النفط العراقي .. خمس سنوات من الاحتلال
آخر تحديث: 2008/4/1 الساعة 13:39 (مكة المكرمة) الموافق 1429/3/26 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/4/1 الساعة 13:39 (مكة المكرمة) الموافق 1429/3/26 هـ

النفط العراقي .. خمس سنوات من الاحتلال

 
 
 
هل كان غزو العراق عام 2003 من أجل النفط؟ الإدارة الأميركية ما تزال مصرة على أن أهدافها كانت نبيلة، وأنها جاءت من أجل تخليص العراق من الديكتاتورية ونشر الديمقراطية!. لكن أي مراجعة محايدة لمسيرة الأعوام الخمسة ستثبت العكس.
 
 
إن الاستشهاد يأتي بأقوال عدد من كبار المسؤولين الأميركيين عند بدء الغزو، فقد قال القائد العسكري الأميركي الأسبق للمنطقة الوسطى جون أبي زيد قبل بضعة أشهر في جامعة ستانفورد "طبيعي أن الحرب كانت من أجل النفط ولا نستطيع نكران ذلك.. لقد عاملنا العالم العربي وكأنه مجموعة من محطات الوقود".
 
وذكر رئيس الاحتياطي الاتحادي الأميركي السابق آلان غرينسبان في كتابه نهاية العام 2007 "أنا حزين لأن أعترف بما يعرفه الجميع الآن.. إن الحرب على العراق كانت من أجل النفط".
 
أما عراب الاحتلال بول وولفويتز الذي شغل في السابق منصب وكيل وزارة الدفاع الأميركي ثم رئيس البنك الدولي فقال في لقاء بقاعدة عسكرية أميركية جنوب شرق آسيا أواخر 2003 للتمييز بين كوريا الشمالية والعراق "إن العراق يطفو على بحيرة من النفط".
 
ويعترف جميع المراقبين بأن الوضع قد أصبح الآن بسبب الاحتلال مأساويا وانحدر نحو الفوضى بجميع المقاييس كما تؤكده المنظمات الإنسانية والدولية. وقد اعترف الجنرال ريكارود سانشيز قائد قوات الاحتلال في الفترة (2003-2004) في مقابلة تلفزيونية أواخر 2007 بأن الحرب على العراق أصبحت كابوسا على العالم.
 
وأيد ما تقدم رئيس أركان الجيش البريطاني لنفس الفترة مستخفا بمبررات رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير لشن الحرب.
 
فقد تعرضت المنشآت النفطية للتدمير والتدهور رغم سعي إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش لإقناع الشعب الأميركي بأن إيرادات النفط العراقية ستكون كافية لا لتمويل الحرب فحسب بل لإعادة الإعمار.
 
وبلغت تكاليف الحرب حتى الآن أكثر من 600 مليار دولار، والمتوقع أن تصل إلى ثلاثة تريليونات دولار حسب دراسات أشهر الاقتصاديين الأميركيين إضافة إلى تجاوز عدد القتلى من الجنود الأميركيين فقط 4000 ومن العراقيين المليون!! ناهيك عن أعداد أكبر من الجرحى والمعوقين.


 
يقدر الاحتياطي الثابت في العراق بـ115 مليار برميل، ولم تجر اكتشافات منذ العام 1990 بسبب ظروف الحصار ثم الاحتلال.
 
ويوجد حوالي 250 مليار برميل احتياطي محتمل، وإذا افترضنا تحويل 50% منه فقط لاحتياطي ثابت لأصبح الاحتياطي بحدود 240 مليار برميل، علما بأنه اكتشف حتى 1990 أكثر من 85 حقلا.
 
وفي ضوء ما تقدم باستطاعة العراق إنتاج ما يصل إلى 10 ملايين برميل يوميا دون اكتشافات جديدة. وقد أنتج فعلا 3.5 ملايين يوميا عام 1980، وباشر بعمليات توسيعها إلى 6 ملايين إلا أنها توقفت بسبب الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر/ أيلول 1980 التي استمرت ثماني سنوات.
 
وبلغ إنتاج النفط قبيل الاحتلال الأميركي -ورغم ظروف 13 عاما من الحصار- ما بين 2.8 و3 ملايين، لكن معدل الإنتاج هبط في السنوات الخمس منذ الغزو إلى أقل من مليوني برميل يوميا والصادرات إلى 1.2 مليون بعد أن وصل معدلها إلى 2.5 مليون برميل يوميا قبيل الاحتلال. وكان أقصى ما وصلته الصادرات أثناء الاحتلال هو 1.65 مليون والإنتاج 2.18 مليون برميل.
 
وتبقى مسألة نصب عدادات النفط على المنشآت البحرية والبرية لغزا محيرا، بل وأصبح أمرا مقصودا بعد فشل الاحتلال والأجهزة العراقية في تشغيل العدادات بدءا من آبار النفط إلى المستودعات والمصافي وأنابيب النقل وموانئ التصدير، ورغم الوعود التي أطلقتها الحكومات المتعاقبة على مر السنين الماضية، يتساءل المرء هل من المعقول أن تعجز دولة مثل الولايات المتحدة عن تنفيذ مثل هذا الأمر الهين؟
 
لقد صدرت تقارير وعلى أعلى المستويات من الولايات المتحدة والأمم المتحدة وتقارير عراقية عن ديوان الرقابة، وزارة النفط بشرطة السواحل في البصرة وهيئة النزاهة تؤكد جميعها حدوث عمليات التهريب، لكنها تختلف فحسب في تحديد حجم التهريب والسرقة.
 
وبناء على حسابات أجرتها نشرة بلاتز العالمية قدرت كمية النفط المفقود بـ60 مليون برميل عام 2005 و44 مليون برميل عام 2006 و21.5 مليونا عام 2007 أي بمجموع يصل إلى 125 مليون برميل تقدر قيمتها بـ6.6 مليارات دولار. وبناء على تقرير صادر عن وزارة


النفط (المفتش العام) قدرت قيمة المشتقات النفطية المفقودة للعام 2005  فقط بـ1.25 مليار دولار.
 
 
كانت طاقة المصافي في العراق قبل الاحتلال أكثر من 700 ألف برميل يوميا رغم ظروف الحصار، وكان يجري تصدير المشتقات النفطية في حين تبلغ الطاقة الحالية نحو 500 ألف برميل، وتعمل المصافي بنسبة 50%-60% فقط، رغم أنها لم تتعرض للقصف أو التخريب باستثناء الأنابيب الناقلة للنفط الخام أحيانا.
 
لكن هذا التراجع يعود لسوء الصيانة وانعدام أعمال التطوير أو إضافة أجهزة بديلة، وفشل الأجهزة الأمنية بحماية الأنابيب رغم صرف مئات الملايين لمقاولين محليين وشركات أجنبية ذهبت مهب الريح، وفشلت في الحد من عمليات العصابات والمليشيات المنظمة بالربط على الأنابيب والمستودعات وسرقة النفط أو المشتقات خاصة في الجنوب ومنطقة بيجي.
 
"
العراق يستورد المشتقات النفطية بمبالغ بلغت حدود خمسة مليارات دولار سنويا تكفي لإنشاء مصفاة بطاقة 300 ألف ب/ي ! وهو أمر فشلت الإدارات المتعاقبة بالقيام به باستثناء عدد محدود من المصافي الصغيرة
"
منذ يونيو/ حزيران 2003 والعراق يستورد المشتقات النفطية بمبالغ بلغت حدود خمسة مليارات دولار سنويا تكفي لإنشاء مصفاة بطاقة 300 ألف ب/ يوميا، وقد فشلت الإدارات المتعاقبة في القيام به (باستثناء عدد محدود من المصافي الصغيرة)، رغم آن وثائق وتصاميم بعض من المصافي الكبيرة كان جاهزا منذ قبل الاحتلال.
 
وتحتاج جميع المنشآت النفطية (الاستخراج والتحويل) إلى عمليات فورية للفحص والصيانة الصحيحة واستبدال الأجهزة التالفة إضافة إلى تطوير وإضافة منشآت جديدة، وهو ما يتطلب إنجازه سنوات عدة سيستمر خلالها العراق يهدر الأموال من أجل الاستيراد، وربما تذهب الحصة الكبرى إلى إيران بفضل مشروع سياسي بمد أنبوبين للنفط عبر شط العرب. واعجبا من ذلك لأن إيران نفسها هي مستوردة للمشتقات. إنها مهزلة أخرى يقدم عليها حكام العراق الجديد.
 
ولا يزال العراق ورغم الاستيراد يعاني من ندرة في المشتقات ولا تزال الطوابير -رغم انحسارها جزئيا- قائمة، ورفعت الأسعار الرسمية أكثر من 20 ضعفا بناء على ضغط صندوق النقد الدولي بحجة إعفاء الديون وتحرير الأسواق مع استمرار ظاهرة السوق السوداء وبأضعاف الأسعار الرسمية وحتى في إقليم كردستان.
 
أما بالنسبة للغاز فرغم مرور خمس سنوات فشل العراق ومعه الدعم الأميركي في إعادة تأهيل منشآت الغاز الكبيرة وشبكات النقل التي كان العراق قد بناها وكانت تغذي العشرات من محطات توليد الكهرباء ومعامل البتروكيمياويات والأسمدة والإسمنت والألومنيوم والحديد وغيرها، وبالتالي فإن أكثر من 90% من الغاز المنتج عرضيا مع عمليات إنتاج النفط الخام أصبحت تحرق هدرا مسببة خسارة فادحة تقدر بمليارات الدولارات سنويا.


 
 
لقد قيل الكثير عن إصدار قانون النفط والغاز الجديد غير أنه ورغم المحاولات العديدة وصدور عدة مسودات مصحوبة بضغط أميركي على أعلى المستويات لا يزال هذا القانون يراوح مكانه، ولحين حسم خلافات جوهرية سياسية واقتصادية وفنية مع جميع الأطياف برزت منذ صدور المسودة الأولى في فبراير/ شباط 2007.
 
إن الهدف الأساسي للإدارة الأميركية من إصدار قانون جديد هو السماح لشركات النفط الأجنبية بالمشاركة في تطوير حقول النفط والغاز وفق أسلوب مشاركة الإنتاج الذي تحصل بموجبه على حصة من احتياطي الحقل طوال عمر الإنتاج قد تصل إلى 40 عاما، تبلغ بموجبها قيمة حصة الشركات عشرات المليارات من الدولارات مقابل مصاريف لا تصل لأكثر من 5% من أرباحها.
 
واعتمدت حكومة نوري المالكي المسودة الأولى في 26/2/2007 بعد تدخل أميركي سافر، ولكن سرعان ما ظهرت للعلن خلافات جوهرية مع المسؤولين الأكراد إضافة إلى الأصوات المعارضة لخبراء النفط العراقيين ونقابات النفط وعدد من الكتل السياسية والمنظمات الشعبية. ولا يزال حتى يومنا هذا مجلس النواب بانتظار معرفة أي صيغة يعتمدها للمناقشة فيما لو طلبت الحكومة ذلك.
 
ومن الخلافات الرئيسية القائمة أحقية الأقاليم والمحافظات المنتجة في التفاوض وتوقيع العقود مع الشركات الأجنبية، والرفض التام لصيغة عقود المشاركة في حين أنه الأسلوب الوحيد الذي اعتمده الأكراد في قانونهم والعقود التي أبرموها، إضافة إلى دور وصلاحيات كل من مجلس النواب والحكومة المركزية ووزارة النفط وشركة النفط الوطنية فضلا عن صلاحيات الأقاليم والمحافظات.
 
إن مسودة فبراير/ شباط 2007 كانت ضمن حزمة تتضمن إصدار عدة قوانين وتشريعات دفعة واحدة تتضمن (قانون النفط والغاز, وملاحق الحقول والرقع الاستكشافية, وقانون توزيع الموارد المالية, والعقود التي تعتمد مع الشركات الأجنبية, وقانون وزارة النفط وقانون إعادة تأسيس شركة النفط الوطنية). وباستثناء المسودات الأربع للقانون والملحق (المختلف عليها) لم ينشر أي من بقية القوانين التي ستثير حتما اختلافات بصددها عند صدورها.
"
إن الهدف الأساسي للإدارة الأميركية من إصدار قانون جديد هو السماح لشركات النفط الأجنبية بالمشاركة في تطوير حقول النفط والغاز وفق أسلوب مشاركة الإنتاج الذي تحصل بموجبه على حصة من احتياطي الحقل طوال عمر الإنتاج وقد تصل إلى 40 عاما تبلغ بموجبها قيمة حصة الشركات عشرات المليارات من الدولارات مقابل مصاريف لا تصل لأكثر من 5% من أرباحها
"
 
وقد أعاد مجلس شورى الدولة في بداية يونيو/ حزيران الماضي صياغة مسودة شباط لاعتبارات لغوية وقانونية مشفوعة بـ13 توصية للحفاظ على المكتسبات وأمور جوهرية أخرى وقد رفضها بالكامل المسؤولون الأكراد.
 
إن المسودة المعروضة تتعلق بقطاع الاستخراج فقط وتهمل أي اعتبار لقطاع التحويل.
 
وقد أصدر إقليم كردستان في أغسطس/ آب 2007 قانونا خاصا بالإقليم أعطى لنفسه الحق في العمل ضمن ما أطلق عليها مناطق متنازع عليها في محافظات نينوى والتأميم وصلاح الدين وديالى تمثل أكثر من ضعف مساحة الإقليم الحالية، كما حظر على الحكومة المركزية العمل فيها دون إذن مسبق من الإقليم.
 
ويصر الإقليم على أنه يتصرف وفقا للدستور (حسب تفسيراته)، وبالتالي أصبح تعديل فقرات الدستور ذات العلاقة أمرا أساسيا وملحا لرفع أي لبس آو تعارض رغم إصدار قانون النفط الاتحادي واعتباره من الأمور الحصرية للحكومة المركزية مع إعطاء دور محدد للإقليم والمحافظات.
 
 وكأن الأمر كان مهيأ ومبيتا, فقام الإقليم وخلال ستة أسابيع بتوقيع 15 عقدا ليصبح المجموع 20 عقدا معظمها مع شركات صغيرة ووفق عقود المشاركة ودون إعلان تفاصيلها أو ما وهبته للشركات من امتيازات ودون موافقة أو حتى إشعار وزارة النفط في بغداد إضافة إلى عقود لمناطق في المحافظات الأربع خارج حدود الإقليم بما في ذلك الاستيلاء على حقلي خرمالة النفطي (جزء من حقل كركوك) وخور مور الغازي اللذين كانا تحت عملية التطوير الفعلي بموجب عقود أبرمتها وزارة النفط قبل ثلاث سنوات. كل ذلك أثار حفيظة غالبية الكتل السياسية وعموم العراقيين واعتبروا إجراءات الإقليم ضمن نهج انفصالي لتفكيك العراق والإضرار بمصالح العراق الاقتصادية.
 
وردّ فعل على ذلك أعلنت وزارة النفط جملة من الإجراءات تضمنت:

اعتبار العقود التي أبرمها الإقليم غير شرعية، ووضع الشركات الأجنبية المتعاقدة مع الإقليم في القائمة السوداء، والرفض القاطع لعقود المشاركة.
 
كما باشرت الحكومة بالتفاوض مع خمس من شركات النفط الكبرى لتوقيع عقود خدمات لرفع الطاقة الإنتاجية لعدد من الحقول المنتجة.
 
باشرت أيضا بعملية تأهيل الشركات الأجنبية للمشاركة بمناقصات تطوير عدد من الحقول والرقع الاستكشافية ووفق القوانين والأنظمة السائدة في العهود السابقة.


 
الضغط الأميركي لتشريع القانون
كانت زيارة نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني للعراق في 17/3/2008 تستهدف ضمن أولوياتها الضغط للإسراع بتمرير القانون، إلا أن مجلس النواب الذي عاد للانعقاد في 25/3 قرر تأجيل ذلك لحين حسم الخلافات مع الإقليم وعرض مسودة جديدة ونهائية.
 
كما ذكر شارل ريس السفير الأميركي المسؤول عن الشؤون الاقتصادية العراقية أهمية وضرورة التشريع لغرض جلب الاستثمارات، وحدد أسلوب عقود المشاركة أفضل صيغة مستشهدا بسوريا وإندونيسيا (اللتين لا تملكان أكثر من 5%–10% من احتياطي العراق المثبت!!! واتهم الأطراف العراقية المعارضة بكون اعتراضاتها سياسية وليست فنية.
 
وبعد خمس سنوات من الاحتلال لا يزال الوضع مترديا بل مأساويا، حسب تقارير الصليب الأحمر الدولي وكل المنظمات الإنسانية من حيث الماء الصالح للشرب ونقص الأدوية والأسرة في المستشفيات والكهرباء والمشتقات النفطية، وهبوط مستوى التعليم وتعرض المرأة للاضطهاد، ووجود مليون أرملة وملايين من الأيتام مع وجود مليوني نازح داخل العراق يعيشون في خيم محرومين من أبسط الخدمات، إضافة لأكثر من أربعة ملايين مهاجر في الدول العربية وغير ذلك. ومع ذلك ما يزال الرئيس جورج بوش ونائبه مصرين على أن الغزو كان وما زال قرارا صائبا.
 
وكما كان الحال قبل قرن من الزمان وبعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الأولى عندما كان النفط أساسا في تحديد مستقبل العراق وخضوعه للانتداب يبدو أن الزمن يعيد نفسه مجددا وبسبب النفط أيضا. فهل النفط نعمة أم نقمة؟.
_______________

المصدر : الجزيرة