيانة ولا تتجه لإنشاء مشروعات جديدة.
 
"
الظروف الحالية تتيح لمصر فرصة قد لا تتكرر فيما بعد لتقليص الآثار السلبية لعمليات الخصخصة، وإحداث نوع من التوازن في السوق خاصة في السلع الإستراتيجية، وهي خطوة يؤيدها الشارع والرأي العام شريطة ألا تدار هذه المشروعات بعقلية القطاع العام في الماضي أو جعلها مرتعا للمحسوبية والوساطة أو إدارتها بمنطق تفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة
"
5. إعلان الحكومة عن عزمها إقامة مشروعات عامة لا يعني مزاحمة القطاع الخاص، أو النكوص عن عهدها بريادة هذا القطاع لعملية التنمية، حيث أعطت الحكومة للقطاع الخاص في الفترة الماضية تراخيص عدة بإنشاء مصانع لإنتاج الحديد والإسمنت، وبالتالي فالدولة هنا ليست محتكرة أو مزاحمة، حيث لا يزال السوق يستوعب هذه الأعداد من المصانع، لكن الهلع الذي أثاره إقدام الحكومة على إنشاء مصنعين أحدهما للحديد والآخر للإسمنت لدى القطاع الخاص أو الخارج أثار علامات استفهام كثيرة؟!
 
ختاما، فإن الظروف الحالية تتيح لمصر فرصة قد لا تتكرر فيما بعد لتقليص الآثار السلبية لعمليات الخصخصة، وإحداث نوع من التوازن في السوق خاصة في السلع الإستراتيجية، وهي خطوة يؤيدها الشارع والرأي العام شريطة ألا تدار هذه المشروعات بعقلية القطاع العام في الماضي أو جعلها مرتعا للمحسوبية والوساطة أو إدارتها بمنطق تفضيل أهل الثقة على أهل الخبرة.
 
 فالظروف الحالية تتطلب وجود إدارة اقتصادية لتكون نموذجا لتحفيز المشروعات العامة الأخرى أو مشروعات القطاع الخاص.

وإذا كان القطاع الخاص اليوم يمتعض أو يعترض على إقدام الحكومة على هذه الخطوة، فالتخوف مستقبلا أن يكون القطاع الخاص في موقف من يملي شروطه.

المصدر : الجزيرة