التذمر الشعبي من ارتفاع الأسعار والأزمة الاقتصادية بات يظهر اليوم أكثر من أي وقت مضى (الجزيرة نت)

محمد النجار-عمان

 

لا تخفي الحكومة الأردنية أن الوضع الاقتصادي يمثل التحدي الأول لها اليوم وأن موجات الغلاء العالمية في أسعار الطاقة والغذاء تشكل ضغطا على موارد وخزينة المملكة، لكنها تراهن على تعاون رسمي شعبي للتعامل مع هذا التحدي الكبير.

 

غير أن خبراء باتوا يشككون في قدرة المواطن الأردني على تحمل الأعباء المتزايدة التي يفرضها الارتفاع المستمر لأسعار الطاقة، في حين نجحت خطط حكومية في وضع حد لارتفاع أسعار المواد الغذائية عبر توفير المواد الأساسية لدى أسواق المؤسستين المدنية والعسكرية.

 

ويرى نائب رئيس مركز الدراسات الإستراتيجية في الجامعة الأردنية الدكتور فارس بريزات أن المواطن الأردني لديه تصور عام بأن الحكومة تلجأ لرفع أسعار الطاقة "مضطرة أمام ما يشاهده من ارتفاع مستمر لأسعار النفط العالمية إضافة لأسعار المواد الغذائية".

 

وقال بريزات للجزيرة نت إن المواطن يدرك أن الحكومة لا تزال قادرة إدارة الأزمة كونها تعتبر "أكبر موظف فهي تقدم الرعاية الصحية والمساعدات للفقراء عبر صناديق العون".

 

تذمر شعبي

ويذهب بريزات للتأكيد أن التذمر الشعبي من ارتفاع الأسعار والأزمة الاقتصادية بات يظهر اليوم أكثر من أي وقت مضى في الأردن.

 

وتابع أن الدراسات تشير إلى أن الأوضاع يمكن أن تنفجر في منطقة ما عندما يصل شعور ثلث سكانها إلى أنه لا توجد عدالة، وأضاف "الاحتجاج العنيف لا يظهر مرة واحدة بل لديه مؤشرات وأبرز هذه المؤشرات هي الشعور بعدم المساواة والعدالة بين المواطنين".

 

وتكشف دراسة أعدها باحثون في مركز الدراسات الإستراتيجية أن الاحتجاجات الشعبية في مدينة معان (250 كيلومترا جنوب عمان) اندلعت قبل سنوات عندما تجاوز الشعور بعدم العدالة لدى المواطنين هناك نسبة 33%.

وتلفت الدراسة إلى أن منطقتين في الأردن اليوم تقتربان من هذه النسبة، وهما الطفيلة جنوبي الأردن والزرقاء التي تعتبر ثاني أكبر مدينة بعد العاصمة عمان.

 

غير أن بريزات يشير إلى أن الحكومة في الأردن لا تزال قادرة على التدخل السريع في المناطق الأكثر تذمرا عبر تنفيذ خطط ومشروعات وربما اللجوء لتقديم معونات لسكانها الفقراء للحد من حالة التذمر مما يساهم في إطفاء الأزمات أو تسكينها.

 

ويرى المحلل الاقتصادي خالد الزبيدي أن الغلاء الشديد والمستمر سواء كان له ما يبرره أم لا "يضعف الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي ويؤثر على الاستقرار السياسي والأمني".

 

وقال للجزيرة نت إن تاريخ الشعوب القديم والحديث يؤكد حقيقة أن معظم الثورات والاحتجاجات كانت تنطلق بالأساس من أسباب معيشية.

 

ويشير الزبيدي إلى أن الناس في الأردن "يدركون أن أسباب الغلاء عالمية بالأساس وأن الحكومة لا يد مباشرة لها فيها".

 

لكنه يرى أيضا أن هناك "ضعفا واضحا في إدارة الأزمة المعيشية"، ويبين أن الحكومة لم تتخذ حتى اليوم قرارات إستراتيجية مثل التوجه لمشروعات كبرى لزراعة القمح مثلا أو اللجوء لخيارات بديلة لتخفيف أعباء ارتفاع أسعار الطاقة على المواطن الفقير.

 

فجوة في الثقة

خالد الزبيدي: الغلاء الشديد والمستمر سواء كان له ما يبرره أم لا يضعف الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي (الجزيرة نت) 

ولا يخفي بريزات والزبيدي أن "صور الاحتجاجات العنيفة" في دول أخرى قد تساهم في نشوء اضطرابات اجتماعية خاصة مع اتساع فجوة في الثقة بين المواطن وأصحاب القرار في البلاد.

 

وقال بريزات إن ما ظهر حديثا في الأردن من جدل حول صفقات بيع أراضي الدولة وفضيحة القاعة القمار وغيرها "يساهم في زيادة فجوة الثقة بين المواطن وأصحاب القرار."

 

ويؤكد الزبيدي أن أخطر مساعد على الاحتجاجات العنيفة هو السلوك الرسمي غير الشفاف فيما يتعلق بهذه الصفقات، خاصة أن المواطن بات يسمع عن صفقات تنفذ بالمليارات دون أن يلمس أي تحسن في أوضاعه المعيشية.

 

وبينما يطالب الزبيدي بأن لا يراهن أصحاب القرار على "صبر الأردنيين طويلا"، يؤكد بريزات ثقته بأن وعي المواطنين بأن أسباب المشكلة خارجية يدفعهم لمزيد من الصبر، لكنه يطالب المسؤولين بالتخفيف من فجوة الثقة القائمة والتي قد تكون السبب في أي احتجاجات عنيفة مستقبلا.

المصدر : الجزيرة