حرب الخليج الثالثة ... أجندة أوسع وكلفة أعلى
آخر تحديث: 2003/3/13 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/1/11 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2003/3/13 الساعة 03:00 (مكة المكرمة) الموافق 1424/1/11 هـ

حرب الخليج الثالثة ... أجندة أوسع وكلفة أعلى

تحتل مناقشات كلفة الحرب الأنغلوأميركية المحتملة على العراق حيزا كبيرا من الجدل الدائر في الدوائر العسكرية والسياسية والمالية في الولايات المتحدة وخارجها. وتتفاوت التقديرات تفاوتا حادا بشأن كلفة هذه الحرب التي يغيب عن أذهان مخططيها ثمن أرواح آلاف المدنين العراقيين التي ستحصدها.

وتشير تقديرات متحفظة، التي تنطلق من فرضية تنفيذ هجوم عسكري خاطف وقصير، أن هذه الكلفة قد تصل إلى 100 مليار دولار أي ما يعادل 1% من إجمالي الناتج المحلي للولايات المتحدة. لكن هذا الرقم سيرتفع إلى مستوى أعلى إذا ما تحولت الحرب إلى قتال شوارع في أحياء المدن العراقية.

غير أن تقديرات آخرى ترى أن حربا تستخدم فيها أسلحة كيماوية أو بيولوجية ستكلف أكثر بكثير من هذه القيمة وستصل إلى مستوى فلكي يبلغ 1.6 تريليون دولار، بما فيها ذلك كلفة بقاء القوات الأميركية في العراق كقوة احتلال وكلفة إعادة تعمير ما ستدمره الحرب. لكن هذه الأرقام لا تشمل نصيب بريطانيا منها والتي يتوقع أن تكون باهضة إذا ما اشتركت قواتها في العمليات العسكرية.

بوش يلوذ بالصمت
هذه الأرقام ليس مصدرها البيت الأبيض، والرئيس الأميركي جورج بوش الذي يود خفض الضرائب، لاذ بالصمت إزاء هذا الموضوع الذي قد يلحق الأذى بهدفه هذا المتمثل في إجراء خفض ضريبي لإنعاش اقتصاد بلاده الذي تحيط به نذر ركود آخر في وقت لم يكد يخرج من الأول إلا منذ وقت قريب.

الجهات التابعة لدوائر صناعة القرار في الإدارة الأميركية مثل مكتب الميزانية التابع للكونغرس ولجنة الميزانية التابعة للبيت الأبيض (وهي جهات غير حزبية) أصدرت تقديرات متشابهة للحرب وقالت إنها قد تصل إلى ما بين 44 مليار و60 مليار دولار باستثناء كلفة الاحتلال وإعادة البناء. وتنطلق هذه التقديرات من افتراض بأن الحرب ستستغرق 30 إلى 60 يوما فقط.

حرب الخليج الثانية
تقديرات مكتب الميزانية التابع للكونغرس تفترض مشاركة 250 ألفا إلى 370 ألف جندي و1500 طائرة و800 مروحية و800 دبابة و60 سفينة. هذه الأرقام أقل من أرقام حرب الخليج الثانية التي كلفت 60 مليار دولار (80 مليار دولار بحسابات اليوم) واشتركت فيها قوات قوامها 540 ألف جندي.

هذه الكلف ستكون أثقل بكثير على دافعي الضرائب الأميركيين عندما نتبين من سيتحملها. فحلفاء واشنطن آنذاك- السعودية والكويت واليابان وألمانيا- سددوا معظم فاتورة حرب تحرير الكويت. أما اليوم فالولايات المتحدة هي التي ستدفع معظم فاتورة هذه الحرب التي يعارضها معظم حلفاء الأمس وعلى رأسهم فرنسا وألمانيا والسعودية وغيرها من الذي ساهموا في تحمل الكلفة.

عاصفة الصحراء التي شنتها قوات التحالف عام 1991 لإخراج الجيش العراقي من الكويت بدأت بهجوم جوي كاسح في 17 يناير/ كانون الثاني وانتهت في 28 من الشهر ذاته (12 يوما) ولم تزد عدد ساعات القتال البري فيها عن 100 ساعة. ولم يتبق من تلك القوات في المنطقة سوى 25 ألفا في حين غادرت البقية عقب توقيع اتفاقيات إنهاء الحرب.

فواتير جديدة
قوات التحالف في حرب الخليج الثانية لم يكن ضمن أجندتها الاستيلاء على بغداد ولا إسقاط نظام الرئيس العراقي صدام حسين وهما هدفان رئيسيان في الحرب التي يخطط لها وسيرفعان الكلفة بمقادير أكبر بكثير نظرا للوقت والجهد الذي سيستغرقه تحقيقهما.

خبراء الجيش الأميركي أنفسهم يقدرون كلفة الحرب بنحو 100 مليار دولار. مايكل أوهانلون خبير الشؤون الدفاعية بمعهد بروكنغنز يقول إن الكلفة الواقعية تراوح بين 50 مليارا و100 مليار دولار كنفقات للجيش الأميركي والعملايت العسكرية ذاتها.

يقول مكتب الميزانية التابع للكونغرس إنه إذا ما أضيفت كلفة احتلال العراق بعد انتهاء الحرب، فسيكون ثمة فاتورة جديدة بقيمة 48 مليار دولار سنويا. حجم القوات التي ستبقى في العراق (200 ألف جندي) لن يقارن بحجم قوات حفظ السلام المعتادة كما أن مدة بقائها قد يستغرق سنوات عدة.

أمثلة من التاريخ
دام الاحتلال الأميركي لليابان عقب الحرب العالمية الثانية سبع سنوات في حين مضى على القوات الأميركية في كوريا الجنوبية الآن 50 عاما وليس من مؤشر على نيتها المغادرة. الرئيس الأميركي جورج بوش قال إن قواته ستبقى في العراق ما دامت هناك حاجة ولن تمكث يوما فوق ذلك. لكن الخبراء يرون أن هذا الالتزام غامضا ومفتوحا وهو يمهد الأذهان لمكوث طويل الأجل.

يقول أستاذ الاقتصاد بجامعة ييل وليام نوردهاوس في مقالة نشرت في عدد ديسمبر/كانون الأول الماضي من مجلة نيويورك ريفيو "من الصعب تخيل كيف أن احتلال للعراق بشكل ناجح سيدوم أقل من خمس سنوات. إنه قد يدوم عقدين كاملين". وهو يقدر كلفة هذا الاحتلال بما بين 75 مليارا و500 مليار دولار. وهذا الرقم لا يشمل كلفة إعادة بناء البنية التحتية وعمليات التطهير من آثار الأسلحة الكيماوية والبيولوجية التي قد تستخدم في الحرب.

ومن الأمثلة الأخرى خطة مارشال الشهيرة لإعادة تعمير ألمانيا التي كلفت 450 مليار دولار بمقاييس يومنا هذا. يقول مكتب الميزانية التابع للكونغرس إن "تكاليف احتلال العراق قد تكون أعلى بكثير إذا ما تضمن بناء قواعد وجسور وطرق". نودرهاوس يلخص تقديراته بقوله إن الحرب ستكلف 121 مليار دولار إذا ما كانت الحرب خاطفة وكان الحظ حليف واشنطن فيها. أما إذا لم تكن كذلك فقد يصل الرقم إلى 1.36 مليار دولار.

رشى الحرب

تقديرات نودرهاوس لا تشمل المنح والمساعدات المالية لعدد من الحلفاء مثل إسرائيل التي تطالب بنحو 12 مليار دولار وتركيا التي قد تحصل على 30 مليارا بما في ذلك ضمانات قروض، إضافة إلى الأردن ومصر اللتين تطالب بمساعدات مالية وامتيازات تجارية لمنتجاتها في الأسواق الأميركية. كل هذه الأرقام تأتي في وقت تستعد فيه الولايات المتحدة لعجز مالي قدره بوش بنحو 304 مليارات دولار لهذا العام و307 مليارات أخرى العام المقبل.

كلفة الحرب لست قاصرة على واشنطن، فلندن وعدت بالمشاركة بنحو 40 ألف جندي وخصصت بالفعل 1.75 مليار جنيه إسترليني (2.76 مليار دولار). لكن المعهد الدولي للدراسات الإستراتيجية قال إن الحرب قد تكلف لندن نفس المبلغ الذي دفعة في حرب الخليج الثانية وهو 3.5 مليارات جنيه، وسط تأكيدات بأن هذا الرقم سيرتفع إلى أكثر من هذا إذا تورطت القوات البريطانية في حرب طويلة وقتال شوارع.

المصدر : الجزيرة + وكالات