أثارت الضربات التي تعرضت لها الولايات المتحدة في الحادي عشر من سبتمبر/أيلول الحالي مخاوف اقتصادية لا تقل خطورة وضررا عن تداعياتها المتصلة بالاستقرار العالمي خاصة أنها جاءت في وقت كثرت فيه نذر ركود عالمي يقوده الاقتصاد الأميركي.

فعلى صعيد ما يعرف بالاقتصاد الكلي (Microeconomics) بات في حكم المؤكد أن الضربات -التي أصابت من الاقتصاد الأميركي مركزه المالي- ستدفع بالاقتصاد العالمي إلى وهدة ركود كثرت نذره حتى قبل الضربات برغم مساعي حكومات الدول المتقدمة لمنع حدوثه أو الحد من آثاره على أقل تقدير.

وقد صدرت مؤخرا تقديرات عن مؤسسات اقتصادية مستقلة بأن النمو الاقتصادي الأميركي سيكون صفرا هذا العام مما يضع حدا لآمال عراض بعودة الاقتصاد الأميركي للانتعاش في الشهور المتبقية من العام وبنسب قوية أوائل العام المقبل.

وقد أقر رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) الأميركي ألان غرينسبان كما أقر من قبله نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني بأن الضربات ستحلق الضرر بالاقتصاد الأميركي وستزيد في تباطئه مما سيدفعه نحو كساد محتوم ومبكر.

وبالرغم من الجهود الحثيثة التي بذلها المسؤولون الأميركيون والأوروبيون والإجراءات التي اتخذوها –من قبيل ضخ مزيد من الأموال في النظم المصرفية وخفض أسعار الفائدة المصرفية- فإن حجم الأضرار كان أكبر من أن تحجبه هذه الإجراءات.

وحذر محللون في الآونة الأخيرة من أن أثر تلك الهجمات سيتعدى حدود الاقتصاد الأميركي الذي كان الهدف المباشر لها وحدود الاقتصاديات الأوروبية بحكم ارتباطها الوثيق والمباشر باقتصاد الولايات المتحدة. وأضافوا أن دولا كثيرة في الشرق الأوسط ستعاني من التبعات الاقتصادية لتلك الهجمات ولكن بدرجات أقل.

ويعقتد هؤلاء المحللون أن يكون في مقدمة تلك الدول الأقطار المعتمدة على النفط وتلك التي تعود السياحة عليها بعائدات غير قليلة. فالأولى تخشى أن يشهد الطلب على نفطها تراجعا إن قامت الولايات المتحدة برد عسكري على الهجمات، بينما بدأت المجموعة الثانية –وفي مقدمتها الأردن ومصر وتركيا وتونس وإسرائيل- تعاني من تبعات تلك الهجمات نظرا لتراجع السياحة فيها بسبب الإحجام الكبير عن السفر جوا وعدم شعورهم بالطمأنينة والأمان من تكرار ما حدث.

ارتفاع أسعار النفط العالمية

كانت أسواق النفط العالمية الأسرع استجابة للضربات فشهدت أسعار الخام ارتفاعا حادا تجاوزت ثلاثين دولارا خشية أن يؤدي رد انتقامي أميركي على الضربات إلى تعطيل إمدادات النفط القادمة من منطقة الشرق الأوسط التي تصدر 40% من احتياجات العالم من الخام.

وقد جاءت الضربات بعد نحو عشرة أيام من بدء سريان خفض بمقدار مليون برميل يوميا من إنتاج منظمة الأقطار المصدرة للنفط أوبك الأمر الذي أعطى انطباعا بأن الأسواق تعاني من عدم كفاية الإمدادات وبالتالي دفع دولا للضغط على المنظمة بإلغاء الخفض لكبح جماح الأسعار.

ومع أن الأسعار تراجعت إلى حد كبير دون تدخل من منظمة أوبك التي تعهدت بالتعويض عن أي نقص والحفاظ على استقرار الأسعار إلا أنها بقيت عرضة للتذبذب والارتفاع وسط مخاوف من أن يستهدف الرد الأميركي دولة أو دولا منتجة للنفط وهي المخاوف التي عبر عنها وزير المالية الفرنسي لوران فابيوس.

سيناريو ارتفاع الأسعار يستند إلى عاملين: دخول الاقتصاد العالمي ركودا وشيكا بسبب تباطؤ اقتصاديات الدول المتقدمة أو ركودا مبكرا بسبب الضربات التي عطلت الاقتصاد الأميركي تعطيلا شبه كامل طيلة الأيام الخمسة التي أعقبت الهجمات. وفي كلتا الحالتين سينخفض الطلب مما قد يدفع أوبك لخفض الإنتاج للحفاظ على الأسعار.

العامل الآخر لارتفاع الأسعار ذو صلة بقيام الولايات المتحدة برد عسكري على الهجمات إذ أن المخاوف من إمكانية تعطيل العمليات العسكرية لإمدادات الخام القادمة من الشرق الأوسط ستدفع بلا شك الأسعار إلى الارتفاع.

هبوط الأسهم وتراجع الدولار

مؤشر نازداك في اليوم الأول بعد استئناف التعامل

تسببت الضربات التي دمرت مركز التجارة العالمي في إغلاق بورصات وول ستريت التي تتداول فيها أسهم كبريات الشركات العالمية العاملة لنحو أسبوع، ظل العالم خلاله حابسا لأنفاسه بانتظار استئنافها لمعرفة ردة فعل الأسواق التي رأوا فيها مؤشرا على مدى فداحة الأضرار التي سببتها الضربة.

أعادت بورصة نيويورك فتح أبوابها في السابع عشر من الشهر، لكن ما أن بدأ التعامل حتى سجل مؤشرا بورصتي داو جونز ونازدك تراجعا حادا هو الأكبر في تاريخ البورصات الأميركية في يوم واحد كما شهد سعر صرف الدولار تراجعا أمام العملات العالمية الرئيسية برغم إجراءات الدول المتقدمة للحد من تداول الدولار في الأسواق لمنع تدهوره.

أظهرت تعاملات اليوم الأول من استئناف العمل بالبورصات العالمية والأيام التي تلته أن شركات التأمين والطيران والفنادق كانت في مقدمة القطاعات الأكثر تضررا بسبب تعطل حركة الملاحة الجوية وعزوف الناس عن السفر وضخامة المطالبات التي يتوقع أن تدفعها شركات التأمين تعويضا عن الأضرار الجسيمة.

الأضرار التي تكبدتها شركات الطيران تجاوزت المخاوف من تراجع الأرباح أو تراجع أنشطتها إلى تحذيرات من مخاطر تهدد وجودها إن لم تحصل الشركات المتضررة على مساعدات حكومية طارئة تحول دون انهيار هذه الصناعة وإفلاس العديد من الشركات الأميركية والأوروبية.

الولايات المتحدة من جانبها سارعت إلى إقرار خطة إنقاذ طارئة بقيمة 15 مليار دولار بينما بدأ مسؤولو الاقتصاد والمال في دول الاتحاد الأوروبي سلسلة اجتماعات للبحث في تقديم مساعدات على غرار الخطوة الأميركية برغم أن قوانين الاتحاد تمنع تقديم مثل هذه المساعدات بشكل عام.

أما قطاع التأمين فقد قدرت مصادر بهذه الصناعة أن تدفع شركات التأمين تعويضات ومطالبات مالية لم يسبق لها مثيل جراء الهجمات إذ يقدر خبراء التأمين أن تبلغ القيمة الإجمالية للمطالبات 20 مليار دولار على الأقل وهو الرقم القياسي للتعويضات التي دفعت نتيجة الدمار الذي أحدثه الإعصار آندرو الذي دمر أجزاء من لويزيانا وفلوريدا عام 1992 وكان أفدح حدث يشهده قطاع التأمين.

ارتفاع البطالة

دفعت هذه الأضرار الفادحة بالشركات وخاصة شركات الطيران إلى البدء بتسريح أعداد كبيرة من موظفيها وتقليص أعداد رحلاتها لمواجهة هذه الخسائر. وتشير الأرقام الأولية إلى اعتزام الشركات الأميركية تسريح أكثر من 100 ألف موظف في الشهور المقبلة.

فشركة بوينغ عملاق صناعة الطائرات أعلنت عن خطة لتسريح 20 إلى 30 ألف من العاملين لديها وهو ما يشكل نحو 30% من قوتها العاملة بسبب تقديرات بتراجع الطلب في سوق الطيران العالمية.

وقد أعقب إعلان بوينغ إعلان آخر من أكبر شركتي طيران أميركيتين بتسريح 20 ألف موظف من كل منها في وقت قالت فيه شركات صناعة قطع غيار الطائرات بأن مبيعاتها ستشهد العام المقبل تراجعا بأكثر من 5 مليارات دولار.

وفي أوروبا لم يكن الحال أفضل بكثير فقد بدأت الشركات هناك بإعلان عن خفض في مستويات عمالتها كان أولها شركة الخطوط الجوية البريطانية أكبر شركة طيران في أوروبا إذ أعلنت عن تسريح أكثر من 5200 موظف إضافة إلى نحو ألفين آخرين كانت أعلنت عنهم قبل الهجمات.
أما الشركات الرئيسية الأخرى فقد أوقفت العمل بخطط لتوظيف مزيد من العاملين وأصدر بعضها كشركة لوفتهانزا الألمانية تقديرات بأن تبلغ خسائرها لهذا العام 750 مليون دولار.

المصدر : الجزيرة