نفذت مصر على نحو مفاجئ أربعة إصلاحات اقتصادية مهمة بعد تأخر دام سنوات، ويتعين عليها أن تبقي على إيقاع الإصلاح لكسب ثقة المستثمرين وتعزيز اقتصادها رغم المخاوف الاجتماعية التي قد تعرقل إحراز تقدم.

فمنذ منتصف يونيو/ حزيران الماضي تم إقرار قانون عقاري جديد وتوقيع اتفاق شراكة تجارية مع الاتحاد الأوروبي كما أصدرت مصر بنجاح أول سندات بالعملة الأجنبية وانتهجت سياسات أكثر مرونة فيما يتعلق بسعر صرف الجنيه مقابل الدولار وهي بالتحديد الإصلاحات التي يطالب بها الاقتصاديون منذ سنوات.

خيبة أمل
وكانت أحدث خطوة قام بها البنك المركزي عندما خفض سعر الصرف المركزي للجنيه أمام الدولار إلى 3.90 جنيهات من 3.86 جنيهات الثلاثاء الماضي وتوسعة نطاق تأرجح العملة الذي يسمح من خلاله بالتداول في إطار نظام "الربط المحكوم" الذي طرح في يناير/ كانون الثاني الماضي.

بورصة القاهرة
وفي حين رحب المحللون بهذه الخطوة باعتبارها بادرة على المرونة فإنهم يرون أن السعر مازال بعيدا عن سعر السوق السوداء الذي يتراوح بين 4.07 و4.09 جنيهات للدولار. وقال بنك كريدي سويس فرست بوسطن في تقرير له هذا الأسبوع "إننا نعتقد أن التقدم في إصلاح الاقتصاد المصري مؤخرا كان مخيبا للآمال وأضعف قدرة الحكومة على تحقيق النمو المستهدف". لكن البنك رحب بالخطوات التي اتخذت في الفترة الأخيرة.

وقالت وكالة موديز للتصنيف الائتماني في بيان اليوم إن ارتفاع عجز ميزان المعاملات الجارية المصري والتراجع السريع في الاحتياطيات بالعملة الأجنبية منذ عام 1998 دفع الحكومة إلى التراجع عن العديد من الإصلاحات المهمة.

وأضاف التقرير أن "برنامج الخصخصة فقد قوة دفعه خاصة فيما يتعلق بتأجيل بيع أسهم البنوك الحكومية، الأمر الذي يشير إلى تعطيل آخر في إصلاح القطاع المالي". وأشارت إلى أن التحكم في سوق الصرف الأجنبي والإبقاء على أسعار الفائدة المرتفعة أسهما في تباطؤ الاقتصاد.

التكلفة الاجتماعية للإصلاح

محاكمة أعضاء الجماعات الإسلامية المتهمين بقتل السياح (أرشيف)
ويعتقد الكثيرون أن مصر أكبر دولة عربية من حيث عدد السكان وقد ظلت حتى وقت قريب تحقق مستويات نمو مرتفعة رغم أن نصيب الفرد من الدخل لا يزيد على 1390 دولارا ستتوخى الحذر في تنفيذ الإصلاحات. كما يتوخى قادة البلاد الحذر بعد اندلاع أعمال عنف قام بها متطرفون إسلاميون خلال العقد الماضي ولا تزال ذكرى أعمال الشغب التي تفجرت بسبب رفع أسعار الخبز عام 1977 محفورة في الأذهان.

وساد هدوء نسبي منذ مذبحة الأقصر التي قتل فيها متطرفون إسلاميون 58 سائحا أجنبيا في نوفمبر/ تشرين الثاني 1997 وتم احتواء الاضطرابات الاجتماعية لكن قادة البلاد قلقون من الإخلال بالتوازن الاجتماعي الهش.

وقالت وكالة فيتش للتصنيف الائتماني قبل عشرة أيام إنه بعد فوز الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم في الانتخابات البرلمانية في نوفمبر/ تشرين الثاني الماضي يبدو أن إيقاع الإصلاح سيتسارع من جديد. غير أن الوكالة أضافت "رغبة السلطات في ضمان الاستقرار الاجتماعي وبناء قاعدة إجماع عريضة يعني أن التقدم سيظل أقل من التوقعات".

وتابعت "أن تحقيق التوازن بين الإجراءات المطلوبة لزيادة معدل النمو المصري في الأجل الطويل والحفاظ على الاستقرار السياسي والاجتماعي يظل هو التحدي الأكبر الذي يواجه السلطات".

الصندوق الأسود

عاطف عبيد
ومازالت القوة الشرائية للعديد من المصريين منخفضة للغاية ومازالت السلع الأساسية مثل الخبز والوقود مدعومة. فالموظف الحكومي الصغير أو المدرس في مدرسة حكومية يتقاضى راتبا أساسيا يبلغ نحو 200 جنيه (51 دولارا) في الشهر في حين ارتفعت أسعار السلع المستوردة بسرعة بعد انخفاض قيمة الجنيه أمام الدولار بنسبة تقارب 14% خلال عام.

ويرى المحللون أنه قد لا تكون هناك فرصة لإجراء إصلاحات اقتصادية جذرية دون أن يواكب ذلك إصلاحات سياسية وديمقراطية. وقال اقتصادي مقيم في لندن طلب عدم نشر اسمه "إذا تم تنفيذ الإصلاح الاقتصادي بسرعة فإنه قد يؤدي إلى زيادة المطالبة بتحرر سياسي".

وكانت الآمال المتعلقة بتحديث الاقتصاد وتحقيق مزيد من الانفتاح قد تجددت بتعيين عاطف عبيد الذي قاد برنامج الخصخصة رئيسا للوزراء في أكتوبر/ تشرين الأول 1999، لكن هذه الآمال سرعان ما تبددت، وتوقف ارتفاع أسعار الأسهم في البورصة. وبلغت البورصة المصرية مستوى قياسيا في الانخفاض في الأول من أبريل/ نيسان هذا العام عندما سجل مؤشر هيرميس أدنى مستوى له منذ سبع سنوات عند 5747.57 نقطة وسط تصاعد الاضطرابات في المنطقة وتباطؤ نمو إجمالي الناتج المحلي الذي يعوق خفض أسعار الفائدة.

وقد يرى بعض المحللين في الإصلاحات التي تمت في الفترة الأخيرة باعتبارها انتصارا لأعضاء الحكومة -من الخبراء المتخصصين الذين يتزعمهم وزير الاقتصاد يوسف بطرس غالي- على الحرس القديم. لكن لا أحد يزعم أنه على دراية كاملة بكيفية عمل سياسات صنع القرار في مصر. وقال محلل اقتصادي إن "السياسات المصرية مثل الصندوق الأسود، هناك مدخلات وهناك مخرجات لكن لا أحد يعرف ما يجري بداخله".

المصدر : رويترز