المصريون يقاطعون الأسواق "قسرا"
آخر تحديث: 2008/3/19 الساعة 22:20 (مكة المكرمة) الموافق 1429/3/11 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2008/3/19 الساعة 22:20 (مكة المكرمة) الموافق 1429/3/11 هـ

المصريون يقاطعون الأسواق "قسرا"

الأسواق المصرية خلت من الرواد بعد غلاء الأسعار (الجزيرة نت)

محمود جمعه-القاهرة

في زحام سوق "الجمعة" الشهير بمنطقة السيدة عائشة في العاصمة المصرية القاهرة، وقف محمد صلاح -وهو في العقد الخامس ويعمل موظفا حكوميا منذ 15 عاما- حائر البصر وهو يرى ذلك الكم الهائل من السلع الملقاة على الأرصفة وفي الأكشاك، لكن ضيق ذات اليد لا يسمح له بشراء كل ما يحتاجه.
 
كان لافتا أن صلاح  يبحث عن شيء ما، فهو  يقلب ورقة صغيرة بين يديه ويحمل أكياس خضراوات وحبوب، وبدت الحيرة على وجهه وهو يراجع الأصناف المكتوبة في الورقة، لكنه توقف في منتصفها تقريبا، ما يعني أنه لم يشتر سوى نصف ما أراد قبل أن تنفد نقوده.
 
صلاح قال للجزيرة نت إن مرتبه 650 جنيها، وزوجته لا تعمل، وله ثلاثة أبناء ما زالوا في مراحل التعليم، وأنه اختار سوق الجمعة لأنه الأرخص، ومع ذلك فهذه ثاني مرة خلال الشهر التي أفشل في شراء احتياجات البيت التي تكتبها لي زوجتي رغم عدم مبالغتها في المطالب.
 
حالة محمد صلاح ليست فريدة في المجتمع المصري، لكنها تمثل غالبية أبناء الشعب ومنهم الأستاذ حلمي الذي يعمل مدرسا بإحدى إعداديات محافظة أسيوط في صعيد مصر، فهو يرى أن الفجوة "الرهيبة" بين الأغنياء والفقراء تكشف وجود خلل في توزيع الثروة، كما أن "القفزات الجنونية" في أسعار السلع الأساسية تؤكد فشل الحكومة في إدارة الأزمة.
 
وقال حلمي للجزيرة نت إنه اضطر لتخفيض مشتريات الأسرة مرتين خلال مارس/ آذار الحالي بعد ارتفاع سعر الزيت والبيض والسكر والدواجن والمواصلات، لكنه تساءل "ماذا سأفعل الشهر القادم؟ توقفت عن التدخين توفيرا للنفقات ولم أعد أشتري فاكهة أو لحوما سوى مرتين شهريا.. لم يبق سوى لبن الأطفال ومصروفهم اليومي لأوفره".
 
وتطل الأزمة الاقتصادية الخانقة يوميا برأسها على حياة المواطن المصري الذي تقطعت به السبل لمواجهة موجة الغلاء الحالية، وأصبح محاصرا بين ازدياد مطرد في الأسعار ومسكنات حكومية فقدت نجاعتها أمام تفاقم الأزمة التي تسببت أيضا في تراجع الإقبال على الأسواق.
 
مخاطر اجتماعية وأمنية
وتمثل الفجوة بين الرواتب والأسعار أبرز ملامح الأزمة، حيث تصاعدت شكاوى المصريين مؤخرا من ارتفاع أسعار الغذاء والدواء ومواد البناء مقابل ثبات الرواتب وتزايد أعداد العاطلين سنويا، ما حدا بالخبراء إلى التحذير من مخاطر اجتماعية وأمنية تحيط بالمجتمع بسبب تنامي مشاعر اليأس والظلم.
 
فغالبية المصريين يعتقدون بأن بلدهم غني بالثروات والموارد التي تتيح مستوى أفضل لمعيشة المواطنين والخدمات المقدمة لهم، ويرون أن الفساد الإداري والمالي في أجهزة الحكومة سبب تدهور حالتهم المعيشية.
 
لكن الحكومة تدفع بأن الزيادة السكانية والارتفاع المطرد للأسعار عالميا هما سبب الأزمة، وهذا الرأي لا يلقى قبولا لدى معظم المصريين.

البائعون والتجار حالهم ليس أفضل بكثير من حال المشترين، فالمعلم عاشور (جزار) قال إن "الناس تعتقد أننا نغالي في الأسعار، لكن التجار الكبار يبيعون لنا بزيادة شبه يومية، ونضطر لإضافة هذه الزيادة على السعر للجمهور لنحافظ على هامش ربحنا.. الأزمة الحقيقية في الرقابة الحكومية على مافيا اللحوم والدقيق والسكر والدواء وغيرها".
 
"
الحاج بركات تاجر الفاكهة يرى أن الحكومة إما عاجزة عن الحل وعندها يجب أن تستقيل أو يقيلها الرئيس، أو تكون متواطئة فيما يحدث للمواطن وعندها يجب محاكمتها بتهمة خيانة الأمانة والعمل على تخريب البلد
"
وأكد الحاج بركات تاجر الفاكهة بسوق التوفيقية وسط القاهرة الرأي السابق، وقال "نفهم أن تزداد أسعار السلع المستوردة بسبب مسألة العملة، لكن الخضراوات والفواكه التي تزرع في مصر، لماذا يرفع التجار الكبار أسعارها كل يوم؟ ولماذا لا تفعل الحكومة مع هؤلاء الطماعين شيئا؟".
 
ويرى أن الحكومة إما عاجزة عن الحل وعندها يجب أن تستقيل أو يقيلها الرئيس، أو تكون متواطئة فيما يحدث للمواطن وعندها يجب محاكمتها بتهمة خيانة الأمانة والعمل على تخريب البلد.
وكان برنامج الغذاء العالمي قد أعلن مطلع الشهر الجاري أن مصاريف الأسرة المتوسطة المصرية ازدادت بنسبة 50% منذ بداية 2008، وطبقا للبنك الدولي فإن 20% من الـ78 مليون مصري يعيشون تحت خط الفقر (دولاران يوميا).
 
ويلخص الكاتب الساخر أحمد رجب هذه المشكلة في زاويته اليومية بجريدة الأخبار قائلا "جلس صياد فقير وزوجته ليلا ليصطادا، فأخرج سمكة كبيرة، ففرح وطلب من زوجته أن تحمرها للعشاء، فقالت لا يوجد زيت فسعره ارتفع، قال اشويها فردت لا يوجد دقيق فسعره تضاعف، فما كان منه سوى أن ألقى بالسمكة الكبيرة مرة أخرى في الماء، وهي تهتف فرحة: يعيش أحمد نظيف (رئيس الوزراء المصري)".
المصدر : الجزيرة