كهرمان مرعش تبعث الثقافة العربية في جنوب الأناضول

كهرمان مرعش تبعث الثقافة العربية في جنوب الأناضول

أدباء وشعراء عرب وأتراك شاركوا في الأيام الثقافية بكهرمان مرعش (الجزيرة)
أدباء وشعراء عرب وأتراك شاركوا في الأيام الثقافية بكهرمان مرعش (الجزيرة)

خليل مبروك-كهرمان مرعش

لم تعد مدينة كهرمان مرعش تعترف بفصل اللسان بين شمال تسوده التركية وجنوب يتحدث العربية، فجنوب الأناضول ينبض بالضاد التي تقترب كبعث لهوية ثقافية وأدبية جذرها ضارب في عمق السنين ويزيدها التنوع ألقا وجمالا.

وعلى مدار يومي السبت والأحد الماضيين، احتضنت المدينة الواقعة في الجنوب الشرقي لتركيا فعاليات "الأيام الثقافية" التي نظمها "بيت فلسطين" للشعر وثقافة العودة بالتعاون مع "رابطة أدباء الأناضول" ومكتبة "تراجا أوجلان" وجمعية "إيثار" وبلدية كهرمان مرعش.

واشتملت الأيام الثقافية على أمسية شعرية لعدد من الشعراء العرب والأتراك، إضافة إلى دورات في فنون إلقاء الشعر العربي، ودورات في التخطيط للفعاليات الثقافية وتنظيمها.

ولمرعش -كما تسمى أحيانا- علاقة أصيلة بالعرب، فقد فتحها الأمويون وتعاقب على حكمها الممالك العربية التي اعتبرتها ثغرا متقدما للشام، ووقعت تحت الحكم الصليبي ثم الأرمني قبل أن يستعيدها المسلمون لتتبع في عهد العثمانيين ولاية حلب.

وفي العام 1920 ضمت تركيا كهرمان مرعش إلى أراضيها بجانب مدن لواء الإسكندرون الأربع، لتصبح المدينة منذ ذلك الحين مدينة تركية يسكنها خليط من السكان الأتراك والعرب.

وكهرمان مرعش هي المدينة الأساسية في إقليم يحمل ذات الاسم ويتكون من 10 مدن وأكثر من 470 قرية، ويزيد تعداد سكانه عن 1.12 مليون نسمة، وفقاً للإحصاء الرسمي عام 2017.

الشاعر السوري أنس الدغيم يدرب الرواد على فنون الإلقاء الشعري في الأيام الثقافية بكهرمان مرعش (الجزيرة)

عوامل الانبعاث
ويبدو واضحا للعيان أن قرب الولايات التركية الجنوبية من العراق وسوريا يجعلها أكثر احتكاكا بالثقافة العربية، فهنا تمتزج الحروف والكلمات كما الأسماء وسنح الناس في انصهار مشرقي يحفز الكلمات.

كما ساهم انتقال أعداد هائلة من اللاجئين العرب -خاصة السوريين- من الشعراء والموهوبين إلى المدينة في إحياء الثقافة العربية وإعادة اكتشافها على خارطة الجنوب التركي، لا سيما بعد موجات النزوح التي أعقبت قمع النظام للثورة السورية.

أغرت تلك التحولات المؤسسات الناشطة بمجال الثقافة والأدب العربي في تركيا باستهداف جنوب الأناضول، عندما رأت فيه تربة خصبة للتوسع والانتشار، بعدما ضربت جذورها في المدن الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة.

فهذا مدير "بيت فلسطين للشعر وثقافة العودة" سمير عطية يؤكد أن الفعاليات في كهرمان مرعش جزء من مشروع مؤسسته لتنفيذ عدد من أنشطتها خارج إسطنبول وأنقرة تحديدا.

ويهدف هذا الحراك إلى تفعيل الحضور والتفاعل الثقافي مع العرب والأتراك في سلسلة أنشطة بجنوب الأناضول شملت أيضاً مرسين وغازي عنتاب والريحانية، إضافة إلى تكرار الفعاليات في كهرمان مرعش.

ويؤكد عطية للجزيرة نت أن الحضور التركي الرسمي -إلى جانب الجمهور العربي المهتم- للفعالية أسهم في تحريك التيار الثقافي بمدن الأناضول.

وأوضح أن الفعاليات استهدفت بشكل مركز الجيل العربي الناشئ باعتباره "مستقبل الجيل الثقافي"، موضحاً أن مؤسسته تسعى من خلال هذه الإستراتيجية إلى الحفاظ على الهوية العربية والانطلاق نحو حالة إبداعية عربية في تنمية المواهب والقدرات الثقافية.

ووفقا للأدباء الذين شاركوا في الفعاليات فإن كثيرا من العوامل تتشارك في إعادة إحياء الثقافة والفن العربيين في مدن "عتيقة" تختلط فيها اللغات والثقافات والأعراق.

فهذا الأكاديمي وأستاذ اللغة العربية بجامعة حران في مدينة أورفا د. رمضان عمر يؤكد أن عودة النبض العربي إلى عروق الأناضول الجنوبية كان متوقعا، مع لمسة مميزة لكهرمان مرعش التي وصفها بأنها "ملهمة الشعراء ومدينة الشاعر الكبير نجيب فاضل".

جمهور عربي تركي أثناء أمسية شعرية في كهرمان مرعش (الجزيرة)

تيار متجدد
ويشيد عمر -وهو شاعر وأديب فلسطيني- بتفاعل جمهور مرعش وتذوقه للأنشطة الشعرية، مؤكداً أن تكرار الأنشطة العربية في عدة مدن بالجنوب التركي يؤكد "أننا أمام حركة وتيار يجدد ذاته ويتطور ويتغذى للمستقبل".

ويعتقد الشاعر الفلسطيني أن توفير الترجمة بين اللغتين التركية والعربية عامل مهم جداً للتواصل الحضاري على مستوى النخب، معتبرا أن هذا التمازج مهم جداً للإثراء الأدبي.

ورداً على سؤال للجزيرة نت حول سمات الأدب العربي العائد من بوابة الأناضول، قال عمر إن هناك إصرارا على حضور الأدب المهجري أو أدب المنفى "إن صحت التسمية" في هذا اللون.

وأوضح أن هذا الإصرار ليس إصرارا قدريا -فرضه قدر التواجد العربي بتركيا- فقط، بقدر ما هو إصرار إبداعي يظهره تخصص العديد من المؤسسات العربية في جوانب أدبية محددة، وقال إن ذلك خلق مزاوجة بين الأدب العربي والحضور في تركيا.

ولفت عمر إلى أن هذه المزاوجة "قد يكون لها دور في عملية تجديد وتفعيل أدبي افتقدناه في منطقتنا العربية".

المصدر : الجزيرة