اختتم المنتدى الاقتصادي العالمي دورته الـ35 الأحد بنداء من رئيسه ومؤسسه كلاوس شواب بضرورة العمل على تفعيل الليبرالية الاقتصادية بشكل أسرع وتقديم "مصالح العولمة" على "الاهتمامات القومية" في إطار "المسؤولية العامة والإحساس بالواجب المشترك"، والنظر إلى كيفية العمل الجماعي لصالح القرية العالمية التي نعيش فيها.
 
وعلى الرغم من أن شعار منتدى هذا العام حفل بكلمات مثل "تحمل المسؤولية" و"القرارات الصعبة"، فإنه خلا من جميع ما شد الأنظار إليه منذ اللحظة الأولى، إلا إذا كانت هذه المصطلحات تورية لأخرى لا يتمكن المرء من التعرف عليها ظاهريا.
 
وتتنوع الأسئلة.. هل جاءت هذه المصطلحات لأنها سمحت للمرة الأولى بعقد لقاء علني هو الأول من نوعه منذ فترة طويلة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، أم لأنه مهد الطريق لمحادثات بين رئيس أوبك وممثلي الاتحاد الأوروبي، أم لأن فعالياته أظهرت أن الهند والصين هما اللتان تحملان راية الاقتصاد العالمي في السنوات المقبلة، أم ترى أنها لوضع الدول النامية أمام خيارها الأخير "إما مع العولمة أو فتحملوا العواقب"؟.
 
فقد نجح المنتدى في عقد أول اتفاق من نوعه بين أوبك والاتحاد الأوروبي لعقد اجتماعات مشتركة للتنسيق في أسعار النفط، وهو ما يرى فيه بعض المراقبين نوعا من السيطرة الأوروبية على قرارات المنظمة ومحاولة تثبيت أسعار النفط.
 
وقد حاول بعض الساسة ربط استقرار أسعار النفط بالنمو الاقتصادي على اعتبار أن ارتفاع الأسعار لا يساعد الدول النامية على تحقيق التقدم الصناعي المنشود. لكن الدول النامية تعتبر أن المشكلة ليست في أسعار النفط بل في مدى التزام الدول الصناعية الكبرى وأرباب المال بما ألزموا به أنفسهم من محاربة الفقر والأمراض المزمنة ودعم برامج التنمية في الدول الفقيرة للخروج من دائرة الاعتماد على الغير إلى نوع من الاستقلالية النسبية.
 
الشركات الكبرى صاحبة القرار
المظاهرات المناهضة للعولمة تمثل ضغطا معنويا على مناقشات الأغنياء (الفرنسية)
كان واضحا من مداخلات العديد من كبار الساسة أن الشركات الكبرى وأصحاب رؤوس الأموال هي صاحبة القرار الفعال، وأن دور الدولة قد تقلص إلى حد كبير، وتبدى ذلك من خلال هجوم البنوك والمؤسسات المالية على مقترح الرئيس الفرنسي جاك شيراك باستقطاع ضريبة لصالح صندوق لمعالجة الإيدز.
 
ويأتي ذلك رغم أن جميع الدراسات والتقارير الصادرة عن الأمم المتحدة أو المنظمات غير الحكومية أوضحت دور الدول خاصة الغنية منها في القضاء على دوامة الفقر والمرض والتخلف العلمي، لكن هذه الدول لا تلتزم بسداد حصصها في هذا الصدد، وتتصارع وراء أفكار جديدة!.
 
ويطرح هذا التناقض بين الرغبة في مساعدة الدول والتلكؤ أمام الالتزامات الدولية في ظل تنامي خلافات بشأن مقترحات جديدة تساؤلا يتعلق بجدية الأغنياء في تحقيق ذلك أم أنه لتلميع الصورة أمام المنظمات المناهضة للعولمة للكف عن الهجوم المتواصل والانتقادات الحادة لأعمال المنتدى.
 
فنداء رئيس الوزراء الأسترالي جون هوارد بضرورة قيام الدول النامية بإزالة ما تبقى لديها من عوائق أمام تحرير التجارة الدولية، ودعوتها للانخراط في العولمة التجارية على اعتبار أنها أفضل من البحث الدائم عن كيفية دعم الوسائل المختلفة لتنمية الدول الفقيرة، هو خير مثال على نظرة بعض الدول الغنية إلى موضوع التنمية. ويأتي قول هوارد  ليفسر تقاعس تلك الدول عن الوفاء بالتزاماتها المالية أمام المجتمع الدولي تجاه الدول الفقيرة.
 
ومن الواضح أن أصحاب رأس المال وأنصار العولمة التجارية والاقتصاد الحر لم يدركوا بعد أن الدول النامية تريد تجارة دولية ولكن عادلة، وليس فقط تحرير التجارة دون قيد أو شرط، ولكن يبدو أن وجود كلمة "عادلة" تثير حساسية البعض فيديرون وجوههم عند ذكرها ويلقون باللائمة على الدول النامية لأنها لا تعرف كيف تتعامل مع العولمة أو كيف تستفيد من الفرص المتاحة لتثبيت أقدامها.
 
مساعدات أم مناورات
كما كانت منافسة رئيس الوزراء البريطاني توني بلير والرئيس الفرنسي على التذكير بمآسي القارة الأفريقية وطرح الخطط لمواجهتها مجالا للتندر.
 
ولعل في تعليق خافت لأحد الحاضرين الأفارقة عندما تساءل ساخرا "هل أدركا الآن فقط أن أفريقيا بها كل تلك المشاكل؟" ما يحتوي على قناعة الأفارقة أنفسهم بأن هذه الكلمات ما هي إلا لذر الرماد في العيون وليست ذات مدلول حقيقي فعال. كما قال مشارك أفريقي آخر مستهزئا "لو نفذوا فقط 10% مما يقولونه لتحولت أفريقيا في وقت قصير إلى بروكلين أخرى".
 
أما ما يلفت الانتباه حقيقة للمنتدى الاقتصادي العالمي فهو نجاح مؤسسه ورئيسه كلاوس شواب في تحويله من مؤسسة خاصة صغيرة إلى ما يمكن أن نسميه "مجلس إدارة العالم في السياسة والاقتصاد" بميزانية سنوية تصل إلى 50 مليون يورو من مساهمات ألف شركة عالمية كبرى ويعمل فيه 150 موظفا بين مقره الرئيس في جنيف والعواصم الدولية الكبرى.
 
ويتحول المنتدى بذلك إلى أكبر منظمة غير حكومية في العالم تعمل جديا لصالح الليبرالية الاقتصادية، ولتفعيل أجندة سياسية خفية، نجحت –حتى الآن– في كل المهمات المنوطة بها، سواء أثناء فترة الحرب الباردة أو في المفاوضات العربية الإسرائيلية ما خفي منها وما ظهر، وهو ما يؤكد أن "جهات ما" من مصلحتها أن يستمر عمله في مزيج من السياسة والاقتصاد، وإن استطعت أن تحصل على ما تريد فأهلا بك، وإن لم تستطع فلا تلومن إلا نفسك.

المصدر : غير معروف