متقاعد مغربي يحول بيته إلى متحف ساعات
آخر تحديث: 2018/4/8 الساعة 12:17 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/23 هـ
اغلاق
آخر تحديث: 2018/4/8 الساعة 12:17 (مكة المكرمة) الموافق 1439/7/23 هـ

متقاعد مغربي يحول بيته إلى متحف ساعات

سناء القويطي - الرباط

يقف عبد الكريم بلفرحون مزهوا أمام ساعة ضخمة نحاسية اللون تنتصب في إحدى غرف بيته، يفتح الإطار الخشبي الذي يحتضنها ليحكي وقلبه يضج بفخر عارم كيف قضى أياما وهو يصنعه ويزينه بالخرز الخشبي.

يقول عبد الكريم للجزيرة نت إنه اشتراها من سوق الخردة بـ2250 درهما (حوالي 244 دولارا) وكلفه إصلاحها وصنع إطارها الخارجي حوالي 3500 درهم (حوالي 380 دولارا)، لتحجز مكانها ضمن مقتنياته من الساعات البالغ عددها تسعين ساعة تتوزع على غرف بيته المكون من طابقين.

ويبدو منزل هذا الرجل الستيني من الخارج مثل باقي المنازل في الأحياء الشعبية بضواحي الرباط، لكن بمجرد تجاوز عتبة الباب يقف الزائر منبهرا أمام لوحة فنية متناسقة، جدران مزينة بالخرز والخشب وساعات من أنواع وأحجام مختلفة.

يهوى عبد الكريم اقتناء الساعات القديمة، ويبذل وقته في إصلاحها وبعث الحياة فيها، وهي الهواية التي بدأ مزاولتها منذ ما ينيف على ثلاثين سنة، وجعلها منذ تقاعده قبل سبع سنوات طوق نجاة من سيف الزمن.

شغف منذ الطفولة
يعود عبد الكريم بلفرحون بذاكرته عقودا إلى الوراء ليحكي للجزيرة نت الشرارة الأولى لعشقه للساعات، كان لا يزال طفلا عندما أُعجب بساعة معلمه، وظل يمني نفسه بواحدة مماثلة تزين معصمه الصغير لكن فقر أسرته حال دون تحقيق المراد.

يروي عبد الكريم وابتسامة حنين إلى الماضي تغازل وجهه، كيف دفعته هذه الرغبة الجامحة إلى صنع ما يشبه الساعة بغطاء حديدي لقنينة مشروب غازي وقطعة زجاج وورقة كتب عليها الأرقام وخيط ثبتها به في يده ليمشي بها في الحي يباهي أقرانه.

لم تطفئ السنون هذا الشغف الذي وضعه جانبا عندما بدأ يزاول مهنة الفلاحة وتزوج وأنجب الأبناء، لينبعث من الرماد سنة 1987 مع دخول السلع القادمة من دول أوروبا على يد المهاجرين المغاربة، وكان أول ما اشتراه ساعة إيطالية الصنع.

ويتذكر كيف رفض صديق له إصلاح ساعته التي تعطلت بمبررات واهية، فاندفع يفككها ويستكشف أجزاءها الداخلية ويعيد تركيبها حتى غدا مع توالي السنين ضليعا في إصلاح أي عطل يعتريها، ومنذ ذلك الحين صارت أسواق الخردة مقصده ومهواه حتى بات معروفا بين الباعة بعاشق الساعات.

هوية بيت
الساعات هي جزء من هوية بيت بلفرحون، بعضها على شكل بيوت خشبية وأخرى تتخذ هيئة نجوم ودوائر ومربعات، بعضها بأرقام لاتينية وأخرى عربية، أما عقاربها فبعضها تدور من اليسار إلى اليمين وأخرى من اليمين إلى اليسار.

ليست الساعات وحدها تملأ بيت بلفرحون، بل شرع منذ سنوات في تزيين بيته بالخرز الخشبي، يحصل عليه من اقتناء أغطية مقاعد السيارات المصنوعة من الخرز من أسواق الخردة، ينظف حباته ويشقه بدقة متناهية من إحدى الجهات ويلصقه بحواف الخشب.

ويزين عبد الكريم بهذه الحبات جدران بيته والموائد والسقف وإطارات الساعات، وتضم الصالة الرئيسية حوالي ثلاثين ألف خرزة خشبية، فيما أضفى اللونان الأخضر والأصفر والبرتقالي على الغرف جمالا ورونقا.

متعة لا كسب
لا تعارض زوجة عبد الكريم شغفه الذي حول البيت إلى معرض للساعات ومتحف فني يخالف المألوف في الأثاث لدى الجيران والأقارب، بينما لا تألو بناته جهدا في مساعدته على صباغة الخشب أو الموائد متى احتاج إلى مساعدة.

ويؤكد هذا الرجل المتقاعد تعلقه الشديد بساعاته وحرصه على العناية بها وإصلاح أي عطل يراه فيها، وهو الجهد الذي لا يبذله -كما يقول- من أجل كسب المال، بل سعيا وراء المتعة وملاحقة لشغفه الذي يسري في عروقه، حتى إنه رفض بيع ساعته الضخمة لشخص عرض عليه عشرين ألف درهم مقابلها (حوالي 2171 دولارا).

وفي كل يوم، تشق دقات الساعات بانتظام سكون بيت عبد الكريم بلفرحون لتخبر أهله بمرور الزمن "كل يوم هو حياة جديدة علينا قضاؤها فيما يفيد"، كما يقول، آملا أن يجد الشباب فيما يقوم به دافعا لاتباع شغفهم والإبداع بما توفر لهم من إمكانيات ووسائل.

المصدر : الجزيرة